تعود من جديد أمام القضاء قضية ممتلكات الجزائريين التي تركوها مضطرين ابان فترة الاستعمار الفرنسي، لكنها مدعومة هذه المرة بتشريعات رئاسية.

إيلاف من الجزائر: أعطى خطاب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بصيصًا من الأمل لمئات العائلات الجزائرية، التي رفع فرنسيون ضدها قضايا أمام العدالة، لاسترجاع ممتلكات كانت لهم قبل استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، في أن تبقى في سكناتها ولا يتم طردها من قبل المستعمر القديم من جديد.

وتعرف المحاكم الجزائرية في الفترة الأخيرة رفع عدة قضايا من قبل الأقدام السوداء ضد عائلات جزائرية لاسترجاع منازل وأراضٍ يقولون إنها ملك لهم ولآبائهم اضطروا لتركها مرغمين بعد استقلال الجزائر.

ويطلق اسم"الأقدام السود" على المستوطنين الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين المولودين أو الذين عاشوا في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وقرروا تركها بعد استقلالها، على الرغم من أن جبهة التحرير الجزائرية التي كانت وراء الاستقلال سمحت لهم بالبقاء.

وترجع تسمية "الأقدام السوداء" إلى لون أحذية الجنود الفرنسيين الذين دخلوا الجزائر للمرة الاولى، والتي كانت سوداء، لكن البعض يقرن هذا الاسم بالمزارعين من المستوطنين الذين كانوا يعصرون العنب بأقدام حافية لانتاج العصير والخمور.

مئات القضايا

وتقول المحامية فاطمة الزهراء بن براهم التي تتابع هذا الملف منذ سنوات لـ"إيلاف"، "توجد على مستوى المحاكم الجزائرية مئات القضايا المرفوعة من طرف الأقدام السوداء المطالبة بطرد عائلات جزائرية من منازلها وتسليم هذه البيوت للفرنسيين"

وثمنت بن براهم ما جاء في رسالة الرئيس بوتفليقة بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الـ54 للاستقلال، التي أكد فيها أن ملف ممتلكات الأقدام السوداء قد فصل فيها منذ سنوات.

وقال بوتفليقة: "يجب في هذا المقام أن نذكر بأن شعبنا الذي عانى ويلات الحرب وفظاعتها، أكد منذ استقلاله تمسكه التام بسيادته وأعلن جنوحه الصادق للسلم."

وأضاف أن "أولوية السيادة الوطنية سرعان ما تجسدت من خلال قرارات تاريخية متعاقبة شملت الأراضي الفلاحية، والموارد المنجمية، والمنظومة المالية المحلية إلى جانب تخليص البلاد تدريجيًا من الوجود العسكري الأجنبي.

وأردف قائلاً: "وفي نفس المنوال، اتخذت الجزائر إجراءات مشروعة، لإسترجاع ضمن ملكية الدولة الممتلكات الفردية والجماعية التي أصبحت شاغرة غداة الاستقلال، وذلك إجراء جاء في سياق ما فعله المستعمر الغاشم في الأربعينيات من القرن الماضي بممتلكات أبناء بلادنا، إجراء أصبح كذلك جزءًا لا رجعة فيه من تشريع دولتنا المعاصرة."

تواطؤ إداري

لكن بن براهم تشير في حديثها مع "إيلاف" إلى تواطؤ من بعض الإدارات التي تسمح بنقل الملكية للعقارات إلى "الأقدام السوداء" دون وجه حق، كما أن بعض القضاة يحكمون لصالح الفرنسيين ويتسببون في طرد عائلات جزائرية من منازلها.

وترى بن براهم أن بعض قرارات العدالة التي تصب لصالح الأقدام السوداء، وتساءلت عن أي سند قانوني تستند إليه هذه المحاكم.

وبحسب بن براهم، إن الجزائر ليست في حاجة لإصدار قوانين جديدة لمنع تسليم هذه العقارات لفرنسيين، لان القوانين موجودة بدءًا باتفاقية ايفيان التي أنهت الاحتلال الفرنسي والتي لم تنص على طرد الفرنسيين، إنما مغادرتهم كانت بسبب تهديدات المنظمة السرية التي أسسها المستوطنون، والتي خيرتهم بين الموت أو العودة إلى فرنسا.

وأشارت بن براهم إلى انه بعد الاستقلال نص قانون على انه يحق لأي فرنسي غادر الجزائر أن يعود إلى الجزائر وممتلكاته ترجع إليه، وحدد ذلك بعامين وبعدها أصبحت جميع الممتلكات ملكًا للشعب الجزائري.

ولفتت بن براهم إلى أن الأقدام السوداء رفعوا في 2014 قضية أمام المحكمة الأوروبية لاسترجاع هذه الممتلكات، وهذه الهيئة حكمت ببطلان مطلبهم، إضافة إلى أن الأمم المتحدة أصدرت لائحة تؤكد أن الجزائر سيدة على جميع ما يوج في أراضيها.

وكشفت الحقوقية ذاتها أن التعديلات الأخيرة التي مست قانون الإجراءات الإدارية سمحت بتوسع هذه الظاهرة، لأن المحامين صاروا غير قادرين على الطعن في قرارات المحكمة العليا في حال حكمت لصالح الأقدام السوداء٫ وقال المدير العام لأملاك الدولة محمد حمور شهر مايو الفارط '' منذ 2013 وبالتنسيق مع الهيئات الوزارية استرجعنا 180 ألف عقار بين منازل وشقق، وأراضٍ كانت تابعة للأقدام السوداء"٫ وتحدث حمور عن تلاعبات كبيرة تحدث في منح الممتلكات للأقدام السوداء، بتواطؤ مع مسؤولين داخل الوطن يسهّلون لهم استرداد عقارات في ولايات الوطن.

اللوبي الصهيوني

وما سهل مطالبة الأقدام السوداء هو عدم تقييد هذه الممتلكات باسم مالكيها الجزائريين من بعض الادارات في مختلف الولايات ، رغم أن القانون كان يلزمهم بنقل الملكية بعد ترك هذه المنازل من الفرنسيين عقب الاستقلال٫ وبحسب فاطمة الزهراء بن ابراهم، فالعاصمة الجزائر لوحدها يوجد بها نحو 6 آلاف منزل كان يقطنه الاقدام السوداء، وقد يصبح محل خلاف، وتشير بن براهم إلى أن هذا الوضع هو ما دفع الأقدام السوداء الى تشكيل جمعية بالتعاون مع أطراف داخلية، مستغلين عدم تقييد هذه الممتلكات.

لكن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان لا تحصر القضية في مجرد خلاف بين الجزائر والمستعمر القديم٫ وقالت في تقرير للرابطة بحوزة "إيلاف" إنه "على الرغم من مرور 54 سنة على استقلال الجزائر عن فرنسا، وخروج آخر المعمرين الفرنسيين أو ما يعرف ''بالأقدام السوداء'' من الجزائر، لا يزال هذا اللوبي الصهيوني في الإليزيه يمارس ضغوطات واستفزازات حول ما يسمى '' بممتلكات الأقدام السوداء ".

وترى الرابطة أن "ممارسات المسؤولين الجزائريين منحت الفرنسيين حق الاعتقاد بأن لهم الأولوية في الجزائر على غيرهم من قادة دول العالم، ففرنسا هي الشريك التجاري الأول للجزائر على الدوام"٫ وأظهر إحصاء أعدته الرابطة أن عدد الأسئلة المتعلقة بالجزائر التي وجهها برلمانيون فرنسيون إلى حكومة بلادهم قد وصل إلى أكثر من 150 سؤالاً بين شفوي وكتابي، في الفترة الممتدة من يوليو 2015 إلى مايو 2016 ، ومنها أسئلة تتعلق بمطالب جمعيات الحركى والأقدام السوداء التي تدعو الحكومة الفرنسية الى التدخل لتعويضها عما تسميه طرد هذه الفئات من قبل السلطات الجزائرية بعد الاستقلال.

وأبدت إدارة الرئيس فرانسوا هولاند تعاطفًا مع هذه المطالب، وتحدث الرجل الأول في قصر الإليزيه مارس عمّا سماه "مجازر ارتكبت في حق الحركى والأقدام السوداء".

وذهب هولاند بعيدًا وسوى بين ما تعرض له الجزائريون خلال فترة الاحتلال مع ما يقول عنه "مجازر" تعرض لها الأقدام السوداء.