ستون عاماً وانت ممدد بين ضفتيك تقارب بين الرصافة والكرخ، رصافة علي بن الجهم الذي قال عنها بعد أن رق شعره بفعل عيون البغداديات:
عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

هذه العيون التي استبدلت كحلها بالدموع منذ سنوات.
وكرخ علي بن زريق البغدادي الذي ودع فيه حبيبته حين ارتحل بحثاً عن الرزق فقال يبكيها:

استودع الله في بغداد لي قمر بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
وهل هناك مكان كتب عنه وقيل فيه الشعر أكثر من حاضرة الخلافة العباسية quot;بغدادquot;؟ وبغداد هذي المكونة من جانبي الكرخ والرصافة ، كنا نسمع عنها حكاية يوم كنا صغاراً أنه باكتمال جسرها السابع ستصيبها الكوارث، والغريب أن هذا ما حصل بالفعل، فما إن اكتمل بناء سابع جسورها حتى نشبت الحرب العراقية الإيرانية ومن يومها لم يهدأ العراق ولا نامت بغداد ليلها منتظرة صبحاً أفضل.
الجسر الحديدي (الصرافية) هو ثاني أقدم جسورها في التاريخ الحديث بعد جسر الشهداء، وقد بني بطريقة فريدة فقد غلف كامل الجسر بإطار حديدي متقاطع ومتماسك كما انه أعلى الجسور ارتفاعاً عن سطح الماء. من تحته ينساب بصمت نهر دجلة بمائه الرقراق منحدراً نحو الجنوب، هذا النهر الذي حياها الجواهري تحية ما زلنا نرددها:
حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين
وما زلنا نفارقه على الكراهة بين الحين والحين.
ومن فوقه تمر السيارات المسرعة والقطار المترنح quot;الريلquot; الذي زجره المطرب ياس خضر أن لا يصفر مخافة أن تجفل حبيبته:
ولك ياريل لا تصرخ أخاف تفزز السمرة
وهاهي العراقية السمراء مفجوعة منذ عقود وزادت فجيعتها بعد الاحتلال.

الجسور في بغداد ليست جسوراً يمر عليها العابرون ، إنه حياة كاملة تتحرك عليه، فما إن يبدأ الصباح حتى تدب الحياة فيه.
أيها الجسر كم من العشاق مروا عليك يتهامسون بكلمات الحب باستحياء، وكم من الطلاب اجتازوك يهرولون الى قاعات الدرس وهم يحلمون بمستقبل جميل، وكم من الباعة بعرباتهم مروا فوقك وهم يبحثون عن الرزق الحلال، وكم من الثوار عبروك وهم منشغلون بما يخططون له.
آه كم كانت صباحات بغداد مشرقة جميلة، حدائق غناء في كل مكان ووجوه باسمة حالمة، ومن على الجسر يمضي السابلة كل الى غايته، فتتسارع خطاهم عند نهايته بفعل انحدار الجسر في سير أقرب الى الهرولة، أما الصبية فهذه فرصتهم للركض وهم فرحون بالذهاب الى المدرسة وبميلاد صباح جديد. يمتلئ الشارع بالنساء الجميلات وهن يرتدين الملابس الملونة مما يضفي على الشارع البهجة والسعادة، يمضين الى جامعاتهن ووظائفهن بثقة، والجميع يدرك أن لذة الحياة وقيمتها أن يتحرك الانسان و(في الحركة بركة) لا أن يتكاسل ويتهرب من عمله.
أيا جسر الحديد كيف لنا أن نودعك وحتى المطربون تغنوا بك فأنت جزء من ذاكرتنا المحببة، سميرة توفيق حين زارت العراق في السبعينات رددت أغنية من التراث البغدادي وغنى معها البغداديون كما لم يغنوا من قبل:
يا عين موليتين وياعين مو لية
جسر الحديد انقطع من دوس رجلية
وهاهو ينقطع لا بفعل كثرة مرور الحبيبة بحثاً عن حبيبها ولكن بفعل تفجير هذا الجسر العزيز على قلوب الجميع، وأتساءل بحيرة لماذا يستهدف جسر رئيس في بغداد، وماذا سينفع غير مزيد من الأسى واليتم والفجيعة، وهل هذا ما تفعله السياسة وحب السلطة وهل هذه سياسة بحيث يحولون البلد الى ركام دون أن ينتصر أحد، والخاسر الوحيد هو الوطن، لماذا هذه الفضيحة حتى بات المرء يخجل من انتمائه، وهل هناك جنون مثل جنوننا، ثم من أين أتت هذه القسوة ضد بعضنا البعض، ولماذا هذه القسوة من العالم على العراق.
في التسعينات هدمت أمريكا الكثير من الجسور ومن أجملها وأهمها المعلق والجمهورية، وأعيد بناؤها بأصرار العراقيين يوم كان العراق دولة بمؤسسات، حتى أن جسر الجمهورية أعيد بستة أشهر وقد سقط وسطه في النهر، واليوم ترى متى سيعاد بناء الجسر الحديدي إذا أعيد ، وإن أعيد متى يبنى الإنسان العراقي الجديد، ومن يعيد أمواتنا ومن يمسح الدمع عن عيون الأيتام، ومن يؤمن للعراقيين أن ينعموا بالسلام في دار السلام.
[email protected]