يتفنن سكان أحياء حلب الشرقية في ابتكار أساليب وأدوات لتأمين حاجاتهم في ظل الحصار المفروض عليهم من قوات النظام، فيصنعون التبغ من أوراق الشجر، ويزرعون الخضار على أسطح منازلهم، وينتجون الكهرباء بالدراجات الهوائية.

حلب: يجلس خالد كردية (25 عامًا) على كرسي من جلد بني اللون امام محله لتوزيع الانترنت في حي كرم الجبل، ويلخص ما يعانيه سكان الاحياء الشرقية الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة بالقول لوكالة فرانس برس "اضطررنا للعودة الى العصور الحجرية".

ويعيش سكان الاحياء الشرقية في مدينة حلب البالغ عددهم اكثر من 250 الفًا، منذ بدء حصار قوات النظام قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وضعًا معيشيًا صعبًا في ظل نقص كبير في المواد الغذائية والمواد الاساسية، فضلاً عن الانقطاع شبه الدائم للتيار الكهربائي نتيجة المعارك في محيط المدينة.

وعمد هؤلاء الى ابتكار الافكار ووسائل الاستمرار للتأقلم مع الحصار. فمن أجل تعويض النقص في جرار الغاز، ابتكر خالد "تنكة زيت" للطهي عليها وتسخين الشاي والقهوة. ويقوم بجمع الخشب في حي كرم الجبل ويضعه في "تنكة زيت مستعملة أحضرها من القمامة".

ويشرح خالد اختراعه الذي وضع عليه إبريقًا تغلي داخله المياه، فيقول "ثقبت تنكة الزيت وركبت عليها مروحة صغيرة من اجل توجيه نار الحطب وتأجيج اشتعاله".

وفي ظل النقص الدائم في الوقود واقتصار التيار الكهربائي الذي تنتجه المولدات على ثلاث ساعات فقط في بعض الاحياء، بدأ سكان حلب باستخراج المازوت من البلاستيك لاستخدامه في المولدات الكهربائية.

اما أبو رحمو (48 عامًا)، فبدلا من استخدام الوقود المصنع يدويا، اختار ان يشحن البطاريات باستخدام الدراجات الهوائية.

ويعمل أبو رحمو ميكانيكيًا للسيارات في حي الانصاري، وداخل ورشته الصغيرة يقوم الرجل الاربعيني بتلحيم مولد كهربائي صغير (دينمو) بدراجة هوائية ويصله من بعدها ببطارية صغيرة تستخدم في المنازل.

وتتيح البطاريات المنزلية تشغيل لمبات صغيرة الحجم او حتى غسالة اذا لزم الامر.

ويطلب احد الزبائن شحن بطاريته، فيحمل أبو رحمو مع احد العاملين لديه الدراجة الهوائية بين شوارع حلب المدمرة.

وأمام منزل الزبون، يصل البطارية بالدينمو، ويصعد أحدهم على الدراجة الهوائية ويدوس بسرعة لشحن البطارية.

ويقول ابو رحمو "لا كهرباء ولا مولدات كهربائية"، مضيفًا "اعمل في تصليح السيارات، فأقوم بتفكيك الدينمو من السيارات وتركيبه على الدراجة الهوائية".

ويبيع ابو رحمو دراجاته الهوائية هذه بسعر عشرة آلاف ليرة سورية (20 دولارًا).

- سجائر ورق العنب -

وفي حي الكلاسة القريب، يفتح أمير سندة باب منزله الحديدي ليجد دجاجته الصغيرة بانتظاره، يقوم باطعامها قبل ان يصعد الى سطح منزله حيث زرع ما تيسر له من بذور.

ووضع أمير عشرات العلب المصنعة من الفلين الابيض اللون، ملأها بالتراب واعتنى بها لتنبت فيها الخضار.

ويقول "لقد نبت عندي حالياً البقدونس والفجل وقريبًا سوف ينمو السبانخ والسلق".

ونتيجة النقص في المواد الغذائية، لم تتوقف أسعار المنتجات القليلة المتوفرة عن الارتفاع، فبات سعر ضمة البقدونس 300 ليرة سورية مقابل 50 ليرة سورية كحد اقصى في السابق. اما كيلو الطحين فوصل الى 1500 ليرة مقابل مئتين قبل الحصار.

وكذلك ارتفعت اسعار العدس (500 ليرة مقابل 60 ليرة سابقًا) والسكر (3000 ليرة مقابل 350) والارز (500 ليرة مقابل 50).

ومنذ تعليق روسيا غاراتها الجوية على حلب قبل حوالى 20 يوماً، بدأت الحياة بالعودة الى شوارع واسواق الاحياء الشرقية المدمرة بعض الشيء.

وبدأ السكان بالتجول في الاسواق والتبضع لشراء حاجياتهم، وبينها السجائر المصنعة من ورق العنب اليابس.

في أحد اسواق حي بستان القصر، يلف أحمد عويجة (43 عامًا) سيجارة، ولكنها ليست مصنعة من الدخان المقطوع، وإن وجد فبأسعار خيالية.

وبات سكان الاحياء الشرقية يجمعون ورق العنب بعد تساقطه، ثم يقومون بغسله وتنشيفه قبل طحنه، ويضيفون إليه كمية صغيرة جدًا من التبغ المتوفر للحفاظ على النكهة.

ومن الممكن شم رائحة ورق الشجر أو رائحة اليانسون في هذه السجائر الجديدة التي ارتفع سعرها ايضا بسبب الاقبال الكبير عليها. ويتراوح سعر السيجارة الواحدة بين 200 الى 300 ليرة سورية.

ويضع عويجة امامه طاولة يعرض عليها السجائر الجديدة من صناعة حلبية.

ويقول: "أصبح صندوق الدخان (العادي الذي يتضمن 12 علبة) أغلى من الذهب". ويضيف "في السابق، كنت أبيع الصندوق بـ2000 ليرة سورية، اما اليوم فبات هذا سعر السيجارة الواحدة". لذلك استبدل بضاعته بالسجائر الجديدة.

ويتابع بسخرية "اعرف اشخاصًا اشتروا منازل وسيارات مقابل بيع كميات من الدخان الاجنبي".