يخطط جان كلود يونكر، الرئيس المقبل للمفوضية الاوروبية، لتنفيذ استراتيجية رقمية جديدة لقارة يعتبر أنها بحاجة للاستعداد لمنافسة الولايات المتحدة وآسيا.


لميسي فرحات من بيروت: تتأفف الكثير من الشركات الأوروبية من "غوغل" بسبب مشاكل تجريم المعلومات واحتكار السوق.

ويأتي طوفان الشكاوى من عدد متزايد من الأسواق التي تنشط فيها هذه الشركة حاليًا، إذ كتب مفوض المنافسة التي تجري في بروكسل خواكين ألمونيا رسالة إلكترونية قبل بضعة أشهر لزملائه في المفوضية الأوروبية، مشيرًا إلى أن أحدث المشتكين هو تحالف وكالات التصوير الأوروبية المعروفة باسم CEPIC، مشروع الإنترنت المفتوح الذي يجمع الناشرين الأوروبيين ودويتشه تليكوم.

وهذا يعني أن امتثال غوغل لقانون المنافسة في الاتحاد الأوروبي سيبقى تحت المجهر لفترة طويلة، وفقًا للرسالة التي تزعم أن غوغل تستخدم مركزها المهيمن لإجبار المنافسين على الخروج من الأسواق.

ومن المحتمل أن المونيا يتجه نحو تشديد الشروط التي تفرض على غوغل، كجزء من الإجراءات التي تمنع الاعتداء على السوق الحالية. وهو ليس الوحيد في ذلك، إذ هناك العديد من المسؤولين الأوروبيين الذين يحاولون وقف هيمنة شركات الإنترنت الأميركية الضخمة على الاتحاد.

ضد الرأسمالية

وفي مقال نشر أخيرًا في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج، كتب وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابرييل: "الناس بحاجة إلى الوقوف ضد رأسمالية المعلومات الوحشية، ولدى الاتحاد الأوروبي القدرة المطلوبة لتغيير المسار السياسي وإعادة كتابة القواعد". يونكر يشاطره الرأي، ويقول إنه يريد أن يجعل الاقتصاد الرقمي النقطة المحورية لرئاسته، معولًا على دعم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون.

وتشير صحيفة "در شبيغل" الألمانية إلى أن جزءًا من جدول يونكر هو ضمان أن تتمكن أوروبا من تحدي منافسة عمالقة الإنترنت الأميركية في السوق الرقمية بمزيد من الثقة بالنفس. لكن الأهم من ذلك، سوف يترتب على الاتحاد الأوروبي البدء بتنظيف ساحته الخلفية تحضيرًا لهذه المنافسة.

ويونكر يريد الاستفادة من إجماع واسع بين السياسيين الأوروبيين لوضع الثقل الكافي في السوق الرقمية للاتحاد الأوروبي، بحيث تتمكن الشركات الأوروبية من الوقوف في وجه المنافسة الأميركية والآسيوية على المدى الطويل. ويقول رئيس وزراء لوكسمبورغ السابق: "يمكننا أيضًا أن نخلق نموًا إضافيًا بنحو 500 مليار يورو، إلى جانب مئات الآلاف من فرص العمل في أوروبا".

صناعة في تراجع

يعمل فريق يونكر على صياغة سياسة صناعية جديدة في بروكسل، وهي مهمة صعبة تحتاج إلى الشجاعة لكسر الصوامع الوطنية والعراقيل في قوانين الاتصالات السلكية واللاسلكية، والتشريعات المتعلقة بحماية البيانات. مع ذلك، لم يتضح بعد إذا كان المجلس الأوروبي، الذي يضم 28 من قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، سيكون على استعداد لدعم يونكر في مهمته.

التجارب السابقة لم تكن إيجابية، إذ الخطوات الخاطئة من قبل المفوضية الأوروبية والساسة الوطنيين في جميع أنحاء أوروبا أدت في السنوات الأخيرة إلى ذبول السوق الأوروبية لصناعات الانترنت والبرمجيات والاتصالات السلكية واللاسلكية.

وقبل نحو عشر سنوات، كانت الشركات الأوروبية كسيمنز وألكاتيل ونوكيا ودويتشه تليكوم في ريادة أعمال التكنولوجيات الرئيسة للقرن الواحد والعشرين. أما اليوم، فإن معظم هذه الشركات متأخرة عن الركب، لم تعد تصنع حتى منتجاتها الخاصة.

وفي تقرير داخلي صدر مؤخرًا عن "دوتشيه تيليكوم"، يبدو واضحًا أن الوضع في قطاع المعلومات والاتصالات السلكية واللاسلكية الأوروبية أشبه بـ "الكارثة"، حيث تهيمن الشركات الأميركية أو الآسيوية تقريبًا على كل المجالات الرئيسة لهذه السوق.

هيمنة برمجية

تهيمن شركات غوغل وفايسبوك وأمازون على شبكة الإنترنت، في حين ليس أمام أوروبا من بدائل. أما في صناعة البرمجيات، فإن شركات أميركية مثل مايكروسوفت وأوراكل وآي بي إم تحدد اتجاه السوق، كما يتم التحكم في صناعة الهواتف النقالة من قبل شركات مثل سامسونغ العملاقة للالكترونيات الاستهلاكية في كوريا الجنوبية، وشركة آبل الأميركية.

وحتى عندما يتعلق الأمر بقطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية القوية تقليديًا، فلم تعد الشركات الأوروبية قادرة على الاستمرار، ربما باستثناء شركة تليفونيكا الاسبانية التي تحتل الموقع الرابع في الترتيب العالمي، وراء شركة NTT اليابانية وAT&T& في الولايات المتحدة.

إفراط في التنظيم

يعتقد تيموثاوس هوتغس، الرئيس التنفيذي لشركة دويتشه تليكوم، وعدد من نظرائه الأوروبيين، أن السبب وراء التراجع السريع والدرامي في السوق الرقمية هو سياسات الاتحاد الأوروبي المضللة، والإفراط في التنظيم. وبدلًا من تعزيز نقاط القوة كما يفعل الأميركيون وتوفير الشروط المناسبة للشركات المهمة لتعمل بشكل أفضل، فإن العكس تمامًا يحدث في أوروبا.

تقوم الدول الأعضاء في اللجنة والاتحاد الأوروبي منذ سنوات بإغراق الاتصالات وشركات الهاتف النقال بالقيود والقوانين الجديدة، من ضمنها إرغام الشركات على تخفيض هائل على رسوم التجوال وأسعار المكالمات الهاتفية والوصول إلى الإنترنت. في الوقت نفسه، اضطرت الشركات لشراء تراخيص الطيف المحمول بتكلفة المليارات في مزادات جعلت شبكاتهم المتاحة للشركات الصغيرة بسعر التكلفة.

تحفيز المنافسة

كان القصد من هذه القوانين تحفيز المنافسة وخفض الأسعار للمستهلكين. لكن المشكلة هي أن الاستثمارات اللازمة في البنية التحتية لم تحدث أبدًا، إذ لم يتم بناء شبكات سريعة لتسهيل عودة ظهور السوق الرقمية الأوروبية.

وتقدر أرقام الاتحاد الأوروبي أن هناك حاجة إلى استثمار 270 مليار يورو في الهاتف المحمول وكابلات الألياف البصرية لإنشاء شبكة شاملة وعالية السرعة.

وهناك حاجة أيضًا إلى القواعد واللوائح الموحدة لأن القوانين المختلفة لكل جولة في الاتحاد تعرقل إمكانية تنفيذ المشاريع. على سبيل المثال، توصيل شبكة تمتد بين سلوفينيا والبرتغال احتاج من شركة "تليكوم" الدخول في مفاوضات لأشهر مع 5-6 منظمين مختلفين من أجل التعامل مع الأنظمة التقنية وقواعد حماية البيانات المختلفة.

معركة جديدة

من أجل تنفيذ تغييرات جذرية، تريد اللجنة أيضًا أن يكون لها رأي في عملية تخصيص الطيف المحمول، التي كانت في الماضي من مهام الحكومات الوطنية. لذلك، يعتقد يونكر أن الطيف الواحد، الواضح المعالم، على نطاق أوروبا يمكن أن يقدم دفعًا كبيرًا في مجال الرقمنة في القارة.

لكن من المرجح أن يواجه يونكر مقاومة من الدول الأعضاء في أوروبا بشأن الإطار التنظيمي اللازم لشركات الإنترنت أيضًا. على سبيل المثال، هناك حاليًا 28 قانونا مختلفة حول حقوق التأليف والنشر في أوروبا، ونتيجة لذلك، هناك 28 سوقًا مختلفة لبيع المحتوى الرقمي.

هذه التعقيدات الأوروبية تجعل اللعبة سهلة جدًا لمقدمي خدمات الإنترنت الأميركيين، إذ إن لديهم إمكانية الوصول الفوري إلى سوق تتضمن 310 ملايين مستهلك ويمكن أن تتوسع بسرعة كبيرة بما يكفي لشراء شركات في أوروبا، في حين أن المنافسين الأوروبيين محاصرون في أسواقهم الوطنية المحدودة.