"هذا هو الموجود... خنزير أو لا شيء". هذا هو جواب مسؤول في بلدية إحدى المدن الفرنسية التي قررت فرض وجبات لحم الخنزير على جميع التلاميذ في المقاصف المدرسية حين اعترضت أمٌ فرنسية مسلمة. لا شك أن هذا سيسبب سجالًا ربما يقسم المجتمع الفرنسي حول معنى العلمانية.
&
تفاجأت الفرنسية المسلمة عائشة طباخ أن الوجبة الوحيدة المتاحة لأولادها في المدرسة كانت لحم الخنزير. وحين اتصلت عائشة بدار بلدية شيلي – مازارين حيث تسكن، معترضة على عدم وجود أي خيار على الأوراق الرسمية للمدرسة التي أدرجت فيها أولادها، تلقت جوابًا صادمًا: "من الآن فصاعدًا، هذا هو الموجود، خنزير أو لا طعام".
&
تلاعب باسم العلمانية
بعد سنوات من جدال فرنسي في شأن الحجاب، يشكل "لحم الخنزير" ساحة المعركة الجديدة فى نقاش الهوية القومية الفرنسية ومكانة الإسلام في المجتمع الفرنسي. &فالوجبات المدرسية يستغلها سياسيو الجناح اليمينى للتعريف بمعنى أن يكون المرء فرنسيًا. وقالت صحيفة "غارديان" البريطانية في هذا السياق إن المعارك القضائية والمشاحنات السياسية الشرسة اشتعلت فى الوقت الذى حذر فيه المحتجون من أن هذه الوجبات "الخنزيرية" المثيرة للجدل تقول للطالب المسلم واليهودي: "إذا أردت أن تكون فرنسيًا فعليك تناول لحم الخنزير".
فالسياسيون يكافحون من أجل التوصل للمعنى الحقيقى للعلمانية الفرنسية، وما إذا كان التطرف قد أختطفها في أعقاب هجمات شارلى إيبدو الإرهابية.
وتحدثت طباخ، الممرضة الفرنسية، لغارديان عن تأثير هذه المسألة في أطفالها، إذ بات إجباريًا، من أول تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، في المدارس تناول وجبة تتضمن لحم الخنزير، فقالت إن مدينة شيلي-مازارين تعكس اتجاه الجناح اليميني باسم العلمانية. فعلى مدار 30 عامًا، وفرت المدينة بدائل عن لحم الخنزير للأطفال المسلمين واليهود، والآن لن يعد أمامهم من خيار سوى تناول الأطباق الجانبية للوجبة الرئيسية.
ويقول جون بول بنياتو، عمدة مدينة تشيلى مازرين الجديد الذى ينتمى إلى حزب الجمهوريين الذي يتزعمه نيكولا ساركوزى اليميني، إن هذه هي الطريقة المنطقية الوحيدة للحفاظ على "حياد" القطاع العام. لكن كثيرًا من أولياء الأمور والمدرسين وسياسيي المعارضة اليسارية يرون ذلك وصمًا متعمدًا للإسلام، وهذا يمثل معاملة قاسية للأطفال من خلال تلاعب سياسي بالوجبات المدرسية.
&
إرباك نفسي
أضافت طباخ: "التأثير في الأطفال هو الأصعب، فابنتي تبلغ من العمر أربع سنوات، هي أصغر من أن تفهم أنه لا يجوز أن تأكل لحم الخنزير. فماذا أقول لها الآن؟ حاولنا أن نقول لها بحنكة إننا لا نأكل لحم الخنزير في المنزل، لكنها ظنت أن لحم الخنزير نوع من أنواع الحلوى، وقالت: ’نعم، أنا آكله وهو لذيذ‘، ومن شأن ذلك أن يكون مضحكًا لو لم يكن مرعبًا. فقد تمكن منها الارتباك، وصارت تبكي في المدرسة وتقول انها لا تريد تناول الطعام في المطعم. ابني في التاسعة من عمره، دق الأبواب بابًا بابًا لتوقيع عريضة ضد هذا الأمر، وحصلت على الكثير من توقيعات اولياء الأمور من غير المسلمين الذين شعروا بالضيق. وقال لي ابني: ’لا تقلقي يا أمي فأنا لا آكل منه‘. من المفترض أن يكون هم المدرسة التعلم والتعايش، فولدي بدأ يسأل: لماذا أنا مختلف عن الآخرين؟".
في الأشهر الثمانية الماضية، أثار قرار بعض رؤساء البلديات اليمينيين ألغاء خيار الوجبات المدرسية الخالية من لحم الخنزير - بدعم كامل من ساركوزي – غضبًا واسع النطاق، وتسبّب بالعديد من العرائض والمعارك القضائية. فالبلديات الفرنسية هي التي تشغل المقاصف المدرسية، وهي حرة في وضع قواعدها الخاصة.
&
حديث العلمانية
خلافًا لما حدث في المملكة المتحدة، لا تقدم مدارس الدولة الفرنسية اللحم الحلال أو الكوشر، وأطفال المسلمين أو اليهود الذين يتناول طعام الغداء في المدارس يأكلون اللحم نفسه الذي يتناوله الجميع. لكن في السابق، في أيام تقديم لحم الخنزير، كان عدد كبير من البلديات يقدم بدائل أخرى كالسجق مثلًا، بينما توفر بعض المدن خيارات نباتية. لم تكن حركة المطالبة باللحم الحلال أو الكوشر كبيرة في فرنسا، فكان أمام الأطفال الذين يتناولون حلالًا فقط أو متوافقًا مع الشريعة اليهودية العودة إلى منازلهم لتناول طعام الغداء أو حضور المدارس الدينية الخاصة. لكن الآن، الجدل يهدد باجتياح فرنسا.
لكن، هل صار هم العلمانية الفرنسية محصورًا في إرغام المسلمين واليهود على تناول لحم الخنزير في المقاصف المدرسية، أو حرمانهم من وجبة الغداء؟ ففرنسا قائمة على فصل الدين عن الدولة، وعلى احترام جميع الأديان وحرية ممارسة الأفراد طقوسهم الدينية، لكن كلمة العلمانية صارت هي الجواب الجاخز لكل أزمة تمر فيها البلاد، تعلق على شماعة المتطرفين الاسلاميين، خصوصًا بعد الهجوم على صحيفة تشارلي إيبدو، الذي خلف 17 قتيلًا.
فإثر هذا الهجوم، قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس: "العلمانية اليوم هي المسألة الوحيدة المهمة". ومنذ ذلك الحين، صارت العلمانية "كلمة العام" الأكثر استخدامًا. وما اقتصر استخدام هذه الكلمة على اليمين الفرنسي، بل تناولها اليسار، حتى قال الخبير الاجتماعي فرانسوا دوبيه محذرًا: "صار الكلام عن العلمانية سبيلًا للتعبير عن فرنسا بيضاء، حيث يتشارك الجميع القيم والتقاليد نفسها، سبيلًا لنقول إننا لا نريد المسلمين".
&
سوء استخدام سياسي
في هذا الاطار، يسأل جان لويس بيانكو، مدير مرصد العلمأنية: "لماذا نخترع مشكلةً إن لم يكن هناك أي مشكلة؟"، واصفًا قرار إلغاء الوجبات المدرسية الخالية من لحم الخنزير في فرنسا بأنه أنموذج حقيقي لسوء الاستخدام السياسي للعلمانية.
وتقول فالينتين زوبير، مؤرخة الأديان والعلاقات الدولية في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس: "لا تقول العلمانية الفرنسية في أي مكان أن على الشعب أن يأكل الطعام نفسه، وأن يلبس الثياب نفسها، وأن يشرب الشراب نفسه، فهذا تحريف لمبدأ العلمانية، وحذار أن تتحول العلمانية إلى مطية للاقصاء، من أجل إنقاذ فرنسا من الاختلاط الثقافي، بينما المعنى الحقيقي لهذه الكلمة مغاير تمامًا".
ويقول مدير مدرسة محلية، رفض أن يكشف اسمه، لصحيفة غاريان: "العلمانية ليست لحم خنزير فقط، بل هي احترام للدين الآخر، والأمر لا يتعلق بالقول لا نريد مزيدًا من الدين، وحظر الوجبات الخالية من لحم الخنزير مسألة صعبة للغاية بالنسبة إلي وإلى أساتذتي. فالمدرسة تعلم الأطفال على تبادل الاحترام، بغض النظر عن الاختلاف. وهذا القرار هدم أسس تعليمنا".
لكن العمدة بنياتو ينفي أن يكون القرار مؤثرًا إلى هذه الدرجة. يقول: "نقدم لحم الخنزير 3 مرات شهريًا، ولا أظن ذلك يهدد الصحة العامة، وقد اتخذنا هذا القرار من أجل تعزيز التعايش، ومهم أن يتناول الجميع الطعام نفسه، لا أن يميز تلميذ عن آخر بإطعامه طعامًا مختلفًا".
&
لا نجبر أحدًا
في بداية هذا العام، اتخذ جيل بلتريه، عمدة شالون سور ساون المؤيد لساركوزي، قرارًا مماثلًا في مدينته. حينها، قدم محام مسلم يدعى كريم عشوي اعتراضًا قال فيه: "سيتعرض الطفل لصدمة كبيرة إن أجبر على تناول لحم الخنزير في مدرسته، بينما يستمر والداه في إجباره أن تناول لحم الخنزير حرام". إلا أن هذا المحامي لم يصل في مقاضاته المدينة إلى أي مكان، وهو ينتظر جلسة قادمة في 19 من الشهر الحالي.
حينها، رد بلاتريه على ذلك قائلًا: "لست عدوًا للأديان، إلا أن الاعتقاد الديني مسألة خاصة، ويجب أن تكون الخدمة العامة علمانية، ونحن نرحب بكل الأطفال، ولا نرغم أحدًا على تناول ما لا يحبون أكله، ولا نرغم مسلمًا على تناول لحم الخنزير. وحين يرفض طفل تناول أحد الأطباق، لأسباب دينية أو غيرها، ينتبه القائمون على الوجبات الغذائية، ويوفرون له ما هو متوافر من أطباق أخرى، المهم أنه لا يبقى جائعًا".
&