: آخر تحديث
ناقش أزمة السينما مطالباً بتعزيز الثقافة بمواجهة التطرف

جابي خوري يستعيد ذكرياته مع يوسف شاهين

"إيلاف" من القاهرة: يتميّز المخرج جابي خوري بلهجته المصرية المطعمة بالروح اللبنانية، وبشخصيته البسيطة جداً رغم خبرته الكبيرة في عالم الفن والسينما. 
ارتبط اسمه بالمخرج العالمي يوسف شاهين، وهو منتج مميز صاحب كاريزما خاصة. مثقفٌ جداً واستطاع من خلال شركته (أفلام مصر العالمية) أن يترك بصمة واضحة في عالم الإنتاج السينمائي، ربما لنوعية الأفلام التي يقدمها والتي ينتمي أغلبها لسينما الواقع، التي لا تهدف في الأساس إلى الربح، والتي يرى الكثيرون أنها استمرار لمدرسة الراحل الكبير "يوسف شاهين" الذي قدّم معه العديد من الأفلام الناجحة داخل مصر وخارجها، وأشهرها "المصير، المهاجر، الآخر، سكوت هنصور، اسكندرية – نيويورك"، وآخرها "هي فوضى".
ولم يقتصر إنتاجه على أفلام "شاهين" فقط، وإنما امتد لكل ما يقارب تلك المدرسة أو كل ما يحمل فكراً أو رسالة ما. فلقد كانت له تجارب إنتاجية مع المخرج "يسري نصر الله" بعدة أفلام منها "مرسيدس، المدينة وجنينة الأسماك"، وأيضا الفيلم التليفزيوني الوثائقي "صبيان وبنات". 
كما تعاون مع المخرج خالد يوسف بفيلم "العاصفة"، والمخرجة أسماء البكري في فيلم "كونشيرتو في درب السعادة".

"إيلاف" التقته بحوارٍ تحدث فيه عن بداية عمله مع يوسف شاهين، وذكرياته معه. كما تطرق لأزمة السينما الحالية وأوضاع الدراما، والتفاصيل فيما يلي:

*شاهدت لك الكثير من الحوارات، التي تبرز استياءك من الوضع السينمائي المصري  بالإضافة إلى نقدك لقلّة صالات السينما في مصر، وسمعتك تردد عبارات محبطة مثل: "ماتتفاءلوش زيادة/الوضع مش كويس.. إلخ" فأود سؤالك هل لومك موجه إلى المنتجين أم رجال الأعمال؟ أم أن الناس لا تُقبل على الأفلام؟ ما سبب قلة عدد دور السينما برأيك؟
ـ في مصر 27 محافظة، ولا تتواجد السينما إلا في القاهرة والاسكندرية والجيزة، أي أنها متواجدة في 3 مدن فقط، ويوجد 24 محافظة ليس فيها دار سينما تليق بالجمهور. بالتالي لا يمكن توجيه اللوم لأحد. ومتى ما تم إيجاد سينما في كل محافظة على مستوى تقني فني عالي يمكننا القياس أو لوم الجمهور، فضلًا عن أن الناس هنا تحب السينما والأفلام وبالتالي يجب توفيرها لهم، وأنا مؤمن أنهم سيحضرون وقتما ما يجدون عملاً جميلاً  يجذبهم.

*لك تاريخ كبير في انتاج الأفلام التي صاحبت الكثير من المهرجانات من أيام  يوسف شاهين ويسري نصر الله، في 2018  كانت لك فرصة توزيع الفيلم المصري يوم الدين. هل تضع ببالك النجاح المادي للفيلم قبل تولي توزيعه؟ 
ـ بالنسبة لفيلم يوم الدين أراه  فيلما ً جميلًا، وقد أحببته، لأنه فيلم إنسانيته عالية، لذا سيتم توزيع الفيلم ليس للغرض المادي البحت، لأن الإحتمال الأكبر أنه لن يحقق إيرادات عالية لأنه فيلم خاص ومختلف. وهذه السنة قمنا بتوزيع العديد من الأفلام التجارية مثل ليلة هنا وسرور، وكارما، والكويسين. وبالنسبة لهذا الفيلم فحينما عرضه عليّ محمد حفظي، قلت: "يجب أن أشارك به بأي شكلٍ من الأشكال".

*هل توقعت هذا النجاح له؟
ـ الحقيقة أنني شاهدته بعدما تم عرضه في مهرجان "كان" أي بعدما أخذ صيته. فأخذت توزيعه وأنا أعرف أنه حقق نجاحًا ثقافيًا، وعلى مستوى عالي، وفي حضور المهرجانات، كما أنه قد اختير في المسابقة الرسمية في "كان" وهذا يعد إنجازًا. بالإضافة إلى أنه أول فيلم روائي ينفذه هذا المخرج وتمنيت أن يحقق جزءاً من هذا النجاح في مصر .

*في مهرجان الجونة الماضي كان هناك تكريم للأستاذ يوسف شاهين بالإضافة لعرض أحد أفلامه إضافة لحفلة تستعرض أغاني أفلامه. وفي مهرجان "كان" عملوا على ترميم أفلامه، إضافة إلى قيام سينما زاوية بعرض معظم أفلامه هذا العام. ما شعورك مع هذا الإحتفاء المستمر رغم غياب الراحل؟
ـ "حاجة هايلة ومبهجة "، الأفلام التي تُعرض الآن هي المرممة، فجزء منها تم ترميمه مع الجانب الفرنسي، وجزء منها تم مع جانب ايطالي. فمثلًا فيلم صلاح الدين السينما تاك في بولونيا في ايطاليا هي التي قررت أن ترممه.

*الترميم عبارة عن ماذا؟ هل يكون على الصوت أو الألوان؟
ـ الترميم هو أن تأخذ الفيلم من النسخة الأصلية وتنقله على 4K على النسخة الجديدة، وتشتغل بعد ذلك على 2K أو HD على حسب الميزانية المطروحة.
فالترميم يكون  بتنظيف الفيلم لأنه يتأثر بعوامل الزمن، فيكون فيه بقع وخلافه، لذا يتم تنظيفه من كل الشوائب لتكون الصورة أنقى، كما يتم العمل على الصوت. وبالنسبة للألوان فهي مشكلة، لوجود عوامل كثيرة جداً فالمخرج غير موجود، والمشكلة التي تواجهك هي: هل ستخرج الفيلم بروح 2018 أو بروح 1960 أو 1975؟! 
فعندما ترمم الألوان قد تعبث بروح عصره، وممن البديهي أن تعمل على المحافظة عليها. وبالتالي هي العملية الأكثر تعقيداً. في مصر رممنا 10 أفلام، كما أن الجانب الأوروبي يعمل على ترميم بعض الأفلام مثل السينماتاك في فرنسا والمركز القومي للسينما وشركة أورانج في فرنسا والسينما تاك الايطالية في بولونيا كما أن هناك معامل خفضت التكاليف الخاصة بها من أجل العمل، وجميعها جهات اجتمعت لترميم الأفلام، وسيتم العمل على أفلام أخرى غير أفلام "شاهين".

*هل صحيح أنه تم إنجاز 21 فيلمًا حتى الآن؟ 
ـ نعم 21 فيلم  تبقى 13 فيلمًا. وبعد ذلك سنعمل على ترميم أفلام المنتجين الذين عملوا معنا مثل يسري أو رضوان أو خالد الحجر أو خالد يوسف وعاطف حتاته لأنه أحد حقوقهم.  

*هل نعتبرها لمسة وفاء منك تجاه من عملوا معك من المخرجين ممن هم بعد يوسف شاهين؟
ـ هي وفاء وضرورة، لأنك التزمت، فستعمل مهتمًا بالناحيتين، الإنسانية والتجارية. إذ يجب أن تدفع لتتمكن من العرض بالتقنيات الجديدة. وبالنسبة للتكريم الخاص بشاهين بعد مرور 10 سنوات على وفاته فمنذ ثلاث سنوات حضر أشخاص من فرنسا، من السينما تاك، وأخذوا الأرشيف الورقي الخاص بشاهين، والأرشيف الورقي يعني السيناريوهات والملاحظات والصور  وكل شيء ورقي. كل ذلك نُقل إلى فرنسا وتم عرضه بدءًا من 14 نوفمبر الماضي حتى شهر 7 من عام 2019 في السينما تاك هناك. وكل هذه الأشياء ستُعرَض بالتزامن مع الأفلام المرممة والتي ستكون مترجمة باللغتين الفرنسية والإنجليزية.
وفي مصر بدأنا ببعض الأفلام في سينما زاوية، كما يتم عرض بعض الأفلام في سينما كريم. والمفاجأة كانت أن الأفلام تُعرض بكامل العدد من الجمهور.

*هل كان الحضور سابقًا بمثل هذا الزخم الآن!
ـ "معرفش" لكن تفاجأت، ففيه أفلام معينة مثل عودة الإبن الضال والمصير واسكندرية ليه وحدوتة مصرية الناس لا تجد لها أماكن لتتمكن من الحضور! فأظن أننا سنضطر لإعادتها في برنامج سينما زاوية مرة أو مرتين في الأسبوع.

 

الراحل الكبير يوسف شاهين



* المعروف أن يوسف شاهين هو خالك. ولقد عملت معه في السينما. كيف كانت بدايته؟
ـ كما هو معلوم، نعم هو خالي. ولم يكن في بالي يوماً أن أشتغل في السينما. إذ أن والدي جون خوري كان يمتلك أكبر شركة إنتاج وتوزيع في الخمسينات. وتم تأميمها سنة 62 فسافرنا إلى لبنان، وعاد الوالد للعمل بالسينما من أجل لقمة العيش، وكان من أهم شخصيات السينما في الخمسينات وأوائل الستينات، وكان مصرًا ألا نعمل بالسينما.
وبالنسبة لي فقد دخلت مكتب يوسف شاهين في العام 90 كمهندس كهربائي، حيث أجرت شقة في الدور السابع بنفس عمارة مكتب "شاهين"، واضطررت للمكوث عنده حتى ينجز العمال عملهم في شقتي. وتأخر العمّال في إنجاز العمل، إذ بقيت قرابة ثلاث أو أربعة أشهر عنده. وخلال تلك الفترة كنت أعمل مهندس كهرباء، وكنت أجلس بنفس الغرفة التي يتحدثون فيها عن السينما. حتى في أحد الأيام قال لهم يوسف: "اطلعوا كلكم برّا"، والتفت إليّ وقال: "أنت فلئتني" لأنك تعمل بأشياء أخرى، بينما نحن في حاجتك في الشركة فكّر بالعمل معنا فهذه "شغلانة" والدك وعائلتك لذا من الضروري أن تكون معنا." ولكني في الحقيقة كنت لا أفهم بالسينما، رغم خبرتي في التوزيع والبيع لمدة ستة أشهر عملت خلالها مع والدي. وقال لي خالي أنني سأكون بينه وبين أختي التي سبقتني في العمل معهم، وأنهما سيعملان على تعليمي الصنعة، وأنه سيجلس ثلاث ساعات كل صباح ليعلمني.
فكان هو معلمي الكبير، والجميل أنه يفهم في جميع أفرع السينما. إذ أنه مخرج، لكن يعرف كيفية فكّ ماكينة العرض، فكّها وتركيبها، ويفهم في التوزيع والإنتاج ودور العرض. فهو ملم بأفرع الصنعة، وهذا المعلم اقتطع من يومه ساعتين أو ثلاث يعلمني فيها، فلو أخذت من علمه 10% فقط لأصبحت رائعًا. وكان فيلم المهاجر هو أول فيلم أعمل فيه. وبصراحة عندما تدخل تحت رعاية ودراسة من يوسف شاهين يكون دخول على مستوى عالي، إضافةً إلى أنني أحب الأفلام ومتابع له. 

*ما أحبّ أفلام يوسف شاهين إليك؟
ـ اسكندرية ليه، وكان قبل عام 90. وأحبّ أفلامه  التي يتحدث فيها عن نفسه لأنه يتحدّث عن العائلة، محسن محيي الدين في بداياته وكيف يسافر لأميركا. فالفيلم يحكي عن عائلتي، أخته والدتي، وأمه جدتي، وهو نقل صورة حقيقية. فهو سجل مع جدتي كثيرًا، كان "يشرّبها كاسين" وتبدأ تحكي له القصص، فسعى لأخذ معلومات منها بهذه الطريقة. وعلى سيرة الويسكي هذه قصة طريفة ليوسف شاهين فقد كان بيته فوق بيت مريم فخر الدين، وفي إحدى المرات كان يحاول أن يكتب، لكن أفقده تركيزه وأزعجه خروف لدى مريم، أحضرته لتذبحه للعيد، فانتظر مريم لتخرج ونزل ليعطي الخروف ويسكي حتى يسكت، فلما حضرت مريم وعرفت بما حدث كانت محتارة إذا ما كان ذبح الخروف حلالًا أم حرامًا!

*هل كان يتضايق إذا لم ينجح أحد أفلامه جماهيريًا، خاصّة مع موجة السينما الشبابية في آخر حياته؟
ـ نعم كان يتضايق إذا لم ينجح فيلمه كما يحب. كانت معادلته أن يعمل على فيلمه من الناحية الفنية ويجب أن تكون عالية وبالمقابل تكون الناحية التجارية والعائد معقولًا.  كما أنه كان يعمل مع كل فيلم وكأنه يعمل للمرةِ الأولى، إذ يفكر ويهتم بأدق التفاصيل ويعمل بنفس الشغف. ولقد فرح جدًا بنجاح آخر أفلامه "هي فوضى"، و"الآخر والمصير" لأنه أنجح معادلته الصعبة نقدي وجماهيري .

*سبق وأن قلت: "أن يوسف شاهين لو حضر 25 يناير فستكون خيمته أكبر خيمة"، بالنسبة للأوضاع العربية هل أنت متفائل؟
ـ لن أدخل في هذه التفاصيل، لكن أقول أننا دائمًا في مكافحة التطرف. وهناك أمران مهمّان وهو أنك يجب أن تواجه التطرف بسلاحين: أمنيّ وثقافي. الأمني معروف وواضح، شراء سلاح وطيارات ..إلخ، خاصة أن التطرف عنده مثل هذه الإمكانات، وبالتزامن مع عملك على الجانب الأمنيّ يجب ألا تهمل الجانب الثقافي التنويري إذ يجب أن يُصرف عليه لو واحد بالمئة مما يصرف في التحصين الأمني، فأنت يجب أن تهتم في تغيير أفكار الناس الساعية لتفجير نفسها لأنك ستحميها وستحمي الآخرين والممتلكات. كما ستغير كثيرًا من المفاهيم. ولأن الأمر ليس جميعه بيدنا، فعلينا أن نعمل على ما يمكن العمل عليه، وأن نصرف على الثقافة والتنوير، و يكفينا 1 بالمئة مما يصرف على الأمن. ولو فكرنا بهذه الطريقة سنجد مفعولًا إيجابيًا هائلًا ضد كل ما يحدث. ففي مصر لا يوجد دعم للسينما، الكل يبني عمارات والعمارات لا تبني ثقافة!

*بدأت الحركة السينمائية السعودية في التصاعد. وتم عرض عدد من الأفلام المصرية في السعودية. هل نتوقع منك تعاونا ً مع السينمائيين السعوديين، لأنني اعتقد أن لدينا من هم شغوفين بأفلام من توزيعك أو انتاجك لما تمثله من إثراء للفكر ولجماليات السينما؟
ـ بكل تأكيد، أرى كلامًا كثيرًا عن أفلام سعودية ومشاريع سينمائية، واعتقد أنه سيتم عرض أفلام سعودية في مصر والعكس، وسيكون هناك سعوديون يهتمون بصناعة السينما في مصر. لكننا نحتاج إلى وقت. لأن هذا السوق ناشئ في السعودية، فسيحتاج إلى سنة أو سنتين. وقد تفاجأت حينما كنت في مهرجان "كان" بوجود شباب سعودي متحمس جدًا، وقابلت شبابًا في الجامعة، متحمسون للعمل مع أختي ماريان لإقامة ورش وخلافه، فالحركة السينمائية موجودة وستكون أكبر.

*أنتجت مسلسلات أيضاً. فما هو رأيك بهذه التجربة؟
ـ انتجت دوران شبرا وبنت اسمها ذات وكانت تجربة سيئة بالنسبة لي.

*لكن بنت اسمها ذات نجح نجاحًا كبيرًا؟
ـ النجاح بعدما بعت، لأن الناس هاجمتني. فهو أول بطولة لنيللي كريم.

*أذكر أن كاملة أبو ذكرى انسحبت في نصف المسلسل؟
ـ عملت 18 حلقة لأنها كانت تصرّ على أن تصوّر وتعمل مونتاج بنفس الوقت، فقلت لها أننا مضغوطين وأنه "لا ينفع". فأحضرت خيري بشارة ليكمل العمل، وقد ساعدنا في المسلسل كون المسلسل عبارة عن فترات. فعملت كاملة على فترة السبعينات وأكمل خيري الثمانينات .
وعلى العموم، فإنني لم أحب تجربة المسلسلات. لأنك لا تتعامل مع الجمهور بشكلٍ مباشر، فبينك وبين الجمهور المحطة والعاملين فيها، أيضًا الكثير من المنتجين ومن النادر أن تجد من يهتم للنوعية، فالكل منتج إلى جانبك.

*هل من الممكن أن تتجه لشبكة نتفليكس  وتنتج مسلسلات من 10 أو 15 حلقة؟
ـ ليس لدي مانع، لكني في هذه الفترة اقرأ سيناريوهات لأفلام روائية وأفضّل العمل عليها.

*ما فيلمك القادم؟
ـ  لا يوجد اسماً محدداً حتى الآن. فأنا اقرأ سيناريوهات لعمر سلامة ومحمود كامل ومجدي أحمد علي، ومحمد علي. 

*كلمة أخيرة.
ـ أشكرك على هذه المقابلة . و"انبسطت بها".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

  1. هدى حسين تسقط الأقنعة في
  2. ياسمين صبري سفيرة للمرأة الأفريقية
  3. محمد عادل إمام طفلٌ لقيط في
  4. عروض

فيديو

سعد رمضان: الرياضة أبعدتني عن المخدرات وغيرها من المغريات
المزيد..
في ترفيه