قد يختلط على الكثيرين فهم بعض مقارباتنا للشأن المصري وأحوال المنطقة، فتبدو له كما لو كنا ندعو دعوة شوفونية وانعزالية، تنشد عزل مصر عن محيطها، بل وربما ذهبت بالبعض ظنونه، إلى حد أن يتصور فيما دعونا إليه موقفاً عدائياً، أو حتى سلبياً من شعوب المنطقة، ومن التحديات الحقيقية التي تواجههم.. وهذا الفهم المغلوط، فوق أنه آخر ما يمكن أن يدعو إليه أحد ممن يدعون إلى الليبرالية، والتي أهم وأثمن ما تعني الانفتاح على الآخر، بل فلنقل أن قاموس الليبرالية لا يحوي من الأساس مفهوم quot;آخرquot;، فجميع البشر وفق النظرة الليبرالية للحياة سواء، كما أن الاختلاف والتنوع بين البشر قانون وجودي كوني، لا يترتب عليه وجوب انعزال المجموعات المتماثلة في جيتوهات معزولة، كما لا يترتب عليه بالتأكيد تصنيف البشر في درجات يعلو بعضها البعض.. علاوة على هذا الأساس النظري، الذي ينأى بدعوة الليبرالية عن الميول الانعزالية، فإنه من الناحية العملية، يُعْتبر الانعزال دوماً، وبالأخص في عصرنا الراهن، هو أشد عقوبة يمكن أن ينزلها المجتمع الدولي بشعب، وبالتالي فهو أسوأ ضرر يمكن أن يلحقه شعب بنفسه، إذا ما اعتنق هو من تلقاء ذاته رؤى عنصرية واستعلائية، تفصله عن تيار البشرية، وبالتالي عن مسيرة حضارة الإنسان، ليلقى مصيره المحتوم في مثل تلك الحالة، وهو السقوط في هاوية العزلة، ومن ثم التخلف، فكم بالأولى يجدر بشعوب منطقة الشرق الأوسط أن تتلاحم وتتعاون، إن أرادت لنفسها مستقبلاً أفضل؟!
أعتقد أنه يلزم في البداية أن نوضح، أن دعوتنا لعودة مصر إلى ذاتها، أو كما جاء في مقال سابق، عودة مصر للمصريين، لا تنطلق من أسس نظرية، تغرق في أبحاث عن هوية ثابتة عبر الزمن، سواء كانت من منظور عرقي أم ثقافي، فمثل تلك المقاربات في شرعنا ليست أكثر من تهويمات، لا تؤدي إلا لانحراف الإنسان عن إنسانيته، لتصنفه كما تصنف الأشياء الجامدة، المنزوع عنها بعد الزمن، ويحضرنا هنا القول، بأنه quot;لا يبقى ثابتاً على حاله غير الحمار والجدارquot;، وهذا بالتحديد ما يجعل الحديث عن هوية أي شعب، بصفتها جوهر ثابت، يجب الحرص على نقائه، وعدم تلوثه بغزو عرقي أو ثقافي، هو من قبيل اللغو الفارغ، بل والمدمر لكل من يأخذه على محمل الجد.
هكذا تكون مناهضتنا لدعوى العروبة، هي بالأساس موقف عملي، مما صاحب تلك الدعوة من توجهات عملية، ساندتها رؤى انطلقت من قاعدة أيديولوجية فاشية، اتخذت من العداء للآخر مرتكزاً لتجييش الجماهير، ودغدغة أسوأ ما في الإنسان من نوازع، وهي نوازع الخوف والعداء للآخر، فكان ما وصلت إليه الآن شعوبنا، فأصبحت مفرخة للإرهاب، ولأيديولوجيات الكراهية ومعاداة الحضارة والمتحضرين.
ربما يتشابه موقفنا هذا إلى حد ما، مع موقف من لا مانع لديه من أن ينسبه أحد ولو زوراً أي انتساب يشاء، إذا كان هذا التلفيق سيعود عليه بمردود إيجابي، أما إذا اجتمع الانتساب الزائف مع الضرر الشديد، كما في حالة نسبة المصريين إلى جنس العرب وفق أيديولوجيا العروبة السائدة بالتحديد، فإن الرضى أو السكوت على الأمر، يكون جريمة مضاعفة في حق الذات، بالطبع مع شديد احترامنا وتمسكنا بقاعدة، أن كل ما يبنى على باطل، لابد وأن يكون باطلاً، مهما كانت نتائجه الظاهرية والمؤقتة تبدو إيجابية.
لا نعتقد أن أي مكابر يستطيع أن ينكر، أن أيديولوجيا العروبة التي أشبعنا أنصارها طوال السنوات الماضية معارك كلامية مجيدة، كانت صاحبة أكبر سلسلة هزائم ونكبات سياسية وعسكرية، في حين أنها لم تفد قضية التعاون والتقارب بين شعوب المنطقة، ناهيك عن الوحدة التي يمتشقون حسامها، بل بالعكس تسببت في إهدار مقومات التعاون والتكامل المادية المتوفرة بالفعل، والتي بدون توظيفها وتفعيلها، لا أمل لأي من شعوب هذه المنطقة في التطور والنمو في عصر التكتلات الكبيرة، والذي لا مكان فيه للكيانات المنعزلة والضعيفة.
ما حدث أن دعوة العروبة قد أدت بما تبنته من توجهات وقضايا مفارقة للواقع، ولطبيعة المرحلة سياسياً واقتصادياً وثقافياً على المستوى العالمي، إلى تعثر مسيرة التنمية السياسية والاقتصادية بالمنطقة، بما يمكننا من القول باطمئنان، أن أيديولوجيا العروبة أثبتت أنها المدخل الأسوأ، للتعاون بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، وأنه لو لم تكن هذه الدعوة، لكانت هذه الشعوب قد توجهت من تلقاء نفسها إلى التعاون والتكامل، والذي نستطيع أن نرصد حالياً بعض ملامحه، رغم مظاهر العداء السياسي بين بعض نظم المنطقة، فالسياسة الحمقاء قد تفسد التعاون الذي تدفع إليه المقومات المادية، لكنها لن تستطيع أن تقضي على هذا التعاون نهائياً، فضرورات الواقع لها تأثيرها، الذي يستطيع تجاوز شطحات السياسيين والمثقفين الحنجوريين، لكن بالطبع بقدر محدود، لابد وأن يكون أقل كثيراً من الممكن والمأمول، وهذا هو بالتحديد حال شعوبنا المزعوم وحدتها الآن.. فنوبات الوحدة والعداء المتتالية تجاه الشعب المصري، والتي تنتاب سيادة الأخ العقيد بصورة دورية، لم تزد، كما لم تقض على التعاون بين الشعبين المصري والليبي، ذلك الذي يحتمه احتياج كل من الشعبين للآخر، وإن كانت تلك النوبات بلاشك قد أعاقت النمو الطبيعي والكامل لتلك العلاقات.
لم نر في أنحاء عالمنا العربي مثلاً مظاهرات حاشدة، تساندها تلك القنوات التليفزيونية التي احترفت التحريض على الكراهية وسفك الدماء، تطالب بمشروع متكامل لمحو أمية الشعوب العربية، بدعم من فوائض الثروة البترولية، تلك الثروة التي لا نتذكرها، إلا عند حديثنا عن مقاطعة الدول الكبرى، أو عند المطالبة بتوظيفها في خدمة دعاة القتل والذبح والتخريب.. كما لم نسمع من النخبة الثقافية والإعلامية، دعوات لتوظيف واستثمار تلك الفوائض في المناطق الأشد فقراً، ولم يكن من الوارد بالطبع والحالة هذه، أن يفكر أحد في أن يُخرج إلى النور مشروع لتطوير نظام التعليم والأبحاث العلمية، فيما يرددون أنه العالم العربي الواحد.. فمثل تلك الدعوات ليست من النوع الذي يخطر على بال أو يستهوي مناضلينا ومجاهدينا الأشاوس، الذين نذروا أنفسهم وتخصصوا في دعوات الكراهية والعداء، لأي أحد وكل أحد حتى لأنفسنا، لتظل مثل تلك القضايا على أحسن الفروض، سجينة أدراج الجامعة العربية المجيدة، محرومة من نظرة جادة وكريمة، من الأمين العام العروبي الهمام.
فرغم أن البذرة الأولى لفكرة العروبة، تلك التي تبناها القوميون العرب لتكون بديلاً عن فكرة الخلافة الإسلامية، لا تخلو من إخلاص وحسن نية وتعسف أيضاً، إلا أن ما لحقها بعد ذلك على يد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي من المغامرين الصناديد، بجانب الطبعة الناصرية من دعوة العروبة، حولها لتكون ابتلاء للمنطقة وشعوبها، بدلاً من أن تمثل نهضة أو بعثاً حقيقياً، وليس بعثاً على الطريقة الناصرية والصدامية والأسدية.
وهذا الذي اعتبرناه انحرافاً عن المسار المفترض لدعوة العروبة، لا يرجع لمجرد سوء التطبيق، الذي لا يحسب على النظرية، ففكرة الوحدة العربية من الأساس فكرة تعسفية مقحمة على الواقع وعلى حقائق التاريخ، التي يسيء منظرو العروبة قراءتها عن عمد، ليخرجوا لنا باستنتاج مضحك ومؤسف معاً، هو أن المنطقة ما بين الخليج والمحيط هي بالأساس دولة واحدة وأمة واحدة، وأن الاستعمار أو الإمبريالية هي التي تآمرت على تفتيتها، تحقيقاً لمصالحها في الهيمنة ونهب الثروات.
يتجسد في هذا الادعاء المحوران أو الخطيئتان الأساسيتان في فكر العروبة، ومن ثم في توجهاتها التطبيقية، هذا بالطبع بالإضافة إلى باقي المغالطات والزلات القاتلة، فالمحور الأول هو القول بأمة واحدة ودولة واحدة، والمحور الثاني أن الاستعمار هو الذي فرقنا.
بالنسبة للمحور الأول، إذا كان هناك مشتركات بين شعبين، تسمح لهما بالقيام بجهد بناء مشترك، لكن قادة هذين الشعبين، من قبيل الحماسة أو السذاجة أو سوء النية، قرروا عدم الاكتفاء بالبناء على الجزء المشترك واستثماره، تمهيداً لتعظيمه في المستقبل، وإنما أرادوا القفز فوق عناصر الاختلاف العديدة بينهما، إلى افتراض التوافق أو التطابق التام، مدعين أنهما في الحقيقة شعب واحد وليس شعبين، وبالتالي ينبغي أن يعيشوا حياة مشتركة، محكومة بمنظومة اقتصادية وثقافية وسياسية واحدة.. هذه القفزة التعسفية في الفراغ سوف تجعل كل شعب يصاب بالفزع والخوف على نفسه وخصوصيته من هيمنة الآخر، علاوة على ما ينتج على المستوى المادي من فشل ومشكلات وخلافات، مرجعها إقحام الأوضاع والعلاقات الموحدة الهابطة من سماء المثالية العروبية، لتكون بديلاً عن العلاقات الطبيعية العلمية، التي تحتمها الأوضاع المادية على أرض الواقع، وقد يجاري هذان الطرفان المتشدقان -نفاقاً أو تقية- بالوحدة بعضهما البعض موافقة، من قبيل طيب الأحاديث، كما يحدث في جميع المؤتمرات واللقاءات في معرض مثل تلك المحاولات، لكنهما لن يتقدما خطوة واحدة عملية باتجاه تلك الوحدة المزعومة، وإن حدث وتقدما، كما فعل الرئيس السوري شكري القوتلي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي مع عبد الناصر، وكونا الجمهورية العربية المتحدة، فإن تلك الوحدة التعسفية المتجاهلة لحقائق اختلاف الطرفين لن تلبث أن تنهار، ليعقبها شقاق وعداء لسنوات، لو أنفقت في التعاون الموضوعي العقلاني على استثمار المشترك، لأدت لنتائج إيجابية بعيدة المدى، تتأسس على صخرة الواقع، وليس على أوهام وطموحات زعامة، لمغامرين يتلاعبون بالمقولات والشعارات، ليس بالأساس إيماناً منهم بها، وإنما بالدرجة الأولى سعياً لتحقيق أحلامهم الإمبراطورية.
المحور الخطيئة الثاني في فكر العروبة هو التوجه نحو ما سميناه الإمبريالية كسبب لتفريقنا، فقد صارت هذه الفكرة هي المعلم الأساسي الذي طبع خطاب العروبة بصبغة سوداء عدائية تجاه الآخر الغربي الموصوم بالإمبريالية، وتراجع في الخطاب التركيز على المصالح المشتركة بين الشعوب كعامل تقارب وتوحد، لصالح تجميعها على أساس العداء المشترك لآخر، وكان من الطبيعي والأمر هكذا أن فكر العروبة رغم علمانيته صار الرحم الذي نمى فيه جنين فكر الإسلام السياسي المتطرف والمعادي للآخر.
ويبدو أن هذا العداء للمطلق المسمى بالإمبريالي لم يكن كافياً لتدعيم دعوة العروبة واستقطاب الجماهير حول المنادين بها، فوجد هؤلاء في قضية الشعب الفلسطيني العادلة القميص المثالي، الذي يتيح لهم ارتداؤه الصراخ بدعوات العداء المرتجي، فكان أن صكوا لها شعار quot;قضية العرب المركزيةquot;، ومن الجلي أنها مادامت قد صارت قضية مركزية، فإن العرب أو بالأصح الأشاوس منهم، سيكونون دوماً بحاجة لتلك القضية المركزية، وإلا صاروا هباء بدون المركز التي تحلقوا حوله، وهذا يعني ضرورة بقاء هذا القضية بلا حل، لأن في حلها انفراط عقد العروبة المزعومة.. من هنا نستطيع أن نرى بصورة أوضح، المغزى وراء تشكل جبهات مثل quot;الصمود والتصديquot; وquot;الممانعةquot; وما شابه، فهي جبهات تصد ومانعة لحل أو لزوال quot;قضية العرب المركزيةquot;، والتي بدونها لن يكون هناك في شرعهم مبرر أو محرض على وحدة عربية ولا بطيخ.
بعد بدايتها الأولى التي افترضنا نبلها، تحولت فكرة العروبة إلى أيديولوجيا صدامية، ولم تنجح في تجنب الصدام، بل ولم تحاول أن تؤجله في حال وجوبه، لحين استكمال مقومات القوة الذاتية، فقادتها افتقدوا إلى الصبر على التصادم، بذات قدر افتقادهم القدرة والرؤى البناءة، التي يمكن أن يؤسسوا عليها زعامتهم، أو يروجوا بها ما يشاءون من أيديولوجيات، فكان أن قادوا شعوبهم ليس فقط للتصادم مع العالم المتحضر، بل وللتصادم بين بعضهم البعض، وقسم المغامرون الميامين المنطقة إلى نظم ثورية جديرة بالقيادة والسيادة، ونظم رجعية متخلفة ينبغي القضاء عليها، وهكذا استهلكنا نصف قرن مضى، نتحطم ونحن نحاول أن نحطم، لنصل إلى ما وصلنا إليه الآن في ظل دعوة العروبة ودعاواها، وقد أصبحنا طريدة للعالم المتحضر ومشكلته المستعصية على الحل.
الخلاص في شرعنا إذن أن نسحب سجادة دعوى العروبة تلك من تحت أقدام المغامرين ودعاة الصدام والاستبداد والهيمنة، وأن ننكب على إشكاليات التنمية والحداثة والديموقراطية، كل شعب حسب ظروفه.. فإن حدث هذا، ونجحنا في ترتيب بيوتنا داخلياً، فسوف يجد المخلصون من دعاة وحدة السلام والرخاء، وليس وحدة الصراع الأبدي، أن شعوب المنطقة تتقارب وتتكاتف من تلقاء ذاتها، مقيمة شبكة تنمو يوماً فيوماً من العلاقات الطبيعية، التي تقودنا إليها المشتركات الموجودة بالفعل بين شعوب المنطقة، ذلك دون ما صياح وتحريض وشعارات، عندها سنجد أنفسنا نتقدم إلى ما يشبه الوحدة الأوروبية، القائمة على أسس واقعية مادية، وليس على دعوات عنصرية مدمرة، كوحدتنا العربية المزعومة.
[email protected]