قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

انتشرت مؤخرا في العراق ظاهرة تحويل الأراضي الزراعية لسكنية متسببة بإتلاف مساحات خضراء واسعة.

وسيم باسم من بغداد: قسّم الفلاح خالد السلطاني بستانه الواسعة في الشارع السياحي بين مركز مدينة بابل (100 كم جنوب بغداد) وأقضيتها ونواحيها الجنوبية الشرقية، بين أبنائه، ليشرع كل واحد منهم في بناء بيت مستقل له.

أما أشجار النخيل فلم يبق منها سوى جذوعها الممتدة على الأرض بعد اقتطاعها.
ولم تصمد أمام زحف العمران من الخمسين النخلة التي كانت في تلك البستان سوى أربع نخلات ارتأت عائلة السلطاني إبقاءها.
ورغم أن أبو خالد يشعر بالمرارة مما حدث، لكنه كان مضطرا لفعل ذلك على حد قوله.
ويتابع ابو خالد: كل البساتين من حولنا تحوّلت الى دور سكنية في عملية بناء عشوائي بلا تخطيط، حيث الشوارع ضيقة، والبيوت تتداخل مع بعضها.

التوازن البيئي
وفي اغلب مدن العراق، صار تجريف البساتين عملية تهدد التوازن البيئي في العراق بشكل جدي.
وتبدأ العملية حين يشتري الفلاح الأرض من ( الملاّج ) أي مالك الأرض، ليشرع ببيعها على شكل مساحات صغيرة أو يوزعها بين أبنائه.
وحاولت الجهات المعنية إيقاف هذه الظاهرة برفض تسجيل الأراضي الزراعية كعقار سكني، لكن هذه الخطوة لم تحد من زحف البناء السكني على البساتين التي كانت من المميزات المهمة لكل مدينة عراقية.

ويقول المهندس محمد موسى من بابل إن المزارعين لا يعبأون لقوانين البناء أو ضرورة الحصول على ترخيص، طالما ان الطرق سالكة لرشوة موظف العقار.
وبحسب موسى فان الغطاء النباتي الذي كان يحتضن مدن العراق قد ازيل الى حد كبير، وإذا استمر الأمر على هذا المنوال فانه سينقرض تماما.
ويرجع الموظف في التسجيل العقاري في بابل صالح حسن اسباب ذلك الى أزمة السكن، والى نقص المياه التي حولت البساتين الى أراض جرداء، إضافة الى شعور الفلاح بان الاستثمار بالزراعة لا يحقق له أرباحا.

الزحف العمراني

وعلى طول الطريق الممتد بين مركز محافظة بابل و الاقضية والنواحي الى الجنوب والشرق، وفي مناطق المحاويل والمسيب يلاحظ المرء المئات من جذوع النخيل الممتدة على الأرض بعدما جُرفت البساتين بغية تشييد المساكن.

ويقول المزارع احمد الحسيني ان الأمر منطقي جدا إذا ما عرفنا أن الفلاح يحصل على مبالغ طائلة بتحويل بستانه إلى أراض سكنية، بينما البستان لا تدر عليه في أكثر من مليوني دينار عراقي على أكثر تقدير.

وبحسب الحسيني فان الزحف العمراني يعد اخطر ما تعرضت له زراعة النخيل في العراق طوال عقود.
و أضاف : حتى الحروب التي نشبت في الماضي وأماتت الكثير من أشجار النخيل في البصرة ( 545 كم جنوب بغداد) والمناطق الحدودية مع ايران، لم تتجاوز في خطورتها، الكارثة التي تحصل اليوم.

أزقة ضيقة

ولا يكترث الدلال احمد السعدي بالأخطار التي تحدق بالبيئة، ويقول ان هناك أمرا اهم وهو توفير السكن للمواطن، بل ان السعدي يشيد بالفلاح الذي يحول مزرعته الى أراض سكنية لأنه يسهم بشكل كبير في حل أزمة السكن.

ويعترف السعدي ان الدلالين يستفيدون من هذه العملية كثيرا لأنها تدر عليهم أرباحا هائلة.
لكنه يعترف لان البناء العشوائي حوّل الأحياء الجديدة الى أزقة ضيقة، بل ان بعض البيوت تتداخل مع بعضها الى درجة انه لم يعد بإمكان المركبات والسيارات النفاذ الى داخلها.

واشترى ابو كريم قطعة ارض زراعية بسعر عشرة ملايين دينار عراقي ليبني عليها غرفتين ومطبخا.
ويقول أبو كريم: لم يكن ثمة حل آخر رغم نقص الخدمات من ماء وكهرباء.
وتمتاز اغلب الأحياء العشوائية في المزارع في أطراف المدن بانعدام الخدمات فيها من ماء وكهرباء و مجارٍ.
لكن رغم ذلك فان الكثير يفضلها هربا من ارتفاع إيجارات البيوت داخل مراكز المدن.
ويرى المهندس موسى انه لم يعد اليوم بالإمكان التمييز بين التصميم الأساسي للمدن بسبب البناء العشوائي.

النخيل.. الضحية الأولى
وفي مدينة بابل أوجد البناء العشوائي بحسب حامد الملي رئيس لجنة الاعمار في مجلس بابل أحياء تنقصها الخدمات وينقصها التخطيط، وأحياء قسمها أصحابها من الفلاحين والمالكين إلى قطع سكنية دون تخطيط ومراعاة لتخصيص مساحات خضراء أو مساحات لإنشاء المستوصفات أو المدارس، فضلا عن الشوارع التي تقع عليها تلك الدور والتي يختلف عرضها بين ( 1،5 - 4 أمتار ) ما سيولد وجود شوارع ضيقة في بعض الأحياء الحديثة.

ويمنع قانون نظام الطرق والأبنية المعدل لسنة 1977 تقسيم الأملاك إلى عرصات، إلا بعد موافقة الجهات ذات العلاقة وذلك لتعيين المساحات المخصصة لمراكز الخدمات.
ويرى المدرس في العلوم حسين ساجت، وله بحوث بيئية ودراسات حول بساتين العراق ان الغطاء النباتي المتمثل بغابات النخيل هو الضحية الأولى لأزمة السكن، مثلما كان هو ضحية الحروب والأزمات الاقتصادية.

ويتابع: المواطن العراقي ينقصه الوعي البيئي، وكان يتوجب عليه على اقل تقدير بناء بيت مناسب داخل البستان من دون جرف الأشجار.
لكن المزارع ابو عصام يقف بالضد من هذا الرأي ويقول ان اغلب النخيل في بستاني والبالغة ثلاثين نخلة كان ( شبه ) ميت بسبب الجفاف والتقادم الزمني.

حملة لزراعة أشجار النخيل
ويقترح ساجت حملة وطنية كبرى لإعادة زراعة أشجار النخيل بين مناطق السكن العشوائي، وفي المساحات الخالية القريبة من المدن.
لكن هناك من المواطنين من تملكه شعور بالذنب من موت أشجار النخيل، ومنهم كريم الحلي (معلم) الذي زرع نحو ثلاثين فسيلة نخيل في مزرعته التي تتوسطها فيلا كبيرة من الطابوق والاسمنت.

يقول كريم: ليس من حل اليوم، سوى تشجيع الناس الذين حولوا بساتينهم الى مساكن، على زراعة النخيل بين البيوت والمساكن لإعادة تشكيل غطاء نباتي يسهم في صد الغيار ويلطّف الأجواء ويعزز التوازن والتنوع البيئيين.