قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إنها القصة الكاملة لما بين "إيلاف" والشيخ الراحل صالح اللحيدان، بسبب فتوى جواز قتل ملاك الفضائيات التي أصدرها في سبتمبر 2008، حتى اضطراره إلى تراجع مبطن عما أفتى فيه.

إيلاف من الرياض: أقل ما يمكن أن يُقال في الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، الراحل يوم الأربعاء، إنه كان شيخًا مثيرًا لكثير من الجدل ببعض الفتاوى التي أصدرها في حياته، وأبرزها تلك التي أصدرها ذات يوم من أيام سبتمبر 2008، في أثناء مقابلة أجرتها معه إذاعة القرآن الكريم في برنامج "نور على الدرب"، مجيزًا فيها قتل ملاك القنوات الفضائية العربية، هذا نصها: "إن من يدعون إلى الفتن إذا قُدر على منعه ولم يمتنع قد يحل قتله؛ لأن دعاة الفساد في الاعتقاد أو في العمل إذا لم يندفع شرهم بعقوبات دون القتل جاز قتلهم قضاء. فالأمر خطير لأن الله جل وعلا لما ذكر قتل النفس قال: ﴿أو فساد في الأرض﴾، فالإنسان يقتل بالنفس أو بالفساد في الأرض، وإفساد العقائد، وإفساد الأخلاق، والدعوة لذلك نوع من الفساد العريض في الأرض".

وهكذا، في الذكرى السابعة لأحداث 11 سبتمبر، وفيما العالم يجتهد ليوجه أصابع الاتهام إلى المسلمين، يرمي أحد كبار مشايخهم وقضاتهم في المملكة العربية السعودية ملاك المحطات الفضائية بالفساد ويبشرهم بالقتل. وهو الكلام الذي ما استقام في قاموس "إيلاف"، الصحيفة الإلكترونية التي رفعت منذ انطلاقتها لواء حرية التعبير مسكونة بالإنسانية، وراية الحق في المعتقد مرتبطًا باحترام رأي الآخر ومعتقده، ففتحت أبوابها لمساجلة اللحيدان بالمنطق والحجة.

اليوم، وقد رحل الشيخ صالح اللحيدان عن هذه الدنيا، تستعيد "إيلاف" تلك الواقعة، التي كان لها وقعها في نقاش حامي الوطيس، دار في ذلك العام، في ضوء مستجدات عربية وعالمية كان لها تداعياتها الكبيرة على المنطقة، بعد أحدات 11 سبتمبر 2001.

لمن تقرع الأجراس؟

في مقالة بعنوان "رئيس مجلس القضاء السعودي: لمن تقرع الأجراس؟"، كتبها سلطان القحطاني في "إيلاف" في 12 سبتمبر 2008، جاء: "وكان اللحيدان من أكثر الأصوات الدينية المعروفة بالنسبة إلى السعوديين وذلك دون الحاجة إلى رؤية ملامح وجهه؛ فقد كونوا مع صوته علاقة حميمة حتى أصبح بعد مرور السنين جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة المحلية. بل إن الأغلب من محبيه وجمهوره لا يعرفون له هيئة مصوّرة إلا ما تبثه الصحف أحيانًا من ردود أو فتاوى أو مقابلات، ولا يعرفونه حين يظهر تلفزيونيًا إلا وقت أن يعلن المذيع عن اسمه، حتى أن صوره في أرشيف الصحف المحلية يمكن أن تعد على أصابع اليد الواحدة".

أضاف القحطاني: "وبموجب الفتوى التي أصدرها فإن كل حكام الخليج وبعض أمرائها يقعون تحت طائلة هذا 'الضوء الأخضر لتصفيتهم' كونهم يستحوذون على النسبة الكبرى من بين مالكي القنوات الفضائية"، متابعًا أنه قد عمت الساعات التي تلت هذه الفتوى "اتصالات خليجية على أرفع المستويات للتعرف ودراسة الاحتياطات الأمنية تجاه تطور الفتوى وترجمتها عمليًا من المتطرفين ومؤيدي تنظيم القاعدة. وعلم أن أوساطًا دولية تلقت هذه الفتوى بالدهشة المشوبة بالقلق نتيجة أنها تتناول العائلات الحاكمة في الخليج التي تتولى رعاية المحطات الفضائية وتمويلها وتعرضها لخطورة الاغتيالات، خصوصًا وأنها الأولى من نوعها التي ينطق بها اللحيدان كاسرًا بذلك احتكارًا حصريًا كان يمتلكه بن لادن والظواهري الذين أهدرا دماء أغلبية الزعامات العربية".

كان واضحًا للجميع أن اللحيدان ذهب في تطرفه مذهبًا مغاليًا، وهو من نسب إليه الأمن الأميركي تسجيلاً صوتياً يحث فيه الشباب السعودي على الذهاب إلى العراق للانضمام إلى ما يسمى بقوات مقاومة الاحتلال.. وهو من من رأى في مؤتمر الحوار الذي أطلقه الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود "فسادًا".

"قضاءً"!

فجر الأحد 14 سبتمبر 2008، وعلى أثير التلفزيون السعودي، وفيما كان المنتظر منه أن يتراجع عن هذه الفتوى، زاد فيها، وقال إن الحلقة "التي أثارت واستثارت من حرّف فيها ولم ينقل الكلام الذي قلته نصاً أنا بدأتها بالنصح لأصحاب القنوات بأن يتقوا الله ويخافوا وأن لا يسعوا لبث شيء مما يفسد عقائد الناس كما يتعلق بالسحر وأنواعه وتمثيليات فيها شركيات ظاهرة وما يتعلق بنشر الخلاعة والمجون وما يتعلق بمضحكات التي لا تليق برمضان واستهزاء برجالات علم أو رجالات أمر بمعروف أو نهي عن المنكر أو غير ذلك مما لا يليق ببسيط الناس أن يتعناها، فكيف بمحطات تبث على الهواء فنصحت هولاء عليهم أن يتقوا الله ولا يسعوا لإفساد الناس وأن من قلدهم أو تأثر بفسادهم وتضرر باعتناق بعض الأفكار التي يسلكونها أنه يتحمل وزره لكنهم يتحملون مثل أوزاره لأن من دعا سنة سيئة تحمل وزر دعوته وتحمل أمثال أوزار من يتبعونه عليها فكنت في كلامي أنصح لاؤلئك القنوات أن يتقوا الله في الأمة الإسلامية ألا يسعوا لبث ما يشوه أخلاقها أو يدعوها للتساهل في أمر دينها أو يجرها على الخلط في أمر العقائد بالسفاهة والسحر والشعوذة وغير ذلك".

أضاف، في ما أضافه: "إن هؤلاء المسؤولين والباثين إذا لم يمتنعوا ومنعتهم السلطة ولم يمتنعوا وعادوا في ذلك أنهم يعاقبون ومن لم يردعه العقاب واستمر على إفساد الناس فيما يبث أنه يجوز للسلطة قتلهم ’قضاءً‘، ومعلوم أن القاضي لا يخرج بسيفه ويقتل من يقتل وإنما تقام الدعوى من الجهات المخصصة للإدعاء لهيئة الإدعاء العام ويسمع القاضي ويصدر أحكامه إذا ظهر له أن المدعى عليه ممن يستحقون العقوبة القاسية ثم يرفع هذا للجهات المختصة في تدقيق الأحكام ثم يرفع بعد ذلك للجهة التي هي أعلى منها فإن مراحل القضاء في المملكة ليست درجة واحدة".

لو لم ينطق

في اليوم نفسه، الأحد 14 سبتمبر، كتب سيف الصانع في "إيلاف"، وتحت عنوان "اللحيدان... نطق الشيخ... ليته لم ينطق!"، أن اللحيدان لم يتراجع عن فتواه الداعية لقتل ملاك الفضائيات، كما توقع البعض، بل كان ثابتا على موقفه، مصرا على فتواه، غير أنه اعتبر أن من نقل الفتوى لم ينقلها كما جاءت، بل حرّفها عن مسارها الحقيقي.

حاول اللحيدان في لقائه الذي عرضه التلفزيون السعودي، الذي جاء على ما يبدو بعد ضغوط من جهات عليا، أن يمتص هذه الضغوطات، غير أنه لم يغير في فحوى الفتوى، سوى أنه حرّفها قليلًا عن هدفها، ليدخل فيها معنيون جدد. واعتبر أنه لم يجز القتل في فتواه مباشره، وإنما طالب بإحالتهم إلى القضاء. يقول: "أنا قلت ’قضاءً‘ والقاضي لا يخرج بسيفه ويقتل من يقتل، وإنما تُقام الدعوى من الجهات المخصصة للإدعاء لهيئة الإدعاء العام".

أضاف الصانع: "كما لاحظ مراقبون، أن اللحيدان اتخذ من قنوات السحر والشعوذة مهربًا للخروج من حساسية هذه الفتوى، التي تداولتها وكالات الأنباء والصحف العالمية يوم أمس. فقد أشار في اللقاء أن المقصود في فتواه هي قنوات السحر والشعوذة والمجون، ليثير استغراب المشاهدين الذين استمعوا إليه وهو يقول في مطلع فتواه: 'أنا أنصح أصحاب هؤلاء القنوات الذين يبثون الدعوة للخنا والمجون أو الفكاهة والضحك، وإضاعة الوقت بغير فائدة'، ما حدا بالكثير لأن يتساءلوا: هل قنوات السحر والشعوذة تبث الفكاهة والضحك؟ وكان السؤال الذي طرح عليه في إذاعة القرآن، حمل الصيغة التالية: إن الفتن الكثيرة التي يجلبها أصحاب القنوات الفضائية في شهر رمضان على وجه الخصوص تكثر برامجهم السيئة، ويركزون في فترة المغرب وفترة العشاء على المسلمين. ما نصيحتكم سواء كان للمشاهدين أو لأصحاب هذه القنوات؟".

ويستمر في توضيح مقصده عن الفتوى بقوله إن هؤلاء المسؤولين والباثين إذا لم يمتنعوا ومنعتهم السلطة وعادوا في ذلك أنهم يعاقبون، ومن لم يردعه العقاب واستمر على إفساد الناس فيما يبث أنه يجوز للسلطة قتلهم "قضاء". ويرى البعض أن إضافة كلمة "قضاء" التي قالها اللحيدان، والتي يعتقد أنها أخرجته من مغبة فتواه، "لا تعفيه من المسؤولية، لأن مجرد وجود مفردة (القتل) في سؤال كهذا، كفيل بإثارة الناس، ومع ذلك يؤكد اللحيدان أن فتواه حرفت عن مسارها الطبيعي، وأنه من غير المتوقع أن يصدر عنه مثل هذه الفتوى بقتل ملاك الفضائيات، خصوصًا وأنه قال بعد أن استعرض حياته الطويلة في القضاء التي تجاوزت أربعين عاما، فهذه الحياة لا تدل على أن الإنسان يتكلم في فتوى عن جهل أو عدم رؤيه أو إدراك.

وختم الصانع مقالته بالتأكيد أن اللحيدان، للمرة الثانية طيلة أكثر من 50 عامًا من سيرته المهنية، "يتراجع أو يصدر بيانًا عن فتوى أصدرها أو رأي أدلى به"، وهذا استجابة للحملة التي رفعت "إيلاف" لواءها منذ لحظة إصداره هذه الفتوى... "لكن المتمعن في سيرة ما كتب أعلاه على لسان اللحيدان يجد أنه تعمق في تجهيل خصومه وانتقاصهم، وهو الحل الأوحد والخيار أمام إصداره بيانًا".

مياه راكدة.. حتى!

بعدما بادرت "إيلاف" إلى تعكير ماء أراده اللحيدان راكدًا في الفتيا، تبعتها صحف أخرى، عربية وعالمية. في السعودية، تصدرت فتوى "القتل" عناوين صحف "الحياة" و"الوطن" و"الجزيرة"، إلى جانب مواقع إلكترونية مختلفة تصدت للموضوع.

قالت صحيفة "أوان" الكويتية في تقرير لها من العاصمة السعودية الرياض: "في الوقت الذي ترفع فيه المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله ابن عبدالعزيز، راية السلام والتعايش، وتعقد المؤتمرات والندوات بغية الوصول إلى فتح قنوات الحوار مع الأديان الأخرى، خرج رئيس مجلس القضاء الأعلى في السعودية الشيخ صالح اللحيدان بفتوى تجيز قتل ملاك القنوات الفضائية العربية بوصفهم من المفسدين في الأرض".

ونسبت "أوان" إلى الأديب تركي الحمد قوله: "هل صار الإنسان بهذا الرخص؟ وهل صار الحكم بالقتل بهذه السهولة، وكأن المقتول دجاجة؟ إن من يُحرض على القتل فهو قاتل"، فيما كتب خالد الغنامي، رافضًا التبرير الواهي الذي أدرجه اللحيدان: "إن ما قاله الشيخ جاء في لحظة تجلٍ وصدق مع الذات ومع الناس، لكنه كارثة حقيقية بالنسبة للإنسان المعاصر الذي يؤمن بالسلم الاجتماعي، إذ إن هذا المنطق لا يتناسب أبدًا مع كل الجهود التي يبذلها الناس في كل أنحاء الكوكب لتعزيز فكرة السلام، بل هو فتح باب عريض للإرهاب والقتل".

في السعودية، تناول المثقفون هذه الفتوى بالإدانة. فقد أكد الكاتب الصحافي والناشط الحقوقي الدكتور محمد عودة العنزي أن هذه الفتاوى تحرج السعودية، وتعكس انطباعا سيئا عن الإسلام وعن القضاء السعودي. أضاف: "إن مثل هذه الفتاوى تزيد من الفكر التكفيري المتشدد وتفتح الباب إلى الفوضى والتخريب، إذ إنه فيما يبدو أن الإرهاب الفكري مازال يعشش بيننا وبكثرة، والكثير مازال يبحث عن الشرارة التي توقد النار فمن المفترض ألا يُعطوا الفرص والمبررات".

صارخة صادمة

ووجه الكاتب نبيل المعجل اللوم للمقربين من الشيخ اللحيدان بقوله: "إن مصدر هذه الفتاوى التي تخرج من عباءة الشيخ أساسها من المقربين الذي يصورون له أمورا غير واقعية وغير منطقية وناقصة، فتأتي الفتوى صارخة صادمة للجميع، وتضعه في موقف حرج وبالذات أن الناس أصبحت تستمع لمفتين من خارج البلاد، وتبدأ بالمقارنة بين ما يصدر هنا وهناك".

أضاف المعجل: "الشيخ اللحيدان له مجاله في العلم الشرعي وليس لديه الوقت والمقدرة لكبر سنه وصعوبة التقنيات الحديثة على استخدامها لمن هو في سنه لمتابعة التطورات التي تطرأ على المجتمعات ومن ضمنها المجتمع السعودي، وهذه أحسبها من مهمة المقربين منه، ولكنهم وللأسف لايقومون بها، ولا أدري إن كانوا مؤهلين أو لا يريدون ذلك".

في "القبس" الكويتية، كتاب محمد مساعد الصالح: "إن اللحيدان رئيس مجلس القضاء، والمعروف أن القاضي يصدر أحكامًا ولا ينشر أو يصرح بفتاوى، فقد تستغل هذه الفتاوى ويعتبرها البعض سابقة يتمسك بها المتقاضي، ولهذا يجب الفصل بين القضاء والفتاوى.. خصوصًا أن هذا النوع من الفتاوى قد يتحمس له بعض المتدينين المتطرفين ليقدموا على إزهاق أرواح بشر هم أصحاب القنوات الفضائية التي يعتبرها فضيلة الشيخ صالح ماجنة. ومن هنا يجب أن يعي هؤلاء المفتون أن هناك دولة ومجالس تشريعية هي التي تضع القوانين وتطبقها وليس فتاواهم ذات الطابع الشخصي الاستفزازي".

ونسبت صحيفة "المصري اليوم" المصرية عن الدكتور محمود عاشور، وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، قوله: "الإسلام لا يجيز القتل إطلاقًا إلا بالحق، وليس من الحق قتل أصحاب هذه القنوات، فالإسلام يعطي للنفس البشرية قدسية أكثر من قدسية الكعبة المشرفة، ولا يجوز قتل نفس إلا قصاصًا"، سائلًا: "أي من المحاكم ستحاكم أصحاب القنوات؟ وعلي أي أساس؟ فإذا كانوا مفسدين فهناك الكثير من أوجه الفساد لا بد أن تتم محاربتها، كالرشوة وتقديم لحم الحمير للإنسان وغيرها".

وندّدت منظمة "مراسلون بلا حدود" الدولية المعنيّة بالدفاع عن حرية الصحافة في 16 سبتمبر 2008 بفتوى اللحيدان. وقال بيان صادر عنها إن الفتوى هي دعوة للقتل، وتعرّض حياة الصحفيين للخطر. ونسبت "فرانس برس" إلى الشيخ العراقي البارز أحمد الكبيسي إتهامه اللحيدان بالإجرام والكذب: "هذه الفتوى لا أساس لها من الصحة وهي مرفوضة بل هي جريمة وكذب على الله ورسوله وطعن في الدين الاسلامي الذي هو دين التسامح".

وفي اتهام ضمني بصلته بالإرهاب، قال الكبيسي إن اللحيدان "أصدر حكمه وهو يعلم أن هناك من يسمع كلامه وينفذ"، في اشارة الى المتطرفين.

العبيكان والفوزان والنجيمي

في حينه، ندد مسؤول كبير بوزارة العدل السعودية بفتوى اللحيدان، فيما نقل موقع "إسلام أونلاين" عن الشيخ عبد المحسن العبيكان، المستشار بوزارة العدل في حينه، قوله إن هذه الفتوى "ستدعم الإرهاب".

أضاف العبيكان: "إن بعض الفئات ستستغل هذا الرد كما استغلت الردود السابقة بالذهاب إلى العراق بدعوى الجهاد فيه".

وفي حديثه لموقع "الوئام"، قال العبيكان إن مثل هذه الفتوى "لا تنطبق في بلاد غير بلادنا، فلا فائدة منها في بلاد لا تحكم بالشريعة الإسلامية ولا يمتثل ملاّك القنوات الفضائية فيها لتعاليم الدين الإسلامي، ويجب أن يراعي من يصدر الفتاوى الصفة والمضمون لأن العامة يختلفون في مداركهم وأفهامهم وعلومهم"، مؤكدًا أن هذه الآية ’أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض‘ التي استدل بها الشيخ اللحيدان في فتواه لا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، مع أن ما يعرض في هذه القنوات من إفساد للأخلاق يعتبر جريمة من أكبر الجرائم، والصحيح أن من يروج لهذه الأمور يستحق أن يُحال للقضاء ويصدر بحقه القاضي حكمًا تعزيريًا بحسب الجرم الذي مارسه".

أضاف أن آية الحرابة التي هي أقرب للموضوع، "فجمهور أهل العلم يرى أن سبب نزولها قصة العُرنيين الذين قتلوا راعي إبل الصدقة، والصحيح قول الجمهور بأن حد الحرابة يقام على قطّاع الطرق، ولا أتذكر أنه تم تطبيقها في غير ذلك مثل أعمال ملاّك القنوات الفضائية"، داعيًا إلى أن توجه النصيحة لأصحاب القنوات: "الذي يمكننا قوله أن ندعو لأصحاب هذه القنوات بالهداية وننصحهم بالتوبة لله، فبعض هؤلاء يعتبر مجرمًا بحق مجتمعه من خلال نشره للفساد وإثارته للشهوات".

في المقابل، دافع الشيخ صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان، عضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وعضو هيئة كبار العلماء، عن اللحيدان وفتواه ببيان قال فيه إن "في هذه الأيام اتجهت سهام بعض الصحفيين بالتجريح إلى عالم جليل هو الشيخ صالح بن محمد اللحيدان حفظه الله، وهو من أكبر علماء هذه البلاد فهو عضو من أعضاء هيئة كبار العلماء منذ أنشئت هذه الهيئة في عهد الملك فيصل رحمه الله، وهو تلميذ المشائخ الأجلاء وخريج كلية الشريعة، وخريج المعهد العالي للقضاء، ولاه الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله بعد تخرجه عضوية الإفتاء فكان ملازمًا له في حياته ثم ولاه رئاسة المحكمة الشرعية بالرياض، ثم بعد ذلك صار عضواً في الهيئة القضائية العليا، ثم صار عضواً في المجلس الأعلى للقضاء، ثم عينه الملك فهد رحمه الله رئاسة هذا المجلس واستمر في ذلك إلى أن تقاعد رسمياً، وكان محمود السيرة حازماً في جميع أعماله مسدداً في آرائه وأحكامه، ومع أعماله الرسمية الجليلة كان مشاركاً في برنامج نور على الدرب منذ أنشئ إلى جانب مشاركاته في الدعوة إلى الله بإلقاء المحاضرات وإلقاء الدروس في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد مع الإجابة على أسئلة المستفتين في كل مكان يوجد فيه".

أضاف الفوزان: "لم يذكروا في الشيخ ما يعاب ونتحداهم أن يأتوا بنص كلامه الذي أخذوه عليه، لأنهم لم يسوقوه بنصه ويناقشوه مناقشة علمية مع أنهم يدعون حرية الرأي والحوار الهادف واحترام المخالف ولكن لم نر من ذلك شيئاً في انتقادهم للشيخ لم نر إلا تركيزهم على تقاعد الشيخ الوظيفي كما يتقاعد غيره حيث اتهموه بأنه ينتصر لنفسه مع أن خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، قد أصدر قراراً حاسماً في منع الكلام في العلماء وتنقصهم فكأنهم يتحدون هذا القرار".

كذلك وصف الشيخ محمد النجيمي، عضو مجمع الفقه الإسلامي، العناوين الإعلامية التي تناولت الفتوى بأنها "غبية"، وهذه الفتوى بأنها "واضحة وجلية"، وكلام اللحيدان بأنه "علمي صحيح"، السبب الأول لخلفيته القضائية، فيما ذكر أن السبب الثاني هو أن اللحيدان حدد الذين يقصدهم وهم الذين ينشرون السحر ويروجون للفساد الأخلاقي ويثيرون الشهوات. مختتمًا: "هذه فتوى رائعة".

واتهم النجيمي "إيلاف" بعدم المهنية والسعي وراء الإثارة وخيانة الأمانة الصحافية. وفي حديث لموقع "الوئام" الالكتروني، وصف "إيلاف" بأنها "موقع ليبرالي نقل الفتوى بشكل غير علمي"، وكأن "الليبرالية" تهمة فيما الدعوة إلى القتل "نعمة".