تُعقد قمة الناتو في العاصمة الإسبانية مدريد هذا الأسبوع في وقت حرج من تاريخ الحلف العسكري الذي يمتد إلى 73 عاما، في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا الذي يوصف بأنه أكبر صدمة استراتيجية للغرب منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001.

ونظرا لأن حلف الناتو هو الحلف العسكري الوحيد القادر على الدفاع عن أوروبا ضد المزيد من العدوان الروسي، فهل لديه استراتيجية؟

كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد أعلن قبل ثلاث سنوات أن الناتو يعاني من "الموت دماغيا"، وعلى الرغم من ذلك فمنذ اللحظة الأولى التي عبرت فيها دبابات روسية الحدود إلى أوكرانيا، كان رد فعل دول الغرب ملفتا للنظر لوحدته وسرعته وقوته، كما أعيد تنشيط الحلف بهدف جديد، هو تعزيز الحدود والإمداد بالأسلحة.

وأعلن أمين عام الناتو، ينس ستولتنبرغ، عشية القمة في مدريد، ما سماه "تحولا جذريا في ردع الحلف ودفاعه"، وتعزيز قوته الدفاعية على حدوده الشرقية، وزيادة حجم قوة الرد السريع إلى ما يزيد على 300 ألف جندي.

ويواجه الحلف تحديات عديدة، من الحرب المختلطة إلى زعزعة استقرار منطقة البلقان إلى الهجمات الإلكترونية والتسلط العسكري على الفضاء وما يتعين عمله أمام القوة العسكرية المتنامية للصين.

وقال ستولتنبرغ، للمرة الأولى، إن قمة الناتو هذه ستناقش ما يسميه "التحديات التي تشكلها بكين لأمننا ومصالحنا وقيمنا".

وفيما يلي بعض أكثر القضايا أهمية التي من المحتمل طرحها للنقاش خلال الأسبوع الجاري.

1. تجنب التصعيد في حرب أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون قذيفة مدفعية إم 777 في منطقة دونيتسك
Reuters
دول أعضاء في الناتو ترسل مدفعية ثقيلة إلى أوكرانيا

يواجه الناتو عملية توازن، إذ يتألف الحلف العسكري الأقوى في العالم من 30 دولة، من بينها ثلاث دول لديها أسلحة نووية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا)، فالحلف لا يريد خوض حرب مع روسيا، وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد أنذر الغرب مرارا وتكرارا بأن لديه ترسانة نووية ضخمة، ويمكن لأي اشتباك على مستوى منخفض عبر الحدود أن يتنامى بسرعة ويخرج عن نطاق السيطرة.

لذا كان التحدي الأكبر خلال الأشهر الأربعة الماضية، ولا يزال حتى الآن، هو كيفية مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها ضد هذا الغزو غير المبرر، ودون الانجرار إلى ساحة القتال نفسها.

كما تخلصت دول الغرب من الموانع التي واجهتها مبكرا، والمتمثلة في عدم إثارة غضب موسكو إن أرسلت أسلحة ثقيلة إلى كييف، وذلك في ظل تداول تفاصيل مروعة عن ارتكاب جرائم حرب وفظائع روسية مزعومة، تدعمها بيانات الأقمار الصناعية.

وسوف يتعين على قمة مدريد تحديد مدى المساعدة العسكرية التي يمكن أن تقدمها دول الناتو وإلى أي مدى.

وتسيطر موسكو، في الوقت الراهن، على مدينة دونباس، المنطقة الناطقة بالروسية في شرقي أوكرانيا، وإن كان ذلك جاء بتكلفة هائلة من الأرواح والخسائر المادية الفادحة.

وتشير التوقعات إلى أن روسيا سوف تسعى إلى التمسك بهذه المكاسب الإقليمية، وربما تضمها إلى أراضيها بنفس الطريقة التي فعلتها مع شبه جزيرة القرم عام 2014.

وفي ظل غياب معاهدة سلام، سيواجه حلف الناتو معضلة جديدة لاحقا، وهي: هل يستمر في تسليح الأوكرانيين في إطار سعيهم إلى استعادة الأراضي التي تعتبرها موسكو الآن جزءا قانونيا من الاتحاد الروسي؟ وكان الكرملين قد أشار إلى أن ضرب أراض روسية بأسلحة غربية سيتجاوز الخط الأحمر، لذا فإن مخاطر التصعيد ستزداد بشكل كبير في هذه الحالة.

2. الحفاظ على وحدة أوكرانيا

قوات ألمانية من مجموعة القتال المعززة لحلف الناتو في ليتوانيا
Reuters
تقود ألمانيا الخط الأمامي لحلف الناتو في ليتوانيا

لو كانت روسيا هاجمت دونباس فقط دون غزو أوكرانيا بأكملها من ثلاث جهات، فربما لم نشهد مثل هذه الوحدة الاستثنائية في رد الفعل الغربي، إذ تفضي ست جولات من عقوبات الاتحاد الأوروبي إلى حدوث أضرار جسيمة بالاقتصاد الروسي، كما ألغت ألمانيا في الوقت الراهن خط أنابيب "نورد ستريم 2"، الذي يبلغ تكلفته مليارات، والذي كان ينقل الغاز الروسي إلى شمال ألمانيا.

بيد أن ثمة انقسامات في الحلف الغربي بشأن حجم العقوبات التي تطال روسيا وحجم المعاناة التي يمكن أن تتكبدها الاقتصادات الغربية. ومن المحتمل طرح ذلك في قمة مدريد، كما اتُهمت ألمانيا بالتباطؤ في تسليم أسلحة تعهدت بها، بينما رفضت المجر، بقيادة رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، الذي تربطه صلة وثيقة ببوتين، وقف شراء النفط الروسي.

وعلى الطرف الآخر فإن الدول التي تشعر بأنها تواجه تهديدا أكبر من جهة موسكو، وتحديدا بولندا ودول البلطيق، تمارس ضغوطا من أجل اتخاذ أشد الخطوات الممكنة فضلا عن تعزيزات إضافية من الناتو على حدودها.

3. تأمين دول البلطيق

تدريبات عسكرية للناتو في بولندا
Getty Images

ويمكن لهذه المنطقة أن تكون بؤرة ساخنة بين الناتو وروسيا. وكانت روسيا قد هددت خلال الشهر الجاري باتخاذ "إجراءات عملية مضادة" بعد أن رفضت ليتوانيا نقل بعض السلع، الخاضعة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي، عبر أراضيها في طريقها إلى منطقة كالينينغراد الروسية في البلطيق.

كما انتقدت رئيسة وزراء إستونيا، كايا كالاس، صراحة حلف الناتو لعدم استعداده لمواجهة غزو روسي عبر الحدود، فالإستراتيجية الحالية تركز على محاولة استعادة الأراضي الإستونية فقط إن غزتها روسيا بالفعل.

وأضافت: "يستطيعون محونا من على الخريطة".

وكانت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا ذات يوم جزءا تابعا للاتحاد السوفيتي، بدون إرادة تلك الدول، واليوم تتمتع باستقلالية وعضوية في الناتو، كما توجد أربع مجموعات قتالية متعددة الجنسيات تتمركز في هذه الدول الثلاث، جنبا إلى جنب مع بولندا، في إطار ما يعرف باسم الوجود الأمامي المعزز، وهي مجموعات تضم قوات من المملكة المتحدة في إستونيا ، ومن الولايات المتحدة الأمريكية في بولندا، ومن ألمانيا في ليتوانيا ومن كندا في لاتفيا.

وعلى الرغم من ذلك فإن واضعي الخطط في الناتو يعرفون جيدا أن هذه المجموعات القتالية لن تكون سوى شكل ضد الغزو الروسي في المستقبل، فهي أصغر من أن تمنع توغلا منسقا من جهة الجيش الروسي المعاد تشكيله. ويريد قادة دول البلطيق الآن على الأقل تقسيم قوات الناتو المتمركزة في كل دولة لتصبح بمثابة رادع جاد، وثمة احتمال أن يُطرح هذا الموضوع المثير للجدل في قمة مدريد.

4. السماح لفنلندا والسويد بالانضمام للحلف

قررت فنلندا والسويد، اللتان تأثرتا بشدة بالغزو الروسي الشامل لدولة ذات سيادة (أوكرانيا)، التخلي عن حيادهما العسكري والانضمام إلى حلف الناتو، ويرحب الحلف بهما، بيد أن الأمر ليس بهذه السهولة. فتركيا، العضوة منذ عام 1952، تمانع انضمامهما بحجة إيواء الدولتين انفصاليين أكراد تعتبرهم تركيا إرهابيين.

خريطة حلف الناتو
BBC

ونظرا لأن فنلندا والسويد مهمتان جدا بالنسبة للناتو، فسوف يجري بذل كافة الجهود من أجل إيجاد طريقة تفضي إلى التغلب على اعتراضات تركيا. وبمجرد انضمامهما، سيصبح بحر البلطيق من الناحية الفعلية "بحيرة للناتو"، تحدها ثماني دول أعضاء، مع نظام دفاع جوي مشترك ونظام صاروخي متكامل.

وبنظرة أعمق سيحتاج الناتو إلى تقرير ما إذا كان يعتزم قبول أعضاء جدد مثل جورجيا ومولدوفا، مع كل المخاطر المرتبطة باستفزاز الكرملين، المصاب بالفعل بجنون العظمة.

5. زيادة ملحة في الإنفاق الدفاعي

يتعين على أعضاء الناتو حاليا إنفاق اثنين في المئة من إجمالي ناتجهم المحلي السنوي على الدفاع، لكنهم لا يفعلون ذلك جميعا، إذ تُظهر أحدث بيانات معهد "ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" أنه في الوقت الذي أنفقت فيه الولايات المتحدة 3.5 في المئة على الدفاع وأنفقت بريطانيا 2.2 في المئة، أنفقت ألمانيا 1.3 في المئة فقط، بينما أنفقت إيطاليا وكندا وإسبانيا وهولندا أقل بكثير من اثنين في المئة، بيد أن روسيا أنفقت 4.1 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي على الدفاع.

وعندما كان دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، هدد بشكل صريح بانسحاب بلاده من الحلف إذا لم تف الدول الأعضاء الأخرى بنصيبها، وكان لهذا بعض التأثير، بيد أن غزو أوكرانيا عزز الخطى، فبعد ثلاثة أيام فقط من بداية الغزو، أعلنت ألمانيا أنها ستخصص 100 مليار يورو إضافية للدفاع، مع رفع نسبة مشاركتها في الناتو إلى ما يزيد على اثنين في المئة.

وأعلن أمين عام الناتو الأسبوع الجاري أن تسع دول من الدول الأعضاء الثلاثين حققت النسبة المطلوبة، وهي اثنين في المئة، أو تخطتها، في حين أن 19 دولة وضعت خططا واضحة لتحقيق الهدف بحلول عام 2024"، وأضاف ستولتنبرغ أن نسبة 2 في المئة "ينبغي أن تصبح البداية وليست الهدف النهائي".

جنود بريطانيون يشاركون في مناورة عسكرية للناتو
Reuters
جنود بريطانيون يشاركون في مناورة عسكرية للناتو

كما أجمع قادة عسكريون وخبراء في دول الغرب على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي بصورة عاجلة إذا لزم ردع روسيا عن شن المزيد من العدوان، بيد أن الخفض الدفاعي المتتالي على مدى العقود الأخيرة أثار تساؤلات بشأن ما إذا كان الناتو لا يزال لديه التكتل الكافي لردع أي توغل روسي في المستقبل.

وعلى الرغم من تعزيز المملكة المتحدة الإنفاق الدفاعي مؤخرا، حدث إهدار هائل أيضا في المشتريات. وتتألف القوة الحالية للجيش البريطاني من 82 ألف جندي، بما في ذلك أولئك الذين يتدربون، بيد أنه في أعقاب الخفض من المقرر أن يتراجع العدد إلى 72500 جندي، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن كل من روسيا والصين تتقدمان على الغرب في تطوير صواريخ تفوق سرعة الصوت، يمكنها الوصول إلى أهدافها بأكثر من خمسة أضعاف سرعة الصوت، ولا يمكن رصدها أثناء الطيران.

يأتي كل هذا في وقت يشهد ارتفاعا حادا في الأسعار العالمية للغذاء والوقود، في أعقاب وباء كورونا، كما تعاني ميزانيات الدول من ضغوط بالفعل، وقد يكون تخصيص المزيد من الأموال للدفاع أمرا غير مرغوب فيه محليا في ظل وجود مطالب أخرى ملحة تواجه الإنفاق الحكومي.

بيد أن القادة العسكريين يحذرون من أنه إذا لم يعزز الناتو أمنه الآن، فإن تكلفة المزيد من العدوان الروسي في المستقبل ستكون أكثر فداحة بلا حدود.