محمد ناصر العطوان
منذ أن هبط «البني آدم» على هذا الكوكب، وهو يعاني من عقدة نقص مزمنة تجاه الغيب... نحن كائنات لا تطيق الانتظار، ولا تحتمل المفاجآت... نريد أن نعرف ماذا سيحدث غداً، هل ستمطر؟ هل سترتفع الأسهم؟ هل سنشرب «القهوة سادة» في العزاء؟
قديماً، كنا نلجأ لـ «أم إبراهيم» قارئة الودع والفنجان، أو للعرّاف الذي يضرب الرمل... واليوم، لأننا تطورنا وارتدينا الكرافتات، استبدلنا «أم إبراهيم» بالخوارزميات، واستبدلنا «الودع» بالبيانات الضخمة و(Big Data). وأصبح لدينا جيش من الخبراء الإستراتيجيين الذين يُقسِمون بأغلظ الأيمان أنهم، وبفضل التكنولوجيا، قادرون على التنبؤ بمستقبل الاقتصاد والطقس، وحتى نتائج الانتخابات بدقة الميزان الحساس.
ولكن، تأتي «نظرية الفوضى»، لتصفعنا جميعاً على قفانا صفعاً علمياً مبرحاً، وتقول لنا بلسان عربي مبين (أو بلسان رياضي مبين): «انزلوا من على المسرح يا نصابين!».
الحكاية بدأت في الستينات مع عالم أرصاد جوية اسمه إدوارد لورينز... الرجل كان يجلس أمام كمبيوتر بحجم سيارة، يحاول التنبؤ بالطقس... أعاد إدخال الأرقام في المعادلة، لكنه – وللتبسيط أو الكسل – بدلاً من أن يكتب الرقم كاملاً (مثل 0.506127)، كتبه مختصراً (0.506). فرق تافه، لا يُذكر، أصغر من جناح بعوضة، أليس كذلك؟ المفاجأة كانت أن الكمبيوتر أخرج له طقساً مختلفاً تماماً! عاصفة بدلاً من شمس مشرقة!
هنا اكتشف عمنا لورينز، الحقيقة المرعبة التي تُعرف اليوم بـ «أثر الفراشة» والتي تتلخص في جملة شاعرية مخيفة: «رفرفة جناح فراشة في الدسمة قد تسبب إعصاراً في المهبولة بعد شهر».
ماذا يعني هذا الكلام بالنسبة لنا نحن القراء الكرام الذين نعاني من سرقة اللئام؟ يعني ببساطة أن الكون ليس «ساعة سويسرية» منضبطة كما كان يظن إسحاق نيوتن، حيث (1+1=2) دائماً وأبداً... الكون عزيزي القارئ، هو نظام معقد، وحساس جداً لأي «نغزة».
نحن نتوهم أننا لو جمعنا كل المعلومات عن الحاضر، سنعرف المستقبل... نظرية الفوضى تقول لك: «انسَ يا حبيبي». لأنك لكي تعرف المستقبل بدقة، يجب أن تعرف مكان وسرعة كل ذرة في الكون، وكل رفرفة جناح، وكل عطسة موظف في مجمع الوزارات... ولأنك يستحيل أن تعرف كل هذا بدقة لامتناهية، فإن تنبؤاتك ستظل دائماً «عرجاء».
أنت تخطط لحياتك بدقة: جامعة، وظيفة، زواج، تقاعد. ثم فجأة، يقرر شخص مجهول في مدينة «ووهان» أن يأكل «خفاشاً» غير مطهو جيداً... بوم! ينهار اقتصاد العالم، وتُغلق المطارات، وتجلس أنت في بيتك بالملابس الداخلية تشرح نظرية الفوضى لأطفالك... تغيير بسيط جداً (فيروس مجهري)، قلب «سنسفيل» الكوكب رأساً على عقب.
هذه النظرية تعلّمنا درساً في التواضع، ودرساً في سخرية الأقدار... إنها تخبرنا أن «السيطرة وهم»... وهمٌ نبيعه لأنفسنا لكي ننام ليلاً دون قلق... المدير الذي يظن أنه يسيطر على الشركة، والسياسي الذي يظن أنه يهندس المجتمع، والزوج الذي يظن أنه يسيطر على مصروف البيت... كلهم واهمون.
أبسط تغيير في المدخلات، قد يؤدي إلى نتائج كارثية أو مذهلة في المخرجات... كلمة واحدة قد تشعل حرباً، وتأخير دقيقة في إشارة المرور قد يمنعك من لقاء حب حياتك – أو يمنعك من حادث شنيع.
والخلاصة عزيزي القارئ.. أن محاولة التنبؤ بالمستقبل بدقة هي نوع من «العبث» الجميل. عش يومك، وخطط نعم، ولكن لا تأخذ خططك بجدية قاتلة... اترك مساحة للفوضى، وللمصادفة، والقدر وللفراشات التي ترفرف حولك دون أن تراك... فالكون أكبر من معادلاتنا، والحياة أذكى من توقعاتنا... وكما فشلت أجهزة الأرصاد في التنبؤ بالمطر، ستفشل أنت في التنبؤ بمصيرك... فارحمنا وارحم نفسك من داء «السيطرة»، واستمتع بالرحلة... حتى لو كانت في اتجاه لم يظهر في الـ GPS... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله يضمحل.













التعليقات