عادل درويش منلندن شبه البعض تعديلات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير quot; بليلة السكاكين الطويلةquot; عندما ضحى رئيس وزراء المحافظين هارولد ماكميلان عام 1963 بسبعة من كبار وزرائه لأنقاذ جلده عند تعرض حكومته للمتاعب، مما اعطى اشارات للناخب ان السفينة توشك على العرق. وفي العام التالي سقطت الحكومة عندما انتخب البريطانيون حزب العمال بزعامة هارولد ويلسونالذي فاز بفترتين متتاليتين ( حتى 1971) .
لكن زعيم المعارضة المحافظ الحالي دافيد كام
وهناك مفاحآت اخرى في انتقال وزراء لا يتمتعون بالخبرة الكافية لما يتطلبه المنصب الجديد ، وهو مايشكل تحديات تواجه معظمهم ناهيك عن التحدي الاكبر، وهو اعتقاد الكثيرين ان بلير تحول من رصيد انتخابي، الى دين يدفع حزب العمال فوائده المركبة، لمجرد انه يريد اعادة التوازن داخل مجلس الوزراء لصالحه بابعاد مؤيدي وزير المالية غوردون براون الذي يريد يسار الحزب ان يحل محل بلير في اسرع وقت.
نائب رئيس الوزراء جون بريسكوت، وصاحب الفضيحة الكبيرة مع سكرتيرته، احتفظ باللقب، وبالمرتب الضخم وهو 133 الف جنيه استرليني ( 248 الف دولار)، وثلاث مساكن على حساب الدولة. لكنه فقد كثير من صلاحيات ومسؤوليات الوزارة المركبة المعروفة بمكتب نائب رئيس الوزراء، والتي اشرفت على وزارات البيئة والأدارات المحلية وتطوير وتنمية المناطق الفقيرة والمهملة، وتخطيط المدن ومشاكل ألاقاليم. وتتولى هذه المسؤوليات ألآن روث كيللي وزيرة المعارف السابقة ( والتي استبدل اسمها خطأ في خبر امس باسم هيزيل بليرز).
والسيدة كيللي، تحملت بشجاعة غضب نواب اليسار واولياء ألامور على السياسة التعليمية التي رسمها بلير نفسه، فدفعت الثمن. لكن تكليفها بمهام بريسكوت السابقة يعتبر ترقية مهنية لها في منصبها الجديد المسمى وزيرة شؤون المجتمع والحكومة المحلية.
والتحديات امام كيللي لايمكن التقليل من شأنها خاصة وان quot; المذبحة ألانتخابيةquot; التي نزف فيها العمال 318 مقعدا في المجالس المحلية ذهب 300 منها للمحافظين ، جائت معظم خسائرها حول قضايا وامور محلية في الأحياء وليس على المستوى القومي العام كما يحلو لليسار تفسيرها بتبرير التصاق بلير بالسياسة الاميركية والحرب على العراق مثلا.
ففي منطقة كامدن شمال وسط العاصمة لندن، خسر العمال المجلس المحلي الذي حكموه منذ عام 1970 لقضايا محلية بحتة ndash; رغم ان عددا كبيرا من الساسة والصحفيين والمحللين يعيش فيه- واهمها تعنت الأدارة اليسارية مع من اعتبرتهم طبقة متوسطة من ألاثرياء باضطهاد اصحاب السيارت وامطارهم بالمخالفات، حتى ألأم التي تقف بالسيارة خمس دقائق لتوصل طفلها للمدرسة او تلتقطه من الحضانة، تتعرض لمخالفة فورية ب 100 جنيه ، وشهد المجلس ثلاث مظاهرات من حوالى 500 ام لهذا السبب في ألأشهر الماضية، وتكررت هذ الظاهرة التي اغضبت الأمهات في كثير من المجالس العمالية التي اتبعت فكرة الصراع الطبقي واستهدفت كل من يمتلك سيارة، فوعد المحافظين بالسماح بعشر دقائق دون مخالفات لتوصيل ألاطفال للمدرسة او توفير باصات لذلك، وانهاء نظام تكبيل السيارت وسحبها بالونش عن توقيع المخالفة.
كما ان زيادة الضريبة على سكان المنازل ( وهي تختلف عن ضريبة الدخل وضريبة استهلاك المياه ) حيث ارتفعت خلال خمس سنوات بمعدل 40% ، وان كان عمدة لندن اليساري النزعة كين ليفنغستون مسؤولا عن ذلك، وهو تحدي آخر امام كيللي.
وقد استغل المحافظون نقطة الضعف هذه في العمال، وحتى يبعدون الخرافة القائلة انهم الحزب التقليدي للأرستقراطية، دفعوا بمرشحين من الطبقة العاملة يفهمون معاناتها في يد العمال.
ففي الحي المحلي الذي اسكن فيه ( غوسبيل اووك في هامبستد) فازت مرشحة المحافظين، وهي بائعة فاكهة وزهور متجولة في السوق، تسكن في مساكن شعبية للفقراء، على مرشحة العمال التي مثلت المنطقة ل 18 عاما وهي اخصائية اجتماعية واستاذة في الجامعة، تمتلك مسكنا يبلغ ثمنه مليوني جنيه ( ثلاثة ملايين وثلاث ارباع المليون دولار). بائعة الفاكهة فهمت مشاكل البائعين الجائلين وقذارة الشوارع امام محطة مرج هامبستيد حيث تبيع الفاكهة، وحاورت الناس يوميا، الى جانب تفهمها لمشاكل الفقراء وابناء المهاجرين في المساكن الشعبية.
ومشاكل المساكن الشعبية مكنت مرشح المحافظين الثالث وهو موظف بسيط في ادارة النقل، من الفوز على المرشح العمالي وهو رئيس المجلس البلدي الذي مثل الدائرة لعشر سنوات، لأن المجلس العمالي تجاهل طلبات السكان في اصلاح نظام التدفئة المركزي المعطل لأربع ستاوات، وعد المحافظين بانعطاء الأولوية للانفاق على المساكن الشعبية واصلاحها مرافقها.
ولعل التحدي الذي يواجه كيللي اليوم هو كيف تفك شريط البريوقراطية الضخم من الحكومات المحلية التي حولهتا الى ديكتاتوريات محلية ضد المواطنيين، ومسألة الحرب على السيارات الخاصة، والتمويل وميزانيات المجالس المحلية. فقد ارتفعت الضريبة على المساكن بمعدل 84% منذ 1977 ( وصول بلير للحكم) وهي ضريبة مسطحة تقسم فيها المساكن الى مجموعات حسب القيمة العقارية.
وهنا مساكن في لندن يزيد ثمنها على مليون جنيه اصحابها من المتقاعدين الذين لاذنب لهم في ارتفاع ألقيمة العقارية ، والتي لاتترجم الى دخل في جيوبهم، والغير قادرين على دفع الضريبة ( والتي تزيد على 200 جنيه شهريا )، وقد صوت معظم هؤلاء في انتخابات الخميس ضد العمال، حزب زيادة الضرائب تقليديا.
ومن المقترحات الجديدة هي تثمين كل عقار عى حدى بدلا من النظام الحالي؛ لكن ذلك سيخلق جيشا جديا من بيروقراطي التثمين، ويفتح الباب امام الفساد، ولا يحل مشكلة من يسكن في عقار مرتفع الثمن لكن دخله متواضع.
اما المنصب الثاني من ناحية الضخامة ndash; في وزارات التغيير- فهو وزارة الخارجية. ومارغريت بيكيت تدخل التاريخ كأول وزيرة خارجية في تاريخ بريطانيا، ولها قدرات كبيرة على المحاورة والتعامل مع ألأسألة الصعبة، لكن تحدياتها ليست بالسهلة.
واهم تحدياتها هو مستقبل العراق الذي اصبح اهم شاغل للسياسة الخارجية البريطانية؛ وكيف ستتعامل مع ايران واصرارها على تطوير القدرات النووية، وتطور العلاقات مع اوروبا دون ان تسبب حساسيات في واشنطن.
وهي مهمة بالغة الصعوبة خاصة وانها تكاد معدومة الخبرة في هذا الشأن، مما يشير الى وضع بلير مصالحه الشخصية والولاء قبل مصالح السياسة الخارجية للأمة.
اما وزارة الداخلية، فكانت من نقاط ضعف حكومة بلير في الأشهر ألأخيرة بارتفاع معدلات الجريمة وفشل الوزير السابق في ترحيل المجرمين ألاجانب بعد خروجهم من السجن. لكن بلير استدعى الدكتور جون ريد، وزير الدفاع حتى الأمس للداخلة. وهو رجل المهمات الصعبة حيث تولى سبعة مناصب في تسع سنوات. والتحدي الاهم الذي يواجه ريد اليوم هو ايجاد لحل مشكلة المجرمين الأجانب خاصة من بلدان ليست آمنة بالنسبة لترحليهم اليها.
ومهام وزير الداخلية واسعة وهي التعمل مع طالبي اللجوء والمهاجرين غير الشرعين ومعدلات الجريمة المرتفعة.
وجاء تعيين مسؤول الخزانة ( بمرتية وزير) في وزارة المالية ديز براون وزيرا للدفاع ، مفاجأة، ليس فقط لأنه بعيد عن الناحية العسكرية، لكنه ايضا من المحسوبين على وزير المالية غوردون براون، ومن المنتظر ان يكون سخيا في الأنفاق على الجيش، لآنها نقطة تذمر بين الضباط. والتحدي هو المحافظة على ارواح الجنود في العراق وافغانستان وتزويدهم بالمعدات اللازمة لذلك.
ويرى المراقبون ان نقل آلان جونسون، من وزارة التجارة والصناعة الى منصب وزير المعارف، اصرارا من بلير على المضي في برنامجه لتطوير التعليم، لأن جونسون من اصدقاء واتباع بلير المخلصين مثل الدكتور ريد ووزيرة الثقافة تيسا غاول.
والتحدي ليس بالسهل وهي اقناع الناخب، وقبله نواب العمال التقليديين ببرنامج بلير لمنح المدارس الثانوية المزيد من ألاستقلال ماليا واداريا عن المجالس المحلية ومنح نظار المدارس حرية انتقاء التلاميذ، وهو ماعترض عليه النواب قبل ذلك، ودفعت الزير كييل الثمن بتحولها الى quot; اسفنجةquot; تمتص غضب التقليديين.
وحل الستر دارلينغ، الذي شهدت وزارة المواصلات في عهده صعوبات كثيرة، بسبب تعدد المسؤوليات بعد خصخصة السكة الحديد وعدد من شركات النقل، محل جونسون كوزير للتجار والصناعة.
ودارلينغ من المحسوبين على معسكر وزير المالية غوردون براون، وبالتالي لن تلقى سياساته معارضة تذكر من المقاعد الخلفية لنواب العمال المواليين لبراون. وتحدياته هي تقليص البيروقراطية واللوائح التي تعرقل الشركات الصغرى وصغار رجال الاعمال، الذين يشتكون من الضرائب ون اللوائح، وربما يساعده قربه من براون على تخفيف الأعباء المالية على صغار المستثمرين. لكن هناك تيار يتسائل عن الحاجة لوجود هذه الوزارة اصلا في بلد يدعو لحرية ألاقتصاد والسوق الحر المفتوح.
ويجلس في مكتب دارلينغ القديم في وزارة المواصلات دوغلاس الكسندر، الذي كان وزيرا مساعدا لجاك سترو في الخارجية وكان يتولى شؤون حلف الاطلسي واوروبا.
وتحدياته ستدخله في صدام مع الأعلام والناخب الذي ضاق ذرعا بتخلف المواصلات البريطانية مقارنة بمواصلات اوروبا، وارتفاع اثمانها، وايضا نزاع كبير حول التوسع في المطارات والذي يلقى معارضة من جماعات الحفاظ على البيئة ومن السكان المحليين حول هذه المطارات.
اما الذي حل محل ديز براون، فهو ستيفين تيمز، الذي كان وزيرا لشؤون المعاشات في وزارة الصحة والشؤون الأجتماعية، وواجه احتجاجات كبيرة من اصحاب المعاشات والمعوقين في مظاهرات امام مجلس العموم. وقد اصبح ألان وزيرا للخزانة، وهي منصب خطير، فالخزانة قسم ضخم من اقسام وزارة المالية . والتحدي ألاكبر الذي يواجهه تيمز هو انه يصبح الرجل الثاني في المالية بعد الوزير القوي غوردون براون، ومهمته تحتاج الى براعة هنري كيسنجر في التفاوض مع الوزراء المختلفين في المجلس لتحديد الميزانية العامة لكل وزارة وميزانية الأنفاق والدخل للدولة كلها. خاصة تحديد اولويات الأنفاق في اوقات عاصفة كارتفاع ثمن البترول، او انخفاض الدخل من الضرائب عندما يقلل المستهلك ألانفاق.
ولعل اطرف التحديات هو ما يواجه وزير الخارجية، حتى امس، جاك سترو، بعد ان اصبح زعيما لمجلس العموم، وهو منصب وزاري، لكن تقليدا يعتبر نقله انتقاصا لمنصبه الوظيفي، تماما كما حدث لوزير الخارجية ألاسبق الراحل روبين كوك.
لكن التحدي يتمثل في هوس حكومة بلير بتقديم قوانين جديدة في كل شيء في حياة الناس وهي من اهم مهام زعيم البرلمان . وهناك جدل حول تطوير مجلس اللوردات؛ حيث يرغب اليسار في انتخاب اللوردات، بينما ينصح العقلاء والتقليديين ورجال القانون بابقاء النظام المعمول بعه والناجح لأكثر من ثمانية قرون، وهو توارث اللقب، ووجود كبار رجال الدين والقضاء والقانون ورؤساء الوزارات السابقين حيث يمثل اللوردات مجلس حكماء القبيلية ويكبح جماح ونزوات الساسة بتقديم قوانين لغراض غوغائية.
اما التحديات التي تواجه رئيس المجلس الأداري للحزب، هيزيل بليرز، الوزيرة المساعدة السابقة في الداخلية، فهي ربما ألاصعب وهي كيفية رفع الروح المعنوية المنهارة للحوزب بعد quot; العلقةquot; الموجعة على يد الناخب يوم الخميس. وهي حليف قوي لبلير مطلوب منها ان تقضي على التمرد في صفوف الحزب مع تنامي الاعضاء الذين يريدون التخلص من بلير ويعتبرونه مسؤولا عما حدث.
ويقابل هذه التحدي تحدي اخر لمنصب هو Chief Whip ورغم ان الترجمة الحرفية هي حامل السوط الرئيسي، وان كان الوزير لهذا المنصب ومساعديه لايحملون سياطا، وانما يمكن تسمية المنصب برئيس المجموعة البرلمانية. المهمة هي الأنضباط بين النواب والتأكد من عدم خروجهم عن طاعة الزعيم وعدم الأمتناع عن التصويت وضرورة التصويت مع سياسة الحزب، واحيان يلجأون لحيل غير نظيفة مثل ترتيب رحلات مشتركة مع المقابل في حزب المعارضة في اوقات حرجة لضمان ابعاد نوب متمردين مثلا عن المجلس يوم التصويت كي لايصوتوا مع الجانب الآخر. وتولت جاكي سميث، وزير شؤون المدارس في وزارة المعارف المنصب امس بعد هيلاري ارمسترونغ التي فقدت الحكومة في عهدها تصويتا مهما لآنها اخفقت في قيادة النواب نحو حظيرة التصويت في اللحظة المطلوبة ففقدت الحكومة التصويت بفارق صوت واحد، هو صوت رئيس الوزراء توني بلير الذي لم يكن في المجلس وقتها، وكان في داوننغ ستريت، على بعد خمس دقائق سيرا على ألاقدام من مجلس العموم.
















التعليقات