المشهد في بيروت يبدو طبيعياً. روتين الحياة اليومي مستمرّ، المتاجر مفتوحة، والطرقات مزدحمة بمن خرجوا صباحاً إلى أعمالهم.

مساحة لبنان الجغرافية صغيرة، لذلك لا تبعد عاصمته عن حدوده الجنوبية سوى مسافة ثلاث ساعات تقريباً.

ورغم قصر المسافة، لا تبدو بيروت متأثرة بما يجري في جنوب لبنان.

لكن ما إن تتجه جنوباً وتبتعد نحو الحدود، تبدأ ملامح الحياة بالاختفاء تدريجياً، وتنعدم مع بلوغ القرى الأمامية على خط المواجهة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي.

الحياة شبه معدومة في تلك القرى، ونزح قسم كبير من السكان إلى مناطق أخرى في الجنوب أو العاصمة. وتعرّض عدد كبير من المنازل لدمار كامل أو لأضرار جسيمة.

ويشهد جنوب لبنان تصعيداً تدريجياً بشكل يومي، منذ بداية الحرب في غزّة.

بعد مرور يوم واحد على هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، بادر حزب الله إلى ضرب مواقع للجيش الإسرائيلي في مزارع شبعا - وهي أراض تصنفها الدولة اللبنانية محتلة من قبل إسرائيل.

وأعلن الحزب أنّ تلك الضربة أتت مناصرة ومساندة لغزة.

ردّت إسرائيل بقصف مدفعي على قرى جنوبية، وقابل الحزب ردّها بردّ آخر، ودخل الجانبان في جولة عسكرية جديدة.

لكن الأمور بدأت تتخذ اتجاهاً تصعيدياً مع مرور الأيام والأسابيع، ومع تخطي الحرب الشهر الخامس.

الجيش الإسرائيلي يقول إنه يستهدف قيادات ومقاتلي ومواقع حزب الله العسكرية.

والحزب يعلن يومياً عن عمليات قصف ثكنات الجيش الإسرائيلي واستهداف جنوده وآلياته وأجهزة المراقبة، والردّ على استهداف المنازل والمدنيين في لبنان بالمثل.

وكان عدد النازحين قد بلغ نحو 20 ألفاً في نوفمبر/تشرين الثاني، بعد مرور شهر واحد على بداية الاشتباكات وفق ما نقلت وسائل إعلام لبنانية.

وأفاد تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة في 5 يناير/كانون الثاني، أنّ التصعيد عبر الحدود بين إسرائيل ولبنان أدى إلى نزوح نحو 76 ألف شخص من جنوب لبنان.

ومنذ بدء التصعيد، قتل 248 شخصاً بينهم 177 عنصراً من حزب الله و33 مدنياً، ضمنهم ثلاثة صحافيين، وفق حصيلة جمعتها وكالة فرانس برس. وفي إسرائيل، أحصى الجيش مقتل عشرة جنود وستة مدنيين.

قرية الخيام جنوب لبنان
EPA
قرية الخيام جنوب لبنان

"حتى آخر نفس"

الحياة شبه معدومة في قرية الخيام الجنوبية، الشوارع خالية من سيارات المارة، وأغلب المنازل هُجرت من سكانها.

احتلّ الجيش الإسرائيلي هذه القرية أكثر من 20 عاماً، حتى انسحابه من الجنوب اللبناني – باستثناء مزارع شبعا والغجر – عام 2000.

وأقام فيها "معتقل الخيام" الشهير الذي تحوّل إلى سجن شاهد على قصص المعتقلين بداخله، حتى تدميره نتيجة الغارات الجوية خلال حرب عام 2006.

لم يغادر علي الشيخ علي قريته، كما فعل آخرون من أبناء الخيام. مكث الشابّ الثلاثيني وحده، في الصيدلية التي يديرها داخل القرية. واصل استقبال من يحتاج الدواء أو العلاج من أهالي الخيام أو القرى المجاورة.

شهدت الخيام تكثيفاً للغارات في الأسبوع الثاني من شباط/فبراير. اضطرت الشابتان اللتان تعملان مع علي في الصيدلية لمغادرة القرية. يقول إنّهما لا تخافان، لكنّ عائلتيهما فضّلتا الانتقال إلى النبطية – المحافظة الجنوبية على بعد نحو 70 كلم من العاصمة.

يقول علي في اتصال مع بي بي سي نيوز عربي، إنه كان يستقبل الناس حتى منتصف الليل. لكنه يعمل بمفرده الآن ويبقى حتى التاسعة مساءً.

عند سؤاله عن سبب بقائه يجيب: "أعمل في مهنة إنسانية، يجب توفير الدواء لمن يحتاجه، ولو بقي شخص واحد في القرية".

لم يغادر جميع السكان وفق ما قال. "الشوارع الخالية تعطيك انطباعاً بأنّ القرية خالية من سكّانها. لكنهم يبقون في المنازل ولا يخرجون".

يخبرنا أن نحو ربع سكان القرية تقريباً ما زالوا مقيمين فيها.

تضرّر منزل علي بشدّة بسبب قصف طال منازل بجواره، فبات ينام في منزل جدّه.

كان طفلاً عام 2000، حين انسحبت إسرائيل من قريته ومن الجنوب، بعد احتلال دام أكثر من 20 عاماً.

يتذكّر علي أنّ أكثر لحظاته فرحاً كانت حين علم أنه لن يضطر للوقوف على حواجز مجدداً في الطريق إلى قريته.

كان علي يعيش في بيروت كحال العديد من الجنوبيين الذين غادروا قراهم في سنوات الاحتلال. كان حينها يُسمح للنساء ومن هم تحت سنّ التجنيد بالدخول والخروج إلى القرى بعد الحصول على تصاريح خاصة.

إلا أنّه رغم نزوح عدد كبير من السكان ورغم الدمار الذي طال عدداً من المنازل، لا يبدو هاجس التهجير من جديد، حاضراً في ذهن علي.

قال إنّه اتخذ قراره بالبقاء في القرية "حتى آخر نفس" وإنّ هناك كثيرون مثله. "لا نخاف ولو اتسعت رقعة الحرب".

وأضاف أنّ كثراً غادروا ليس "لأنهم خائفين على حياتهم، بل لأنّ لديهم أطفالاً".

غارة جوية على بلدة طير حرفا جنوب لبنان
Getty Images

"اعتدنا صوت الغارات"

يتحدّث علي عن تصاعد الاشتباكات خلال الشهر الماضي، إذ كان القصف الإسرائيلي يقتصر على قذائف لا تحدث أضراراً كبيرة في البداية، "لكنّ مع بدء الغارات الجوية، باتت الشظايا تصل إلى أماكن لا يتخيلها أحد".

ويتابع قائلاً: "لكننا نزيل الشظايا في اليوم التالي ونكمل حياتنا بشكل طبيعي. نعلم أنّ المنازل التي دُمّرت سيُعاد بناؤها لاحقاً. لدينا تجربة سابقة من حرب تموز".

ويضيف: "لم يعد هناك رهبة للقصف. اعتدنا صوت الغارات. كنت في البداية أصُمُّ أذني عند سماع صوت الصاروخ أثناء سقوطه. في المرة الأخيرة، أغارت طائرة داخل القرية ولم أضطر لسدّ أذني".

يقضي علي يومه في الصيدلية، يشاهد الأخبار ويعمل على تنظيم الفواتير. لا يشعر بالملل بحسب قوله. يقصد الصيدلية أشخاص من القرى المجاورة.

هناك أماكن أخرى تفتح أبوابها أيضاً، منها مطعم، ودكّان. يعرف الناس الطرقات التي يجب تجنبها، وأي جهة من القرية تتعرض أكثر من أخرى للقصف.

ورغم ذلك يقول علي إنّ هناك شعور بأنّ لا مكان آمن، خصوصاً أن الطائرات الإسرائيلية تحلّق على علو منخفض.

يقول إن جهة من القرية تعرّضت لقصف بقنابل فوسفورية. وكانت منظمة العفو الدولية قالت في تقرير صدر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف مدفعية تحتوي على الفسفور الأبيض، خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان.

يخبرنا علي إنّ الناس يعودون إلى القرية حين تخفّ وتيرة القصف لتفقد منازلهم أو للبقاء فيها، لكنّهم يغادرون فوراً بعد أن تعاود إسرائيل رمي القذائف الفوسفورية.

أطفال يلعبون في قرية الخيام
EPA
اشتدت وتيرة القصف على جنوب لبنان في ظلّ استمرار الاشتباكات بين حزب الله والجيش الإسرائيلي

"قلنا لأنفسنا ربّما أسبوع أو اثنين"

ماجد (اسم مستعار) ابن قرية الخيام، يسكن ويعمل في بيروت، بينما تسكن عائلته في القرية حيث تدير زوجته نور (اسم مستعار)، طبيبة الأطفال، عيادتها الخاصة.

مثل آخرين من أبناء القرية، قررت العائلة المغادرة بعد تصاعد وتيرة القصف واشتداد حدّة الأصوات.

لدى نور وماجد طفلتان تبلغان من العمر ثماني سنوات، وثمانية شهور.

تقول نور إنها وماجد قرّرا المغادرة لأنّ الطفلتين لا تتحملان سماع أصوات القصف والدوّي.

مكثت العائلة فترة في منزلها في بيروت. ولاحقاً انتقلت نور والطفلتان وأفراد آخرون من العائلة للإقامة بالإيجار في قرية كفررمّان في محافظة النبطية الجنوبية، البعيدة عن الخيام نحو 24 كلم.

تقول نور: "في الفترة الأولى ذهبت إلى بيروت، وبقيت في البيت فترة. لكننا لم نكن نعلم كم ستطول المدة، قلنا لأنفسنا ربما أسبوع أو اثنين".

وتتابع: "لكنّ الحرب استمرت، وأنا لدي عمل في مستشفى في النبطية. وكنت أؤجل مهامي إلى أن قلت لنفسي إنّ الوقت قد حان للعودة إلى العمل".

محاولات تأقلم

تحاول نور تقبّل الوضع الجديد بصعوبة. "لا أحد يمكنه وصف شعوره، خليط من الأحاسيس، تستوعب الأمر أحياناً وأحياناً لا تصدق. أقول كي أواسي نفسي، أنني سأفترض أنّ كارثة طبيعية حدثت".

تركت نور عيادتها، وهي العيادة الوحيدة التي تختص برعاية الأطفال حديثي الولادة، في الخيام، وانتقلت ابنتها إلى مدرسة جديدة مؤقتاً.

يقول ماجد إنّ هذا الوضع يطال أغلب الأهالي في القرية الذي نزحوا وتركوا أعمالهم ومدارس أولادهم. لكنّ المدّة طالت واضطر بعضهم إلى استئجار شقق في مناطق أخرى، وحاولوا نقل أعمالهم وبضائعهم إليها، كي لا يخسروا مصادر رزقهم.

تشير زوجته إلى أنهما هنا يتكلمان عمّن لم يتضرروا بشدّة، إذ أن الأسوأ أصاب الناس "الذين انتقلوا من منزل إلى آخر، والذين لا يستطيعون تحمّل مصاريف الإيجارات".

وينتقل ماجد للحديث عن تكاليف الكهرباء البديلة التي يوفرها أصحاب المولدات الخاصة، بدلاً عن كهرباء الدولة، وتكاليف شراء المياه.

فمناطق لبنان تعاني انقطاعاً حادّاً في الكهرباء منذ بدء الأزمة الاقتصادية.

وتوفر الدولة الطاقة في أحسن الأحوال، ست ساعات في اليوم. الأمر ذاته يطال شبكات توزيع المياه التي تتأثر بشحّ الطاقة أيضاً.

لكنّ بعكس المتوقع، فإنّ القرية الواقعة في منطقة تشهد اشتباكات ضارية منذ أشهر، لا تغيب عنها الكهرباء تقريباً، كما هو الحال في العاصمة والمناطق الأخرى منذ بداية الأزمة الاقتصادية، وفق ما قال علي مدير الصيدلية في الخيام.

وأكّد علي الشيخ أنّ الكهرباء حاضرة 24 ساعة تقريباً، وعند حدوث أعطال كما حدث لشبكة الكهرباء نتيجة الأمطار، تمّ تأمين البديل.

وكذلك المياه، تعرضت شبكتها لأضرار نتيجة القصف وأُصلحت بسرعة، وفق رواية علي.

"دَبَعَتْ!"

وجدت نور عيادة تستطيع أن تشغلها جزئياً، واستعادت بعض مرضاها الذين نزحوا إلى قرى قريبة.

انتقال نور للعمل في العيادة الجديدة، كشف لها التغيير الذي طرأ على سلوك أطفال غيّروا أمكان إقامتهم، بما في ذلك مكان اللعب والمنامة والمدرسة والأصدقاء.

هذا التغيير رصدته نور أيضاً على سلوك ابنتيها في المنزل الجديد.

لكنّ الأسباب لا تقتصر على تغيير المكان والمدرسة والمنزل فحسب، بل باتت أصوات الغارات الجوية تقترب من قرى الداخل الجنوبي وتصل إلى مسمع الطفلتين.

وقد طال القصف الإسرائيلي مؤخراً النبطية، وأدّت غارة جوية في 14 شباط/فبراير إلى مقتل عائلة .

خلال اتصال بي بي سي نيوز عربي بالعائلة والحديث عن تأثّر الطفلتين بأصوات الغارات، دوى صوت انفجارين سمعه ماجد وقطع الحديث ليخبرنا أنّها على الأرجح غارة جديدة.

تحرّكت زوجته سريعاً لتهدئة الطفلتين. قال ماجد إنهما تركتا ألعابهما في الغرفة وهرعتا نحو الأمّ.

"دَبَعَت" هي الكلمة الأكثر شيوعاً منذ بدء الحرب، هذه العبارة الجنوبية المحلية ترمز إلى صوت ارتطام أو سقوط الصاروخ.

بدأ الأولاد يرددونها خلف أهلهم عند سماع أي غارة جوّية.

تقول نور إنها تحاول تهدئة الطفلتين بعد سماع صوت القصف، فعادة ما تصرخان أو تبكيان وأحياناً تبقيان في حالة صدمة لدقائق.

ماجد متعلق كثيراً بقريته، قبل الحرب والنزوح، كان يستغل كل يوم عطلة لقضائه في الخيام. قال إنّ قريته هي عالمه الذي يحب أن يقضي وقته فيه، المكان الذي يقصده للراحة والابتعاد عن الهموم.

عرف ماجد قريته في أكثر من مرحلة، كان ينتظر عطلة الصيف ليزورها في طفولته مع عائلته خلال الاحتلال الإسرائيلي (1978 – 2000).

يتذكر كيف كانت تقفل القرية على نفسها عند السابعة مساء، ويصبح ممنوعاً الدخول والخروج إليها. ويتذكرها بعد التحرير حين كان بإمكانه أن يقصدها وقتما يشاء حتى في ساعات الفجر.

لكنه اليوم يشعر بحزن حين يزور القرية ويرى شوارعها ومنازلها خالية.

يتحدث عن وضع مختلف تماماً، لا يستطيع أن يقصد قريته ومنزله ساعة يشاء، وحتماً لا يستطيع دخولها ليلاً. يقول: "عليك أن تنجز زيارتك وكل ما أتيت من أجله خلال ساعة واحدة، والأفضل أن تزورها قبل منتصف النهار".

هذه عادة يواظب عليها منذ اندلاع الحرب، ومغادرة عائلته، يقصد قريته أسبوعياً لتفقدها، وتفقد منزله وإحضار ما تحتاجه العائلة.

ورغم الخطر، يقول ماجد إنه مضطر لفعل ذلك لا سيما بعد تعرّض منزله لأضرار وهطول الأمطار.

في اليوم الذي تحدثنا فيه إلى ماجد، قصد قريته صباحاً لتفقد منزله.

عند مغادرته تلقى رسالة صوتية من طفلته البكر تطلب منه إحضار إحدى ألعابها من المنزل.

عاد ماجد وعندما ركن سيارته أمام المنزل دوى صوت غارة قوي. انتظر لحظات محاولاً الاستفسار عن مكان الغارة، ثمّ أحضر لعبة ابنته وغادر مسرعاً.

المزيد حول هذه القصة