قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نشهد إحياء روابط سياسية قديمة داخل الاتحاد الأوروبي، تشمل بريطانيا تستمر في عملية الخروج من الاتحاد. وبدأت مجموعة من الدول الشمالية، بينها هولندا وإيرلندا والدول الإسكندنافية ودول البلطيق، تطلق على نفسها "عصبة الهانزية الجديدة".

إيلاف: الهانزا (Hanse) تسمية ألمانية قديمة، تعني رابطة أو عصبة، أُطلقت في البداية على مجموعات التجار الألمان في الخارج، الذين نشأت بينهم روابط للدفاع عن مصالحهم المشتركة في بلدان الاغتراب، ثم صارت تطلق على اتحاد ضم أهم المدن في شمال ألمانيا وشواطئ بحر البلطيق، والذي أصبح أكبر قوة اقتصادية وسياسية في شمال أوروبا في العصور الوسطى.

استمرت هذه الرابطة بين القرنين الثاني عشر والسابع عشر، ضمت في البداية ثلاث مدن ألمانية: لوبيك وهامبورغ وكولونيا، ثم 
تزايد عدد المدن المنضوية تحت لوائها حتى بلغ 80 مدينة في القرن الرابع عشر. شكلت هذه المدن نواة الرابطة الهانزية، أقامت لها محطات تجارية عدة في نوڤغورود (روسيا)، برگن (النروج)، لندن (بريطانيا)، وبروج (بلجيكا).

لندن
لم تكن لندن بين المدن الهانزية رسميًا، لكنها كانت حلقة وصل مهمة في السلسلة المعروفة باسم "كونتور" أو المركز التجاري، حيث تم إعفاء مجتمع التجار الألمان الذين عاشوا على ضفاف نهر التايمز من الرسوم الجمركية وبعض الضرائب.

عُرفت قاعدة الهانزية في لندن باسم "ستيل يارد"، ربما بسبب الأختام المعدنية المستخدمة في التصديق على الأنواع المختلفة من القماش التي تم إحضارها إلى إنكلترا للتصدير.

على الرغم من أن نجاح هذه القاعدة في لندن أدى إلى إثارة الاستياء والنزاعات مع التجار المحليين، فإنها كانت مثالًا مبكرًا على التعاون بين ما يقرب من 200 مدينة في جميع أنحاء شمال أوروبا.

ازدهار شمال غرب أوروبا
يقول الخبير الإقتصادي جينس ثولستروب في حديث مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إن الناس يُسيئون أحيانًا استخدام المصطلح، ويقولون إن الرابطة الهانزية شجّعت التجارة الحرة. هذا بالتأكيد لم يحدث؛ إذ إن استراتيجتهم كانت تتعلق بإنشاء الاحتكارات والتفاوض على الامتيازات.

أضاف ثولستروب: "من ناحية أخرى، أعتقد أنهم أنشأوا شبكة، وساهموا في تحقيق الرخاء، في وقت كان فيه بحر البلطيق مكانًا مظلمًا للغاية. لذا، فإن التحوّل الذي ساعدوا على تكوينه كان أصل ازدهار شمال غرب أوروبا".

من جهتها، تقول الخبيرة الإقتصادية أليسون غومان لهيئة الإذاعة البريطانية إن الهدف الأساس للرابطة كان دائمًا ماليًا. وينصب في الحفاظ على طرق التجارة مفتوحة. بهذا المعنى، كان الأمر يتعلق بحرية التجارة بدلًا من التجارة الحرة، وهذا عنصر مهم في تطور الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم.

فيسبي
في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، بنى سكان فيسبي - وهي بلدة تقع على جزيرة غوتلاند السويدية - حاجزًا عظيمًا لمنع الفلاحين من الخروج، بهدف حماية الثروة التي جلبتها التجارة الدولية إلى مدينتهم عبر بحر البلطيق.

بعد أكثر من 700 عام، لا يزال الجدار قائمًا، وبات رمزًا يتذكر الناس من خلاله أن تجار فيسبي كانوا مهتمين بالتجارة مع نظرائهم في مدن أخرى عبر البحر، أكثر من اهتمامهم بجيرانهم في المقاطعات.

مدينة فيسبي - مصدر الصورة ويكيبيديا

تغيرت فيسبي جذريًا عن العصور الوسطى، وهي تعتمد في هذه الأيام على الشكل الحديث للتجارة والسياحة. أما الميناء الذي جذب الكثير من الثروة في العصور الوسطى أصبح الآن حديقة محلية هادئة تطل على بحر البلطيق.

بدأت فيسبي التواصل مع أجزاء أخرى من منطقة البلطيق في مطلع العصور الوسطى، وولدت شبكة واسعة النطاق من التجار والمدن التي أصبحت في ما بعد رابطة الهانزية. وكانت واحدة من مراكز القوة الأساسية. حيث شكل التجار المحليون، الذين ربطتهم علاقات تجارية مع نظرائهم في شمال ألمانيا على وجه الخصوص، نقابات لتعزيز مصالحهم وبناء شبكاتهم.

يقول لارس كروتهوف، عالم الآثار السويدي: "شهدت فيسبي ازدهارًا في التعامل التجاري مع مدينة نوفغورود الروسية. لكن بعد ذلك جاء الألمان إلى فيسبي، واستقروا في نوفغورود، واستولوا ببطء على التجارة".

عوامل عديدة ساهمت في اضمحلال أهمية موقع غوتلاند: القرصنة، ووجود طرق ملاحة أفضل، والهجمات العسكرية من الدانمارك. وبينما خسرت فيسبي مكانتها، نما التعاون بين التجار الطموحين تدريجًا، ليصبح شبكة منظمة وقوة تجارية عظمى في العصور الوسطى.

لوبيك
كانت مدينة لوبيك الألمانية من أغنى مدن الاتحاد التجاري في شمال غرب وأواسط أوروبا، ولقبت بـ "ملكة الرابطة الهانزية"، وتربعت على هذه المرتبة سنوات طويلة. أدرج مركز المدينة في عام 1987 ضمن مواقع التراث العالمي لليونيسكو. تشكلت الرابطة من حوالى 200 مدينة تقع على طول سواحل بحر الشمال وبحر البلطيق، ويحتفظ متحف "هانزا" بسجلات تُبيّن صعود وأفول نجم "الرابطة التجارية الهانزية".

بين عامي 1356 و1669، استضافت لوبيك أكثر من 100 اجتماع للهانزتاغ، وهي جمعية جمعت ممثلين عن المدن الهانزية لوضع الاستراتيجيات وتعزيز المصالح.

مدينة لوبيك الألمانية

افتتحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل متحف "هانزا" قبل أربع سنوات في لوبيك، وهو تذكير بأهمية التاريخ الهانزي في هذه الأجزاء. ووصفت المستشارة الألمانية في حفل الافتتاح المتحف بأنه أنموذج يحتذى به بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي.

لا تزال هامبورغ وبريمن معروفتين رسميًا باسم المدن الهانزية الحرة. لكن لوبيك كانت "ملكة الهانزا"، في قلب شبكة امتدت عبر المياه وفي المناطق الداخلية، ووفرت جميع أنواع السلع، الشمع من أوروبا الشرقية، والرنجة من الدول الإسكندنافية، إلى المدن المزدهرة في الداخل.

نظام للمعايير واللوائح المشتركة
مع تطور التجارة، احتاجت المدن التي تفصل بينها مئات الأميال الشعور بالطمأنينة حيال جودة المنتجات التي تدفع لشرائها. لذلك، أنشأت نظامًا للمعايير واللوائح المشتركة. وكانت الرابطة الهانزية نشطة للغاية في مراقبة الجودة.

في الواقع، يعود الفضل في العديد من القضايا التي تهيمن على المناقشات التجارية الحديثة، كالسلع المقلدة والعلامات التجارية وحتى قواعد المهن التجارية و"قواعد المنشأ"، إلى الفترة الهانزية. وبينما ظهرت في بعض الأحيان خلافات تجارية خلال هذه الحقبة، ساعدت الرابطة الهانزية لفترة طويلة على ضمان الجودة وتنظيم الخدمات اللوجستية وخلق الثقة.

بدأت لوبيك تفقد نفوذها تدريجًا مع صعود الدول القومية كمراكز للقوة السياسية متحديًة نموذجها التجاري، وكذلك ظهور أسواق وطرق تجارية جديدة حول العالم. حتى إن التغير المناخي ساهم بدوره في خسارة المدينة لسلعة رئيسة، وهي سمك الرنجة، حيث انتقلت من المياه الضحلة في بحر البلطيق في القرن الخامس عشر بحثًا عن مياه أكثر دفئًا في أماكن أخرى. أما حرب الثلاثين عامًا التي دمّرت وسط أوروبا في القرن السابع عشر فكانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير.

كينغز لين
لا يمكن التحدث عن الرابطة الهانزية من دون أن نذكر ميناء وسوق كينغز لين البحري في نورفولك، على بعد حوالى 158 كيلومترًا شمال لندن.

خدم ميناء كينغز لين البحري في العصور الوسطى 10 مقاطعات في المناطق الداخلية. وكانت القاعدة الهانزية يديرها بشكل أساس تجار من غدانسك في بولندا، من خلال استيراد الشمع والفلفل.

يتحدث المؤرخ البريطاني بول ريتشاردز، عن تاريخ كينغز لين لهيئة الإذاعة البريطانية قائلًا: "لدينا رسائل قديمة من التجار الألمان في لندن، توضح حجم تعاملهم مع كينغز لين. كانت لدى الألمان حانة مفضلة في شارع نورفولك تُسمى ذا سوان ".

وأضاف: "جسد هذا الميناء مجتمع الهانزية في إنكلترا، لقد أبرموا الصفقات، وتعاونوا جيدًا مع تجار لين. ومن بين جميع المدن الإنكليزية حافظت كينغز لين على روابط مع البلطيق".

إحياء الروابط القديمة
على الرغم من استمرار عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، نشهد اليوم إحياء هذه الروابط القديمة على المستوى السياسي داخل الاتحاد الأوروبي. وبدأت مجموعة من الدول الشمالية، بما في ذلك هولندا وإيرلندا والدول الإسكندنافية ودول البلطيق، تطلق على نفسها "عصبة الهانزية الجديدة".

الهدف المعلن من إحياء هذه الروابط هو تعزيز الأسواق الحرة والسياسات المالية المحافظة، كحصن ضد السياسات الحمائية الناشئة من جنوب أوروبا. إلا أن هناك قلقًا كبيرًا بين هذه الدول من خسارة المملكة المتحدة، الحليف الأكثر نفوذًا.

لكن، بعيدًا عن السياسة البريطانية العليا المتمثلة في مغادرة الاتحاد الأوروبي، تواصل المدن البريطانية إقامة روابط خاصة بها. وبهذا الخصوص عبّر نيك داوبني، عمدة كينغز لين المتقاعد، عن تفاخره بأنه سيصبح أول مفوض بريطاني لرابطة الهانزية الجديدة.

ربما نجد أول وهلة تناقضًا مريبًا، حين نعلم أن المنطقة التي صوّتت بمعظمها على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حريصة على إنشاء روابط جديدة مع أوروبا. ففي استفتاء عام 2016، أيّد 66.4 في المئة من سكان كينغز لين وغرب نورفولك الخروج من الاتحاد الأوروبي.

غير أن السكان المحليين يقولون إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيدفع الجميع إلى بذل الجهود واستعادة الروابط الهانزية بمعايير جديدة. ويوضح سكان المدينة أنهم لا يريدون أن يبقوا جزءًا من الاتحاد الأوروبي، لكنهم لم يصوّتوا للانعزال عن المجتمعات الأوروبية الأخرى.
 
 
 
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن موقع "بي بي سي". الأصل منشور على الرابط:
https://www.bbc.co.uk/news/extra/A2MFANtn3Z/hanseatic_league