قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبداللطيف الزبيدي من دبي: عندما تعطس قوة كبرى، يصاب العالم بالزكام. هكذا كانت واشنطن في الحادي عشر من سبتمبر، وهكذا هي باريس في مأساتها الجديدة. شعوب العالم لديها معلومات اضافية عن الإرهاب، ونشأته وانتشار دائه ووبائه، ولكنها لا تعلم الكثير عن حقيقة خلفيات ارتباطاته. لهذا تصبح المعلومات ضبابيّة ملتبسة، عن بنك الأهداف المتوازية. تماما مثل البولينغ، الكرة واحدة والأهداف عدّة. الصحافة الفرنسية عزفت على كل الأوتار. لا شأن لنا هنا بالنبرة الخطابيّة، وإنشاء الحماسة. لدينا جولة مع ثلاثة أصوات متميّزة: آلن بوير عالم الجريمة، الطاهر بن جلون الأديب المغربيّ الفرنسيّ، ورئيس وزراء فرنسا السابق دومينيك دو فيلبان في عهد جاك شيراك، كصوت مختلف، لا كمغرّد خارج السرب.
&
مجلة "لوبوان" انتقت من حوارها مع آلن بوير جملة لا وقع لها ولا جديد في سمع العربيّ، الذي لا يرى فيها جديدا تحت الشمس ولا في ظلام الإرهاب: "الجديد هو الجانب الانتحاري". وخبير الجريمة يستخدم كلمة "كاميكاز"، وهي الصفة التي كانت تطلق على الطيارين الانتحاريين اليابانيين، الذين كانوا يهوون بطائراتهم على السفن الحربية الأميركية، في الحرب العالمية الثانية. غير أن "كاميكاز" تثير الكثير من التداعيات والإيحاءات، فهي تعني "الإلهيّ" أو "ريح الروح" أو "الريح الروحيّة"، ما يرسم في الذهن رياح حصاد الأرواح على يد "داعش" التي تتخفّى وراء قناع يتجنّى على القيم الروحيّة.&
&
يبدو أن العمليات الإرهابية تشبه الزلازل، من حيث انعدام الفائدة من العلم باقتراب وقوعها، إذا انعدمت معرفة موعد حدوثها على وجه الدقة. فعالم الجريمة بوير يقول: "كنا نعلم منذ أسابيع عدّة، أننا نواجه خطرا كبيرا في أواخر نوفمبر أو بداية ديسمبر". وتعظم الإشكاليّة حين يضيف: "لقد تقاطعت أحداث تسارعت مع حادثة الطائرة الروسيّة. وبالتالي حدث نوع من تبلور الأخطار التي أُخذت في الحسبان. ولكن ذلك لا يقع كما هو متخيّل. إننا لا نستطيع أن نتوقع كل شيء في كل حين. إلاّ في التحقيق، عندما نعرف الفاعلين، تتسنى معرفة ما إذا كانت الأجهزة المختصّة قد فاتها شيء. خصوصا حين يكون قدرا، فثمّة نسبة من الجرائم والهجمات والعمليات، تخرج دائما عن السيطرة".&

صعوبة الإستباق
يرى آلن بوير، أن 90% من الهجمات يحصل تجنّبها قبل حدوثها. وأن المشكلة هي المرور من التسعين إلى التسعة والتسعين في المئة. هذه هي المسألة. ويوضح أنه عندما تكتشف الأجهزة الأمنيّة الطريقة التي حدثت بها العمليات، تدرك ما إذا كان تحاشيها ممكنا أم لا. هنا تبرز معضلة كثرة المعلومات، يقول: "في الاستخبارات، تفيض علينا نوعيّة الأخبار. صحيح أن لدينا كفاءة جيّدة في اتخاذ القرار، ولكننا نجد صعوبة بالغة الأهمّية في فهم كل المخزون الذي بين أيدينا. إننا نملك كمّا هائلا من المعلومات، يحول دون النجاح في تحليل كل العناصر".&
&
تحليل المعلومات
ما هي المكافحة الفعّالة للإرهاب؟ هذا السؤال يشغل ذهن كل فرد، لأن هذه الجرائم لا تستثني أحدا. وجواب الخبير حكيم: "المكافحة الجيدة للإرهاب، ليست الإمساك بالجناة، بل الحيلولة دون وقوع الهجمات". وتصبح الحكمة فلسفة أمنيّة حين ينفذ آلن بوير إلى صلب القضيّة: "ثمّة عمل نوعيّ وثقافيّ معا يجب إنجازه على صعيد مجموع العاملين في الغرب. إيجاد محللين يتعاملون مع الوقت كعدوّ لهم، وهذا غير الجاسوسيّة المضادّة التي تدير الوقت كحليف لها". قد تحتاج هذه العبارة إلى كسّارة بندق، لهذا يضيف الخبير هذه الثلاثيّة التي يصفها بالعمل الثقافيّ الرامي إلى إعادة تشكيل الأداة، عبر إنشاء لجان تحقيق تعيد التجارب في شأن كوارث أمنيّة سابقة. وتبدأ العلاقات بينها في أغلب الأحيان على نحو ممنهج. يقول بوير: "أوّلا: لقد كنا نعرف كل شيء أو تقريبا. ثانيا: لظروف غامضة، لم نستطع فهم كل ما لدينا. ثمّة مقولة إنكليزية صائبة تماما تقول: إننا لم نصل النقاط بعضها ببعض. ثالثا: كل التقارير تقول: سيكون جيّدا ألاّ يحدث الأمر. ذلك هو موضوع كفاءة التحليل والمبادرة.&

التكنولوجيا والاستخبارات
يطرح آلن بوير قضية عصريّة من الطراز الأوّل، وهي التعامل مع التقانة (التكنولوجيا) الحديثة: "مسألة الوسائل تأتي في ما بعد. إذا كان عندك آيفون حديث، فإنك لن تكون بالضرورة أفضل في عملك. التكنولوجيا هي في خدمة الإنسان ولا تعوّضه. لدينا هذه العادة الغريبة التي هي اعتقاد العكس. نحن مسحورون جدّا بالتكنولوجيا، وقد أدّى هذا إلى إضعاف الاستخبارات البشريّة في السنوات الأخيرة. من الصعب أن ننشئ تيّارا مضادا".&
&
حذار غياب اليقظة
الروائي الفرنسيّ المغربيّ الطاهر بن جلّون يخشى أن تخفّ حدّة اليقظة، وترتخي القبضة الحديديّة الفرنسيّة ضد الإرهاب. لأنه يرى أن وحش العصر يملك المبادرة وعنصر المفاجأة، في حين أن الديمقراطية لا تستطيع على الدوام استخدام السلاح في كل الأوقات وكل الأماكن.&
&
يقول في مقال نشرته مجلة "لوبوان": "هذه حرب بأسلحة غير متكافئة. إن أوروبا غير قادرة على مواجهة هذه الحرب التي صمّمت "داعش" على خوضها بكل الوسائل. فهي تعمد إلى أمرين لا تقوى على استعمالهما الحضارة والتقاليد الأوروبية، إلاّ إذا تخلّت عن قيمها وما يشكّل ثقافتها. الأوّل أن غريزة الحياة حلّت محلها غريزة الموت. الآخر أن "داعش" يملك المبادرة وميزة المفاجأة. لا نعرف أين هو. متى يخرج من الظل وكيف سيعمل. هؤلاء الأفراد يتناولون مخدّرا محظورا يلغي الخوف ويوهم بقوة استثنائية".&
&
يطرح الطاهر بن جلون قضيّة عدم التكافؤ في الآلة والأسلوب بين الإرهابيين والحياة الديمقراطية الأوروبية. يرى أن أوروبا لم تكن مستعدّة لهذه الهجمات المتعددة الأهداف المتوازية زمنيّا، وبهذه الفظاعة، وليس في مقدورها استخدام السلاح الذي تستخدمه "داعش". فكيف تكون مواجهة الخطر الذي يصفه بأنه "نائم في أحيائنا وساحاتنا العمومية"؟ وهو يرى عقبة في أن الاستخبارات مساعدة، ولكن الإجراءات الوقائية تحول دونها القوانين. "فمهما تكن الشكوك وأهميتها، لا تستطيع الديمقراطية اقتحام منزل واعتقال من ترى الشرطة أنهم في صدد الإعداد لهجمات".&
&
الروائي الشهير متشائم من المستقبل. يقول: "حتى وإن أعلنت حالة الطوارئ وأغلقت الحدود، فإن ذلك لن يدوم إلى الأبد. في يوم من الأيام، ستخف حدّة اليقظة، ويستيقظ الكوماندوس النائم ثانية".&
&
النموذج المغربي
هل يكون المغرب مثالا يقتدى به؟ يرى الكاتب أن السلطات المغربية نجحت في إقناع الشعب بأن يكون صارما في الإبلاغ عن كل ما يمكن أن يشكل تهديدًا. وهكذا يعمل الجميع في خدمة الأمن. "فالمغربيون يعلمون أن حياتهم واقتصادهم وقف على ذلك. تغدو اليقظة عموميّة. إنها ليست انحصارًا مقصورًا على الشرطة. ولهذا تقتلع الشرطة والحرس الوطنيّ باستمرار خلايا مرشحة للإرهاب". أمّا في أوروبا فهذه اليقظة صعبة التحقيق في نظر ابن جلون، رغم أن الكاميرات تصوّر كل شيء في لندن، ولكن المراقبة غير فعّالة كثيرا في باريس.&
&
التربية ثم التربية
لا يفوت الأديب أن يعود إلى جذور الأمن والأمان. إنها: "التربية منذ المدرسة الابتدائية لترسيخ المرساة بطريقة ذكية وفعّالة في شأن قيم الحياة والحريّة، والديمقراطية واحترام الآخرين. هذه الثقافة يجب أن تطبّق بانتظام على الدوام، مصحوبة بأعمال ميدانيّة، لتجنيب الصغار أيّ محاولة للانجراف إلى أعمال لا يغدو فيها معنى للحياة والموت".&
&
إعلان الحرب في ميزان الوطنية
رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان، الشاعر ذو المولد المغربيّ، له محذورات ومحظورات في المصلحة العليا للوطن. قد تلوح وجهة نظره للبعض نشازا إلى حدّ ما في جوّ الحماسة النحاسيّة ونشيد الوحدة الوطنية. فرغم الخلافات السياسية بين فرانسوا هولاند وساركوزي، إلاّ أنهما متفقان على ضرورة إعلان الحرب على "داعش".&
&
دو فيلبان له رؤية مغايرة غير أنها حازمة وحاسمة إزاء الإرهاب. يقول في حوار نشر في مجلة الإكسبرس: "فكرة أن تكون في حالة حرب، تعني أنك تعمل عمل العدو. فقد يؤدي هذا إلى دفع البلد إلى حرب أهلية". ورئيس وزراء جاك شيراك يحذّر فرنسا من لعبة خطرة. يقول عن البلاغة الحربية التي يستخدمها جانب كبير من الطبقة السياسية: "إن الفخ الذي نُصب لنا، يتمثل في فكرة أن علينا أن نخوض الحرب. إن الحرب دولتان وجيشان يتواجهان، وهذه ليست المقاربة الأفضل".&

الحرب الأهلية
يوضح دو فيلبان فكرته: "إنهم يريدون إحداث شرخ بيننا ودفعنا إلى الحرب الأهليّة. إذا أعلنت عصابة مجرمين متعصبين الحرب عليك، فإن عليك ألاّ تقع في فخّ المزايدة". وحجّته في ذلك العواقب الوخيمة لتدخلات الغرب في الشرق الأوسط. ويضيف موثقا: "إن هذه الهجمات، في جزء كبير منها، على صلة بمسار تاريخيّ تفاقم مع التدخلات في أفغانستان والعراق وليبيا وفي أماكن أخرى، صبّت كلها الزيت على النار". الرأي الأخير لديه هو أنه رغم عدم اقتناعه بأن ما يجري ليس الحلّ الأمثل، فإنه مع الوحدة الوطنية ويحترمها. لأن الغاية هي القضاء على "داعش".&
&
هل يمكن تلخيص كل ما يقال في كل الاتجاهات ووجهات النظر في كلمات؟ ببساطة: العالم يريد القضاء على الإرهاب، بلا هوادة، لتتفرّغ الشعوب للتنمية والبناء الحضاريّ.&