خالد القشطيني

ارتبط تاريخ الطب الحديث في العراق ارتباطاً قوياً بالدكتور أندرسن، طبيب الأسرة المالكة. وإليه يعود الفضل في تأسيس كلية الطب والحصول على الاعتراف العالمي بشهادتها التي ما زالت تحترم في الأوساط الطبية العالمية.
كان من نتائج المدة الطويلة التي قضاها هذا الطبيب الإنجليزي في العراق أن تعلم شيئاً من اللغة العربية وحصلت له علاقات وطيدة مع الكثير من رجالات البلد، كان منهم الشيخ محمود، الزعيم الكردي المعروف. بدأت هذه العلاقة بعد انتقال الشيخ إلى بغداد لأسباب صحية. فبدأ الدكتور أندرسن بمعالجته. ولدى فحصه إياه لاحظ نتوءاً غريباً في ظهره بجانب العمود الفقري. فسأله عنه. أجابه الشيخ محمود بأن هذا النتوء في ظهره يعود إلى طلقة استقرت هناك ولم يجرؤ أحد على استخراجها. فعندما أصيب بها في إحدى المعارك الكثيرة التي خاضها ضد الحكومة، لم تكن هناك في مدينة السليمانية، أو في الواقع أي مدينة في كردستان عندئذ، مستشفى فيه قسم خاص لأشعة إكس ليمكن التأكد من معرفة موضع الرصاصة ثم استخراجها.

سأله الدكتور الإنجليزي:

وما أصل هذه الطلقة؟ كان يقصد من أصابه بها، ولكن الشيخ محمود أجابه قائلاً: إذا كنت تريد أن تعرف أصلها، فهذه طلقة بريطانية. ثم مضى الزعيم الكردي فأضاف قائلاً: لهذا لم يمكن استخراجها! فحيثما تدخلون أنتم يا إنجليز لا يمكن لأحد أن يتخلص منكم! وهكذا لم يستطع أي جراح أن يخلصني من هذه الطلقة البريطانية. ضحك الدكتور أندرسن من هذه المصارحة والممالحة. وإذا بها تصبح بداية لعلاقة طويلة بين الاثنين.
بيد أن من أغرب العلاقات التي نشأت بين هذا الدكتور كانت مع الحكيم السيد إبراهيم السيد موسى، الطبيب الشعبي. ففي تلك الأيام كان هناك أطباء شعبيون، من طراز الحكيم. وكان لكل محلة حكيمها. كان هناك حكيم العوينة وحكيم الصدرية، ونحو ذلك. برز من بينهم حكيم الكاظمية السيد إبراهيم الذي كان يقصده الناس حتى من خارج بغداد.

أصيب الملك فيصل الثاني في طفولته بمرض بسيط، ولكنه أعيا الأطباء حتى الدكتور أندرسن هذا. قلقت بشأنه الملكة عالية. ذكرت لها إحدى معارفها شيئاً عن حكمة هذا الحكيم، حكيم الكاظمية. فقررت أن تجرب حظها معه. أرسلت له تستدعيه لقصر الزهور. فأجابها

قائلاً: إذا كانت تريد طبه فعليها أن تأتي بابنها إليه. فهو لا يذهب لبيوت الناس وإنما عليهم هم أن يأتوا إليه.
جاءت به الملكة لبيته المتواضع في الكاظمية. فحصه وسأله بعض الأسئلة المتعلقة بمرضه. ثم كتب له وصفة من الطب الشعبي النباتي. لم تتردد الملكة في إعطاء ابنها هذا الدواء. فإذا به يتماثل للشفاء بعد أيام قليلة.
سمع أندرسن بما جرى. سره شفاء الملك ولكنه كطبيب متخصص، استثار الأمر فضوله. واستغرب كيف تمكن هذا الرجل البسيط من أن يحقق هذا الشفاء السريع. فقرر زيارته والتعرف به وسؤاله عن مهنته وبصورة خاصة طبيعة هذا الدواء النباتي الذي ساعد على شفاء الملك الطفل. وهو ما جرى، بيد أن أندرسن، عميد كلية الطب عندئذ، استهواه الموضوع فكرر الزيارة كلما سنحت له الفرصة والواجبات المهنية ليستمع لما يقوله هذا الحكيم البسيط.