قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مكرم محمد أحمد

فرغ الوقتrlm;,rlm; ولم يعد هناك فرصة للبكاء علي اللبن المسكوبrlm;,rlm; فبعد أسابيع محدودة يحل موعد الاستفتاء علي حق تقرير المصير لسكان جنوب السودانrlm;,rlm; في التاسع من يناير المقبلrlm;.

الذي سوف يكون في الأغلب مجرد تاريخ لإشهار انفصال الجنوب عن الشمالrlm;,rlm; الذي أصبح حقيقة تفرض نفسها علي أرض الواقع منذ الانتخابات السودانية التي جرت في أبريل العام الماضيrlm;,rlm; وكرست سيطرة حزب المؤتمر المنفردة علي الشمالrlm;,rlm; كما كرست سيطرة الجبهة الشعبية المنفردة علي حكم الجنوبrlm;,rlm; بعد أن فشل الجميعrlm;,rlm; عمداrlm;,rlm; في أن يجعلوا من وحدة السودان عنصرا جاذبا لسكان الجنوبrlm;!.rlm;
منذ هذا التاريخ تواري خيار الوحدةrlm;,rlm; وأصبح الانفصال أمرا واقعاrlm;,rlm; وها نحن نشهد الآن رحيل أو ترحيل آلاف الجنوبيين من الشمال الي الجنوب علي نحو جماعيrlm;,rlm; حيث يوجد في الشمال ما يقرب منrlm;2rlm; مليون من أبناء الجنوبrlm;,rlm; بينهم الآلاف الذين ولدوا وعاشوا ودرسوا وعملوا هناك طول حياتهمrlm;,rlm; لكنهم يضطرون الي الرحيل الي الجنوب الآن كي يسجلوا أسماءهم في قوائم الاستفتاء في قراهم الأصلية بعد أن رفضت حكومة الجنوب أن يتم استفتاؤهم في الشمالrlm;,rlm; وأكدت حكومة الشمالrlm;,rlm; علي الجانب الآخرrlm;,rlm; أنها سوف تمتنع بعد الاستفتاء عن تقديم أي خدمات لهم حتي إن تكن حقنة دواءrlm;,rlm; يرحلون في مشهد مأساوي لا يؤكد فقط أن الانفصال واقع لا محالةrlm;,rlm; ولكنه ينذر بخطورة تدهور الأوضاع بين الشمال والجنوب الي حدود الصدام الأهليrlm;,rlm; ويجعل من حدث الانفصال بداية لمرحلة من العداء بين الدولتين السودانيتينrlm;,rlm; برغم كثير من الوشائج والمصالح والروابط المشتركة التي تفرض عليهما أن يكون انفصالهما بالمعروفrlm;,rlm; يحافظ قدر الإمكان علي علاقات طيبة بين سكان الشمال وسكان الجنوب الذين لايزالون يحملون جنسية السودان الواحدةrlm;,rlm; دلالة علي هوية مشتركة يصعب تبديلهاrlm;,rlm; ويرتبطون معا بمشكلات عديدة معلقة تتعلق بالحدود والبترول وحركة القبائل شمالا وجنوبا التي يصعب تقييدها وقضايا الدين والعلاقات مع العالم الخارجيrlm;,rlm; وجميعها يتطلب تسويات سلمية ناجحة يضمن تنفيذها آليات عمل صحيحة تحقق مصالحهما المشتركةrlm;,rlm; تعذر الاتفاق عليها بين الجانبين قبل أن يحل موعد الاستفتاء الذي اعتبره الجنوبيون تاريخا مقدسا ينبغي الوفاء به مهما يكن حجم هذه المشكلاتrlm;.rlm;
ومع الأسفrlm;,rlm; فإن صيغة الاستفتاء علي حق تقرير المصير التي سوف يجري العمل بها يومrlm;9rlm; يناير المقبلrlm;,rlm; لا تحمل خيارا ثالثا سوي الانفصال أو الوحدةrlm;,rlm; ولا تضع في حسابها تداخل المصالح المشتركة التي كان يمكن أن يضمن تواصلها صيغة ثالثة تحافظ علي السودان موحداrlm;,rlm; وتدعو الي الكونفيدرالية بين دولتين شقيقتينrlm;.rlm;
وأظن أن هذه الصيغة كانت مقصودة لذاتهاrlm;,rlm; أصر عليها الجنوبيون الذين اعتبروا الانفصال غايتهم الأخيرةrlm;,rlm; خاصة بعد مقتل جون قرنق زعيم الحركة الشعبيةrlm;,rlm; يساندهم في ذلك الأمريكيون وغالبية دول الاتحاد الأوروبي الذين كانوا أكثر الجميع حماسا لتقطيع أوصال السودانrlm;,rlm; وفصل شماله عن جنوبه علي نحو يقطع كل الوشائج ويضع خطوطا فاصلة بين الشمال بهويته العربية والعمق الإفريقي بهويته الزنجيةrlm;,rlm; ومع الأسف لقيت هذه الصيغة قبولا إن لم يكن ترحيبا من الشماليينrlm;,rlm; حكام الخرطوم في فترة حكم البشير ـ الترابي الذين اعتبروا الجنوب عبئا علي الشمال يعطل وجوده فرصة قيام الدولة الإسلاميةrlm;.rlm;
وقد يكون الوقت مبكرا لمحاكمة الظروف التاريخية التي جعلت الانفصال هو الخيار الوحيد المتاح أمام الجنوبيينrlm;,rlm; لكن ما من شك في أن الجانب الأكبر من المسئولية يتحملها نظام حكم البشير ـ الترابي بفكره العقائدي الذي اعتبر الحرب مع الجنوب جهادا يفرضه الدين كي تصبح الشريعة هوية الدولة الإسلامية في السودانrlm;,rlm; متجاهلا ضرورات التنوع الثقافي والديني والعرقي في أكبر دولة إفريقية وأحقية الجنوبيين في أن يكونوا جزءا من هوية السودان الإفريقيrlm;.rlm;
صحيح أن الانجليز زرعوا بذور الفتنة بين شمال السودان وجنوبه في بداية القرن الماضيrlm;,rlm; لكن التفاف غالبية الجنوبيين حول حق تقرير المصير للجنوب تم في فترة جد متأخرةrlm;,rlm; عندما شعروا أن الاختيار العقائدي لنظام حكم البشير ـ الترابي يصادر علي حقوقهم في المواطنة الكاملةrlm;,rlm; ويهمش هويتهم الإفريقيةrlm;,rlm; وفي كل الأدبيات التي صدرت عن الزعيم الجنوبي جون قرنق عندما قاد حركة تمرده الأولي تحت اسم انيانا واحدrlm;,rlm; كان الهدف المعلن للحركة الشعبية هو التوافق علي حكم ديمقراطي يساوي في الحقوق والواجبات لكل المواطنين بصرف النظر عن اللون أو الجنس أو العرق أو الدينrlm;,rlm; ويحترم حق التنوعrlm;,rlm; ويفصل بين الدين والدولةrlm;,rlm; ويلتزم المعايير الدولية لحقوق الإنسانrlm;,rlm; ويؤمن بالسودان بلدا إفريقيا في هويته يتواصل مع الشمال العربي والعمق الإفريقي الزنجيrlm;,rlm; لكن ما من شك أيضا في أن جميع القوي السياسية في السودان تتحمل جانبا من مسئولية الانفصالrlm;,rlm; لأن الجميع رحبوا بحق تقرير المصير دون تحفظ علي أمل أن الوحدة سوف تكون خيار الجنوبيين عند الاستفتاء وأن الفترة الانتقالية ما بين توقيع اتفاق نيفاشا وإجراء الاستفتاء التي تطول الي ستة أعوام سوف تكون كافية لمداواة جروح الحرب الأهلية وجعل خيار الوحدة الأفضل بالنسبة للجنوبيينrlm;,rlm; وفي هذه الفترة القلقة كانت مصر وحدها هي التي تعارض حق تقرير المصير للجنوب خشية أن يؤدي الي انفصالهrlm;.rlm;
وبدلا من أن تكون الفترة الانتقالية فترة تواصل وحوار بين شريكي الحكمrlm;,rlm; المؤتمر والجبهة الشعبيةrlm;,rlm; لإقرار نظام جديد لحكم السودان يلتزم معايير الديمقراطية الصحيحة يتوافق عليه كل الأطراف السودانية في الشمال والجنوبrlm;,rlm; تحولت السنوات الست الي فترة استقطاب حادrlm;,rlm; الشمال تحكمه الشريعة والجنوب يحكمه نظام علماني طبقا لبروتوكول ماشا كوسrlm;,rlm; والاثنان يقتسمان عائدات البترول مناصفةrlm;,rlm; وينفقان الجزء الأكبر منها علي تسليح قواتهما المسلحةrlm;,rlm; والمعارضة مهمشة هنا وهناكrlm;,rlm; وزاد من حدة الاستقطاب توجهات رئيس حكومة الجنوب سلفا كير الذي لم يعد يخفي انحيازه العلني الي انفصال الجنوب مطالبا الأمم المتحدة بإنشاء منطقة عازلة بين الجانبينrlm;,rlm; في الوقت الذي بقيت فيه مشكلات ترسيم الحدود وقسمة الدين والخلافات حول منطقة أبيي عالقة دون حلrlm;.rlm;
ولأن معظم التوقعات تؤكد أن الاستفتاء سوف يتم في موعده لأن البديل هو تجدد الحرب الأهلية وإخضاع السودان لمزيد من العقوبات الدوليةrlm;,rlm; وأن الانفصال واقع لا محالةrlm;,rlm; تتركز معظم المخاوف حول الاحتمالات المتزايدة في أن يأتي الانفصال وسط أحداث عنف تدمر وشائج المصالح المشتركة بين الجنوب والشمالrlm;,rlm; وتزيد الأوضاع في شمال السودان سوءاrlm;,rlm; وتعرقل فرص الوصول الي تسوية سلمية لمشكلات دارفور وتجعل الانفصال هدفا لحركات التمرد في المناطق المهمشةrlm;,rlm; بحيث يمضي السودان الي المزيد من العنف ويتعرض لمخاطر المزيد من التفتتrlm;,rlm; ويغرقrlm;,rlm; لا قدراللهrlm;,rlm; وسط أحداث الفوضي والعنفrlm;,rlm; وهو أمر يمس دون شك مصالح مصر العليا ويشكل خطرا حالا علي أمنها الوطنيrlm;,rlm; يتطلب رؤية مصرية سودانية أكثر قدرة علي تأمين مصالح البلدين الاستراتيجية تضع في اعتبارها عاملين أساسيينrlm;,rlm; أولهما الحيلولة دون مزيد من التدهور في أوضاع شمال السودان ومساعدته علي ترميم جبهته الداخلية كي يتمكن من الصمود في وجه تحديات عاصفة مقبلةrlm;,rlm; وثانيهما العمل علي تخفيف حدة التوتر الراهن في علاقات شمال السودان وجنوبهrlm;,rlm; وتهيئة فرص الحوار بين الجانبين في مناخ صحي يعزز مصالحهما المشتركةrlm;,rlm; ويمكنهما من إنجاز آلية واضحة لحل مشكلاتهما المعلقةrlm;,rlm; وتلك مهام ضرورية وحتمية ينبغي أن تنهض بها مصر حفاظا علي أمنها الوطنيrlm;.rlm;
وفي الخرطومrlm;,rlm; تتزايد الدعوات الآن الي ضرورة العمل من أجل ربط السودان ومصر بأي من أشكال الوحدة حتي إن تكن وحدة كونفيدراليةrlm;,rlm; حفاظا علي أمن السودان من مؤامرة دولية واسعة تستهدف تفتيته كما تستهدف حصار مصر من الجنوب لاتزال مستمرةrlm;,rlm; وتلقي هذه الدعوات قبولا متزايدا داخل دوائر حزبي الاتحاد والأمة ووسط عدد من قيادات المجتمع السودانيrlm;,rlm; بينهم الشريف صديق الهندي الاتحادي البارزrlm;,rlm; والمهندس عبدالله مسار أحد قيادات حزب الأمةrlm;,rlm; والصحفي اللامع مصطفي أبوالعزايم الذي كان أول من أطلق هذه الصيحة صبيحة يوم العيد تجاوبا مع مقال مهم نشره الدكتور عبدالمنعم سعيد في الأهرام تحت عنوان نظرة أخري علي المسألة السودانيةrlm;,rlm; يدعوفيه الي التفكير في حلول مبتكرة لما يواجه أمن مصر والسودانrlm;,rlm; اذا ما حدث انفصال الجنوب عن الشمالrlm;,rlm; ولست أشك في أن هذه الدعوة يمكن أن تجد أصداء طيبة في مصر التي ينتابها قلق عميق علي مستقبل السودان وأمنها الوطني والمائي في الجنوبrlm;,rlm; خاصة أن الجيل الذي عايش فكرة وحدة وادي النيل وتحمس لها كثيرا واعتبر الوحدة مع السودان هي أكثر صور الوحدة واقعية وحتمية ومصداقية يمسك بمفاتيح مواقع عديدة مؤثرة داخل مؤسسات الدولة والإعلام وبين قوي الأحزاب المختلفةrlm;,rlm; لكن تحويل فكرة لامعة تظهر في ظروف عاصفة صعبة الي مشروع سياسي شعبي ناجحrlm;,rlm; تتبناه المؤسسات الشعبية والحزبية في البلدين يتطلب قدرا كبيرا من صراحة الحوار والمواجهة علي جميع المستويات في البلدينrlm;,rlm; خاصة مع وجود اختلاف كبير في توجهات الحكم في البلدينrlm;,rlm; والالتباس الواضح في علاقة الدولة بالدين داخل حزب المؤتمرrlm;,rlm; فضلا عن المواقف المتغايرة لقوي دولية وإقليميةrlm;,rlm; بعيدة وقريبةrlm;,rlm; قد لا تتحمس كثيرا لأن يصل التقارب بين مصر والسودان الي أي شكل من أشكال الوحدةrlm;,rlm; إلا أن تصبح الوحدة مطلبا شعبيا جارفا في البلدينrlm;,rlm; يهيئ لها أسسا وقواعد صحيحة تبدأ من القاعدة وصولا الي القمة وليس العكسrlm;,rlm; حيث المصالح المشتركة للشعبين وتلتزم التدرج من التنسيق الي التعاون والتكامل وصولا الي الوحدةrlm;,rlm; وتنهض علي عمل مؤسسي شفاف تراقبه المجالس الشعبية للبلدينrlm;,rlm; لكن أيا تكن المصاعب التي تواجه هذا المشروع السياسي الشعبي والتحديات التي يفرضها عدم حماس قوي دولية عديدة لهذا المشروعrlm;,rlm; فإن الهدف صحيح حتي إن تكن الوحدة مجرد كونفيدرالية تحصن السودان من أخطار التفتتrlm;,rlm; وتحفظ لمصر عمقها الاستراتيجي وتواصلها مع العمق الإفريقيrlm;,rlm; وتغري جنوب السودان علي المحافظة علي روابطه مع الوطن الأمrlm;.{rlm;