لاحت فرصة ذهبية لرئيس هيئة اركان الجيش التركي الجنرال يشار بويوكانيت حين سماعه نبأ وقوع انفجار في وسط العاصمة التركية أنقرة اسفر عن مقتل 6 اشخاص وجرح آخرين. الرجل كان يمهد ومنذ اشهر طويلة للتعبئة العامة ضد الكرد ويطالب الجميع quot;بتأجيل خلافاتهم السياسيةquot; وتعطيل كل الاصلاحات( وهي قطعاً هنا ليست اصلاحات حقيقية، بالمعنى المعروف للكلمة) وquot;اعلان النفير العامquot; للتوجه لكردستان الجنوبية ( كردستان العراق) وضرب معاقل حزب العمال الكردستاني. وها هو الإنفجار/الفرصة قد لاح اخيراً ليستغل الجنرال الوضع، ويشتغل بشكل اكثر مرونة لشحن قطاعات الشعب التركي ضد الكرد والحركة التحررية الكردستانية بغية خلق الأرضية المناسبة لسوق العسكر ودخول اقليم كردستان الجنوبية.
بويوكانيت اتهم العمال الكردستاني حال سماعه النبأ، وتوجه مباشرة لمكان الحادث ليطلق تصريحات تهدد حزب المجتمع الديمقراطي والمؤسسات الكردية الأهلية في اقليم كردستان الشمالية وتركيا بالعقاب وبمزيد من التضييق والملاحقة( وربما بالتصفية الجسدية عن طريق فرق الإغتيالات الخاصة التي يشرف عليها شخصياً)، وكل ذلك بوصف هذه المؤسسات quot;تدعم الإرهاب وتنظّر له في البلادquot;، كما قال. لكن العمال الكردستاني قطع الطريق على بويوكانيت، و سارع باصدار بيان ينفي فيه مسؤوليته عن تفجير العاصمة.
دنيز بايكال من جهته، وهو رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل كتلة المعارضة في البرلمان، هدد الكرد بالويل والثبور، مطالباً الجيش quot;بالزحف فوراًquot; على كردستان الجنوب وquot;ضرب المتمردين الأكرادquot;. بايكال لم ينس كذلك انتقاد حكومة العدالة والتنمية quot;الضعيفةquot; والتي quot;لاتستطيع حماية مصالح تركيا الإستراتيجيةquot;.
ثمة هنا مزايدة كبيرة بين اركان الحكم في تركيا. العسكر وبايكال يطالبون بالحرب وضرب حزب العمال الكردستاني وحكومة كردستان الجنوبية. واردوغان وعاجز عن الحركة ومشغول بالانتخابات التشريعية المبكرة(22 حزيران القادم)، وهو الذي خسر الكثير من اوراقه وquot;كاريزميتهquot; اثناء نجاح الفريق الآخر في تعطيل خططه بالإستيلاء على كرسي الرئاسة. هناك خشية من إنقلاب عسكري حقيقي يطيح بالعدالة والتنمية بشكل كامل كما حدث مع اربكان عام 1997. وارودغان يعي تماماً ان الجيش بقيادة رجل مثل بويوكانيت متمرس في القتال والحرب لن يسكت على تمريره لأجندة حزبه في مرافق الدولة. بايكال وجماعته من العلمانيين( الذين يشكل العلويون في البلاد عماد قوتهم) يراهنون على المزاج الشعبي المعادي للكرد وعلى شحنة العنصرية العالية في المجتمع التركي. هم هنا وبمساعدة وسائل الإعلام التركية التحريضية، يصورون الكرد كأعداء وأردوغان كرجل ضعيف، عاجز وغير قادر على التعامل مع التهديد الكردي المتعاظم.

ما المطلوب إذن؟
المطلوب بحسب العسكر والمعارضة هو هجوم ساحق على كردستان الجنوبية حتى ولو اقتضى الأمر مواجهة واشنطن نفسها. ولتهيئة ذلك يجب تضخيم quot;الخطر الكرديquot; والتهويل من شأنه. ونحن نعلم بأن التنسيق مع واشنطن في ما تسمى (باللجة الثلاثية لمتابعة ملف حزب العمال الكردستاني) قد فشل فشلاً ذريعاً، واقيل ممثل انقرة في اللجنة الجنرال المتقاعد اديب باشار، الذي وصف تلك اللجنة quot;بالميتةquot; والعمل فيها quot;بمضيعة للوقتquot;. وبهذا، بقي الممثل الأميركي الجنرال جوزيف رالتسون وحده، وهو الذي قالت صحيفة لوس انجلس تايمز الأميركية بأنه quot;خدع الأتراك، وكان سمساراً شاطراً عندما نجح في تمرير عقد بيع 100 طائرة قتالية حديثة للجيش التركي، كان هذا الأخير بغنى عنهاquot;...
بويوكانيت رجل له ماض معروف في قيادة الحرب في كردستان الشمالية. وهو الذي شكل فرق الحرب الخاصة لتصفية الوطنيين الكرد. كشف التحقيق الذي اجري في حادثة شمزينان 9/11/2005 عن تورطه شخصياً في محاولة اغتيال احد النشطاء السياسيين الكرد. وهو الآن يريد جر البلاد لحرب كبيرة مع الكرد، للحفاظ على نفوذ المؤسسة العسكرية ولجم quot;اصلاحاتquot; أردوغان وفريقه، وقطع الطريق على الإتحاد الأوروبي. ورغم ان قوات الأمن التركية اعلنت انها توصلت لهوية الإنتحاري الذي نفذ الإعتداء، وهو شخص يدعى (كوفن آكوش) وينتمي لمجموعة يسارية متطرفة، الاّ ان حزب العمال الكردستاني يظل هو الهدف الرئيسي. والجيش والحكومة والمعارضة يحاولون الآن عرقلة خطط حزب المجتمع الديمقراطي في التحضير للانتخابات وخصوصاً وهو الذي اطلق مرشحين مستقلين للإلتفاف على حاجزال 10% . وتقول الأوساط الرسمية ان الحزب ربما يحقق نجاحاً كبيراً ويصدر حوالي 40 برلمانياً كردياً للبرلمان التركي. الكل يعادي هذا التوجه: الحكومة تضيّق على الحزب الكردي وتعتقل مؤيديه ومسؤوليه كل يوم، فضلاً عن استصدارها لقانون جديد من البرلمان يلزم جميع المرشحين بادراج اسمائهم ضمن قوائم الأحزاب السياسية. والجيش اخطر جنوده المنتشرين في ولايات كردستان الشمالية( وهم حوالي 200 الف جندي) بالمشاركة في الانتخابات والتصويت للأحزاب التركية quot;الأتاتوركيةquot;، وينضم رجال ميليشيات حماة القرى وعوائلهم لهذه الحملة ايضاً.
تركيا امام مفترق طرق الآن، اما الحرب والفوضى واما الديمقراطية وحل القضية الكردية عن طريق الحوار والتفاوض. ولأجل ترجيح احد هذين الخيارين، من المهم الإشارة هنا إلى ان القضية يجب ان تٌحسم بين العدالة والتنمية ومؤسسة الجيش بقيادة بويوكانيت. وبيضة القبان التي ستحسم القضية وتحلها من quot;شروشهاquot; ، موجودة في... واشنطن!. واستخدامها لصالح هذا الفريق أو ذاك مرهون بالخطط القادمة: ضرب إيران، الوضع في العراق والحرب على الإرهاب..!.

[email protected]