في وضعٍ معقّدٍ شهدته المنطقة العربية في العقد الأخير، برزت الحاجة إلى قيادة تواجه الفوضى وتمنع الانهيار الكامل. وهنا برز الأمير محمد بن سلمان بوصفه مهندس تحوّلٍ استراتيجي أعاد تعريف دور السعودية من دولة ردّ فعل إلى دولة مبادرة ترسم إيقاع الإقليم وتعيد ترتيب موازين القوى.
جوهر هذا التحوّل يستند إلى معادلة بسيطة وحاسمة: لا سلام بلا توازن قوى، ولا توازن بلا دولة وطنية مركزية قوية، ولا استقرار في ظلّ ميليشيات تتغذّى على انهيار السيادات. هذا الوعي نتاج قراءة عملية لما جرى في سوريا وليبيا والسودان واليمن والصومال، حيث أدّى سقوط الدولة إلى فوضى مستدامة وانكشاف شامل للأمن العربي.
إيران: إدارة صراع بعقلٍ بارد
قبل 2015 كان الأمن السعودي يُدار بعقلية حذِرة، دفاعية في معظمها، ومرتبطة بدرجة كبيرة بالمظلّة الأمنية الأميركیة. اليوم باتت السياسة الأمنية أكثر استقلالًا واستباقًا: الانتقال من انتظار التهديد إلى الذهاب إلى منبعه، ومن تلقّي الإملاءات إلى صياغة القرار الأمني من داخل الرياض وفق مبدأ «السعودية أولًا».
التعامل مع إيران يمثّل اختبارًا حقيقيًّا لنهج محمد بن سلمان. في المرحلة الأولى، جرى كبح التمدّد الإيراني عبر رفع كلفة المواجهة، مع تحرّكٍ دبلوماسي لعزل طهران وتقييد هامش مناورتها. وحين أُعلن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران برعاية صينية في آذار (مارس) 2023، في اتفاقٍ نصّ على احترام السيادة وعدم التدخّل، لم يكن ذلك تعبيرًا عن ثقة بطهران أو تطبيعٍ استراتيجي، بل عن مقاربة براغماتية لخفض مستوى الاشتباك وتقليل كلفة المواجهة المفتوحة، وفتح نافذة لتركيز الموارد على التنمية والتحوّل الداخلي في البلدين.
اليمن: منع انهيار الدولة ومنع التقسيم
اليمن شكّل أصعب ملفات الأمن القومي السعودي. سقوط صنعاء بيد الحوثيين كان يعني قيام قاعدة صاروخية موالية لإيران على الحدود وعلى البحر الأحمر وباب المندب، وسقوطًا شبه كامل لمؤسسات الدولة. التدخّل العسكري السعودي أوقف تمدّد الحوثي إلى كامل الجغرافيا اليمنية. ومع تعقّد المشهد وانتقال الخطر أيضًا إلى الجنوب عبر نزعات انفصالية، تحرّكت الرياض لاحتواء مشاريع التقسيم والضغط نحو دمج القوى المسلّحة ضمن إطار الشرعية والحفاظ على وحدة اليمن. وقد انتقل النهج السعودي إلى مسار تفاوضي مباشر مع الحوثيين، وبناء حوارٍ جنوبي طمعًا بتسوية سياسية تُحاصر احتمالات التفتيت، في مقاربةٍ تُمَرْحِلُ التسوية خطوة خطوة وعلى دفعات.
السودان وسوريا: أولوية الدولة المركزية
في السودان، تبنّت السعودية موقفًا ينطلق من حماية الدولة لا الميليشيا، فدعمت مسارًا يهدف إلى الحفاظ على وحدة البلاد، واستضافت محادثات منصّة جدة في أيار (مايو) 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع في محاولة لوقف النار وتثبيت وجود دولة واحدة لا كانتونات متحاربة. وعندما أصرّت قوات الدعم السريع على التقسيم بإقامة حكومة موازية، انحازت الرياض إلى وحدة البلاد التي يدافع عنها الجيش الوطني.
في سوريا، ساهمت الرياض في مسار إعادة دمج دمشق عربيًّا بعد سقوط النظام القديم أواخر 2024، لصالح دعم الدولة السورية الجديدة بالضغط على واشنطن لرفع العقوبات، مع حرصٍ واضح على الحفاظ على وحدة البلاد وقطع الطريق على مشاريع التقسيم، ومع استعدادٍ لتوظيف ثقلها المالي والاستثماري في إعادة الإعمار ضمن هذا الإطار.
فلسطين والتحالف الإسلامي والتوازن الدولي
في القضية الفلسطينية، حافظ محمد بن سلمان على خطٍّ واضح: لا تطبيع كامل بلا حلٍّ جدّي يفضي إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة، إدراكًا منه أن أيّ ترتيبات إقليمية تتجاوز الفلسطينيين لن تصمد على المدى الطويل. إلى جانب ذلك، تتبلور رؤية عند الأمير محمد لتحالفٍ إسلامي أوسع يربط السعودية بباكستان ومصر وتركيا في إطار تعاونٍ عسكري واقتصادي متقدّم، يهدف إلى بناء كتلة قادرة على تحقيق توازنٍ إقليمي وردع الاختراقات الخارجية، ولو بشكلٍ تدريجي بفعل تباين المصالح والحسابات.
خارجيًّا، انتقلت المملكة إلى سياسة «تعدّد الشراكات» بدل الارتهان لطرفٍ واحد؛ عزّزت علاقاتها مع الصين وروسيا، وانفتحت على أطر مثل بريكس، مع الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن من موقعٍ أكثر استقلالًا لأجل الاحتفاظ بالمناورة السياسية وحفظ التوازن الإقليمي.
رجل يمنع الانهيار
محمد بن سلمان يتحرّك كفاعلٍ يسعى إلى منع الانهيار الشامل ومواجهة الفوضى في إقليمٍ شديد التعقيد. وهو عزّز دور السعودية في مركز الفعل القادر، ورفع كلفة التمدّد الإيراني، ومنع تحوّلاتٍ كارثية في اليمن والسودان وسوريا، وأعاد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية في مواجهة الميليشيات والمشاريع العابرة للحدود.
غياب هذا النمط من القيادة كان سيعني، على الأرجح، مزيدًا من الدول المنهارة، وميليشياتٍ أكثر تغوّلًا، ونفوذًا خارجيًّا أعمق في قلب العالم.























التعليقات