قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حسان حيدر

لا يختلف اثنان في أن لبنان هو البلد الأكثر تأثراً بما يجري في سورية، سلباً وإيجاباً، مثلما هي حاله منذ قيام نظام الأسد في دمشق وطموحه الدائم، في السر والعلن، إلى إخضاع جاره الصغير وإلحاقه بسياساته وتحالفاته، ودفع بيروت إلى التماهي مع معاييره ابتداء بالتفاصيل البسيطة ووصولاً إلى المفاهيم السياسية العامة، وما بينهما من أمن وسيادة واقتصاد.

ولم يتغير هذا السلوك خلال الأزمة المصيرية التي يمر بها النظام السوري، بل إن حاجته إلى حلفائه وأزلامه اللبنانيين ازدادت لإظهار انه ليس وحيداً ومعزولاً في صراعه للبقاء، فراح يحرك هؤلاء ويقوّلهم ما ينسجم مع دفاعه عن بطشه ورفضه النزول عند رغبة مواطنيه الجامحة في التغيير، تارة عبر التهديد بأن سقوطه سيعني انهياراً إقليمياً واسعاً لن ينجو منه لبنان، وطوراً عبر إلصاق تهمة التطرف والإرهاب بالمحتجين.

لكن هذا الاستخدام القديم والمتجدد لـ laquo;التابعraquo; اللبناني لم يثر لدى المعارضة السورية حتى الآن أي موقف من قضية العلاقة بلبنان وتفرعاتها، باستثناء ما نقل عن رئيس المجلس الوطني برهان غليون بأنه سيعمد بعد انتصار الثورة السورية إلى قطع العلاقة مع laquo;حزب اللهraquo; وإيران بسبب دفاعهما عن نظام بشار الأسد ومده بوسائل القمع. لكن هذا الموقف يبقى في إطار رد الفعل على ظرف محدد ولا ينم عن سياسة بعيدة الأمد.

وليس من الافتراضي على الإطلاق سؤال المعارضة السورية، باختلاف فصائلها، عن موقف واضح من مستقبل العلاقة مع لبنان، ذلك أن النظام السوري بات في حكم الساقط، وقد تستغرق المسألة أسابيع أو أشهراً قليلة، لكن مصيره صار محسوماً ولن تغير فيه التصريحات المتفائلة التي تنفرد بها أبواقه اللبنانية والمواعيد التي تضربها لخروجه laquo;سالماًraquo;.

وليس من المبكر القول إننا لم نسمع من المعارضة السورية قولاً حاسماً في استقلال لبنان والاعتراف بحدوده وبكيانه وطناً نهائياً لأبنائه، بما يقطع تماماً مع السلوك السوري القائم منذ أربعة عقود وما جره من تبعات مأسوية على لبنان، وبما يعطي اللبنانيين الأمل باحتمال تخلصهم الناجز من كابوس الوصاية على نظامهم وسياساتهم ومؤسساتهم الدستورية، والتدخل في شؤونهم الكبيرة والصغيرة، وطي صفحة الاغتيالات السياسية والتفجيرات الأمنية بالواسطة، ووقف التعامل مع سياسييهم كأنهم دمى تحركها دمشق متى شاءت وكيفما شاءت.

يريد اللبنانيون، أو على الأقل الغالبية العظمى منهم، أن يسمعوا كلاماً مطمئناً بأنه لن يتم استبدال وصاية بأخرى أو اتباعاً بآخرين، وأن لبنان سيترك لشأنه ليقرر أبناؤه ما يريدون لوطنهم، وأن التحالفات العابرة للحدود ستتوقف، والتسليح العابر للحدود سينتهي إلى غير رجعة، وأن بإمكان الدولة اللبنانية ترسيم حدودها النهائية ورسم سياساتها المستقلة من دون تهديد ولا وعيد.

سيكون على المعارضة السورية إثبات أنها تقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين حتى لو كانت تلقى تأييد قسم منهم حالياً، وأنها قادرة على تخطي laquo;المزاج الشعبيraquo; السوري النازع إلى التقليل من شأن لبنان المستقل. وسيكون مفهوماً أن بعض اللبنانيين ممن اعتادوا سلوك طريق الشام سيشعرون باليتم عندما تتغير سورية، وسيسعون إلى تعويض laquo;خسارتهمraquo; بإثارة الضجيج وربما اكثر، لكن الأكيد انهم لن يستطيعوا إعادة الزمن إلى الوراء.