إيلاف من لندن: يرى محللون أن صعود المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب هو نتيجة أزمة مستمرة في الولايات المتحدة منذ عقدين سببها اغتراب كثير من الاميركيين وشكوكهم في ما يجري في أسواق المال في وول ستريت. وسلطت الحملة الانتخابية ضوءًا ساطعًا على الأزمة بانتصارات ترامب من جهة والشعبية المتزايدة للمرشح الديمقراطي اليساري بيرني ساندرز، منافس هيلاري كلنتون الذي جعل كلمة "الاشتراكية" مقبولة مجددًا في الولايات المتحدة، من الجهة الأخرى.
&
لا للرأسمالية

يأتي في مقدم الأسباب وراء تذمر الاميركيين وخيبة أملهم بالحلم الاميركي والنظام القائم، تركيز الثروة في أيدي مجموعة من أصحاب الملايين والمليارات الذين اصبحت حياتهم لا تمت بصلة الى حياة الأغلبية الساحقة من الأميركيين.

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، أكثر من نصف الاميركيين دون سن 25 لم يعودوا يؤمنون بأن الرأسمالية أفضل الأنظمة الاقتصادية. وتزداد المشكلة تفاقمًا مع التنافس الشديد بين الأغلبية المنكمشة من البيض والأقليات المتنامية من السود وذوي الاصول اللاتينية على فرص العمل والمتاح من الثروة. ولاحظت نيويورك تايمز أن هناك تشاؤمًا بمستقبل أميركا، لم تعرف البلاد نظيرًا له من قبل.

وفّر هذا الوضع تربة مثلى لصعود ترامب الذي استغل مرارة الخاسرين في المنافسة الاقتصادية بوصفها العنصر الأساسي في العلاقات بين البشر في ظل الرأسمالية. وعلى النقيض من الاعتقاد الشائع، ليس مؤيدو ترامب كلهم من العمال ذوي الياقات الزرقاء والعاطلين، بل بينهم من يبلغ متوسط دخولهم 72 ألف دولار سنويًا، أي أعلى من متوسط دخل مؤيدي ساندرز وكلنتون.
&
وعود خطيرة

تبين شعبية ترامب خوف هذه الشرائح الاجتماعية المتوسطة من الانحدار الاجتماعي والاقتصادي. يتمثل جوهر سياسة ترامب في استثمار هذا الخوف، كما يتضح من وعوده ببناء جدار على الحدود مع المكسيك ومنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. قال الباحث روبرت باكستون: "استغلال الخوف من الأجانب مستل مباشرة من كتاب الفاشية".

ويراهن ترامب على صعود نزعة قومية عدوانية بوصفها الحل لشعور كثير من الاميركيين بالغبن والوقوع ضحية العولمة. وتقترن هذه النزعة القومية بنزعة سلطوية، عبر عنها ترامب حين أعلن أن أول اجراء سيتخذه إذا فاز بالرئاسة هو اجبار رئيس شركة فورد على نقل معامل الشركة من المكسيك إلى الولايات المتحدة في غضون 48 ساعة، وإجبار شركة آبل على الكف عن انتاج هواتف آيفون في الصين. وكان لكلمات ترامب صداها بين الشرائح المتأثرة بالعولمة الرأسمالية.
&
استبداد ناضج

نقلت مجلة شبيغل عن الكاتب السياسي المحافظ اندرو سوليفان قوله إن الديمقراطية الاميركية لم "تكن ذات يوم ناضجة لتتقبل الاستبداد كما هي اليوم"، وذلك في معرض المقارنة بين صعود النازية في ألمانيا وصعود النزعة القومية في الولايات المتحدة.

في مواجهة هذا الخطر، تنطلق دعوات إلى اجراء مناظرة اجتماعية واسعة حول أسباب هذا الاستياء والتوزيع غير العادل للثروة وجشع الرأسمالية وانفلات ممارساتها بلا ضوابط.

يقدم ترامب حله للأزمة باستبعاد الآخرين، في حين يرى كثيرون أن الحل هو بإشراك الآخرين، لا مؤيدي ترامب فحسب، بل إشراك طبقات المجتمع المسحوقة ايضًا. فالمصائر التي يتهددها صعود النزعة القومية تتعدى حدود المنافسة بين مرشحين وتعتمد على إعلاء قيم التسامح والتعددية والعدالة الاجتماعية.
&
&