قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مأمون كيوان

يسوق منذ عقود من الزمن حل سحري للقضية الفلسطينية يدعى حل الدولتين، بوصفه خياراً وحيداً. وذلك على خلفية التسليم باستحالة تنفيذ خيار الدولة الواحدة في "فلسطين الانتدابية" سواء سميت "فلسطائيل" أم "إسراطين".
ويعني حل دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيلية عودة لاستحضار قرار تقسيم فلسطين الشهير، أي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الذي أقرته الجمعية العامة بتاريخ 29 نوفمبر1947 بأغلبية 33 صوتاً ضد 13 وامتناع 10 أعضاء عن التصويت. 
وقد اشتمل القرار 181 على مقدمة وثلاثة أجزاء، الجزء الأول خصص لدستور فلسطين وحكومتها في المستقبل، والجزء الثاني للحدود، والجزء الثالث لمدينة القدس. 
وكان من أهم فقرات قرار التقسيم ما يلي: 1. إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في أول أغسطس 1948 على الأكثر. 2. جلاء القوات البريطانية تدريجياً قبل أول أغسطس 1948. 
3. أن تنسحب بريطانيا العظمى وجنودها بحلول 1/ أغسطس 1948 تاركة للدولة اليهودية بحلول 1 فبراير 1948، منطقة ميناء بحري لتيسير قدوم "هجرة كبيرة".
4. ألا يتأخر قيام الدولتين العربية واليهودية، وكذا النظام الدولي الخاص بمدينة القدس عن أكتوبر/ 1948. 
وقد تم تقسيم فلسطين إلى 8 أجزاء، خصص ثلاثة منها للدولة اليهودية، وثلاثة للدولة العربية، وتقرر أن يشكل الجزء السابع وهو يافا جيبا عربياً في الإقليم اليهودي. أما الجزء الثامن فقد تقرر أن يتولى مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة إدارة القدس لفترة أولية تبلغ 10 سنوات، يعيد المجلس في نهايته دراسة المشروع، و"يصبح سكان المدينة عندئذ أحراراً في أن يعبروا بواسطة استفتاء عن رغباتهم فيما يتعلق بإمكانية تعديل نظام حكم المدينة". 
وبموجب قرار التقسيم بلغت مساحة الدولة العربية 21589 مليون دونم مربع، ما يساوي 43% من مساحة فلسطين. وتضم: عكا والناصرة ونابلس وجنين وطولكرم، قطاع القدس (عدا مدينة القدس الدولية)، قطاع بيت لحم (عدا مدينة بيت لحم)، قطاع الخليل (عدا الجزء المحاذي للبحر الميت)، مدينة يافا، معظم قطاع "اللد والرملة"، السهل الساحلي من جنوب فلسطين (المجدل – غزة – خان يونس)، والجزء الشمالي الغربي من قطاع بئر السبع.
أما مساحة الدولة اليهودية فبلغت 15260 مليون دونم مربع ما يساوي 56.5% من مساحة فلسطين. وتضم: صفد – طبريا – بيسان وحيفا وقراها، تل أبيب والمعسكرات اليهودية الواقعة في السهل الساحلي –قطاع يافا (عدا مدينة يافا)، الجزء المحاذي للبحر الميت في قطاع الخليل– جزء كبير من القرى الشرقية في القطاع الغربي، قطاع بئر السبع (عدا منطقة العودا الحفير) حتى العقبة.
وبلغت مساحة القدس الدولية 175504 دوانم، ما يساوي 0.65% من مساحة فلسطين. وتضم: أبو ديس وعين كارم وشعفاط وبيت لحم. 
لقد افتقر قرار التقسيم إلى العدالة والتوافق مع منطق الأشياء فأعطى اليهود مساحة أكبر وخص اليهود بأجود الأراضي وأخصبها وأهم الموانئ الفلسطينية، وبالرغم من أن تعداد السكان العرب في الدولة اليهودية كان مقارباً لتعداد اليهود، وبالرغم من ملكية العرب لثلثي الأراضي الفلسطينية في الدولة اليهودية، فقد منح اليهود السيطرة والسيادة الكاملتين على العرب.
وفي قرار التقسيم من التعسف والظلم ما يؤكد عدم عدالته، إضافة إلى مخالفته للقانون الدولي فقد خرجت الجمعية العامة في إصدارها له عن نطاق الاختصاصات المخولة لها في الميثاق والمعروفة دولياً وقانونياً "Ultra Vires Decision".
ويمكن وضع اتفاق أوسلو 1993 وملحقاته وبروتوكولاته وخرائطه في منزلة التقسيم "الثاني" لفلسطين أو لما تم احتلاله من مساحتها في حرب 1967، وتشطيره إلى مناطق: أ، ب، و ج. وفقاً لمتغيرات جيوبوليتيكية وديموغرافية. وكان مأمولاً أن يفضي ذلك التقسيم إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حل قضايا مرحلة التسوية النهائية المتمثلة في القضايا التالية: القدس؛ المياه؛ الحدود؛ واللاجئين والمستوطنات. وهي القضايا التي كان من المفترض التوصل إلى حلول لها خلال خمس سنوات. لكن لم تقم تلك الدولة الموعودة وفشل خيار الدولتين مجدداً. 
وبذلك، يبدو أن خيار الفصل أو التقسيم القسري لـ"فلسطين الانتدابية" تحت يافطة حل الدولتين لا يشكل تكريساً لحق تقرير المصير، أو الانفصال على غرار ما حدث في تشيكوسلوفاكيا التي انقسمت طوعياً وليس قسرياً إلى جمهوريتي: التشيك والسلوفاك. كما أنه، أي حل الدولتين، لا يشكل تساوقاً مع الظاهرة الانفصالية التي تنذر بتفكك الدول.
لقد ظهرت في الأوساط السياسية والفكرية العربية والفلسطينية، وفي مراحل مختلفة من الصراع، ملامح جنينية لحل عربي لـ"المسألة اليهودية" المترابطة موضوعياً بما يسمى "المشكلة الإسرائيلية" وفي الوقت ذاته بالقضية الفلسطينية. واكتست تلك الملامح شكل طروحات فكرية وسياسية وأهداف ينبغي تحقيقها من شاكلة: الدولة الديموقراطية في فلسطين، التي ينبغي لها أن تشكل حلاً موضوعياً عادلاً لقضيتين رئيسيتين تمخضتا عن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، أي المسألة الإسرائيلية والقضية الفلسطينية.