كابول: مع تصاعد ضحاياها وزيادة أعداد المصابين فيها، فقدت الحرب في أفغانستان، التي أطلق شرارتها الرئيس جورج بوش، وطالب الرئيس الأميركي المنتخب بالانتصار فيها، الهدف المعلن لها، فيما كشف قائد عسكري بريطاني أن الحرب في أفغانستان ليست ذات أبعاد دينية وإنما مالية. بدأت الحرب في أفغانستان بهدف محدد وهو القضاء على تنظيم القاعدة والقبض على زعيمها أسامة بن لادن، إذا كانت البلاد التي حكمتها حركة طالبان، ملاذاً للقاعدة والمتشددين والمتطرفين.

غير أنه مع اندلاع الحرب، فرّ زعماء القاعدة وعناصرها إلى المناطق الحدودية مع باكستان، فيما أصبحت أفغانستان خلال سنوات الحرب السبعة جرحاً يتزايد نزيفه تدريجياً، مع استمرار الاشتباكات مع عناصر القوات القبلية quot;الجهاديةquot; التي تدافع عن معاقل زراعة المخدرات، والتي يطلق عليها اسم quot;طالبانquot;، وفقاً لتقرير مشرته مجلة quot;تايمquot; الأميركية. ويضيف التقرير إن هؤلاء المسلحين يحصلون على التمويل من المخدرات وبدفع من قيادات متطرفة وأمراء حرب وأمراء مخدرات، يجد الكثير منهم ملاذاً آمناً لهم في باكستان.

بطريقة ما، أصبحت ولاية quot;هلمندquot; الاستعارة المجازية المتطابقة للحرب الحدودية، فجنود حلف شمال الأطلسي وعناصر قوات quot;إيسافquot; يفعلون أقصى ما بوسعهم ضد كافة الصعوبات في المنطقة، بدءاً من اللغة وانتهاء بتكتيكات مكافحة حرب العصابات، مروراً بمحاولات تجنب إيقاع خسائر بين المدنيين ومساعدتهم على بناء مجتمعاتهم. وسط ذلك كله، تحققت بعض الانتصارات، فقد أصبح القائد الطالباني لموسى قلعة، شمالي هلمند، حاكماً محلياً للمنطقة، غير أن طالبان تحرق المدارس ورجال الشرطة يقتلون بسبب طبيعة الحرب في أفغانستان.

حرب مالية وليست دينية

والجنود البريطانيون يخوضون المعركة وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، فهم لا يستطيعون مطاردة قيادات طالبان، التي يقودها الملا عمر، في مدينة كويتا داخل باكستان، كما أنهم لا يستطيعون منع ووقف تجارة المخدرات التي تمول المسلحين، لأسباب عديدة منها أنها تحظى بدعم وحماية مسؤولين وأفراد في أسر مقربة من الحكومة الفاسدة في أفغانستان، وفقاً للتقرير. ورغم أن ولاية هلمند صحراوية، إلا أنها تنتج نحو نصف إمدادات العالم من الأفيون، على شاطئ ضيق لنهر هلمند.

فقد ألقي القبض على الحاكم السابق للولاية، شير محمد أخوندازا، وبحوزته حوالي 9 أطنان من الأفيون، وهي كافية لطرده من منصبه، ولكنها ليست كافية لوضعه في السجن، نظراً لعلاقته المقربة من حكومة الرئيس حميد كرزاي، كما يقول مصدر عسكري أميركي. وفي الحقيقة، فإن أخوندازا وشقيق كرزاي، أحمد والي، الذي يتولى إدارة قندهار، يعتبران الحاكمان الفعليان للمنطقة إلى جانب الملا عمر. وفي هذا الصدد يقول قائد بريطاني: quot;عليك أن تفهم أن القتال هنا في الواقع ليست له أبعاد دينية وإنما صراع على المال.quot;

ثمة أمر آخر ينبغي فهمه وهو أن الآلاف من عناصر القوات الأميركية يفترض إعادة نشرهم في هلمند وقندهار في الربيع المقبل، ولكنهم مضطرون للقتال وفقاً للظروف نفسها التي يقاتل بها الجنود البريطانيون والكنديون والدنماركيون والهولنديون، وهذا يعني أنهم سيدخلون في الحلقة المفرغة نفسها. ومن هنا، فإن هذه الأمور ستثير التساؤل القديم والمهم أمام إدارة باراك أوباما، وهو: ماذا نفعل في أفغانستان؟ وما هي المهمة؟

يقول الجنود والقادة في ميدان المعركة إنهم يعرفون مهمتهم وهي قتل أسامة بن لادن أو القبض عليه وتحطيم تنظيم القاعدة وقياداتها. ولكن طالما أن بن لادن فرّ، فقد أصبحت المهمة quot;بذل المزيد من الجهود لدعم حكومة كرزاي الديمقراطية المزعومةquot;، وفقاً لمجلة التايم.

أفغانستان أذلت الغزاة

وتاريخياً، وطوال آلاف السنين، لم تكن في أفغانستان حكومة مركزية قوية، وإنما كان يحكمها ائتلاف قبائل محلية، تمسك الواحدة منها بخنّاق الأخرى. وما بروز حركة طالبان مؤخراً إلا شكل من أشكال الصراع القبلي ضد القوى الغربية ومن أجل الأفيون، باستثناء الفترة التي غزا فيها الأجانب المنطقة، ففي تلك الفترة اتحد الأفغان وأذلوا الغزاة، بدءاً من الاسكندر العظيم وانتهاء بالقوات السوفيتية.

ربما يعد الوجود الغربي الحالي في أفغانستان أحد أكثر عمليات التدخل الخارجي الجيدة في تاريخ البلاد، كما أن عملية بناء الاستقرار تظل منطقية، غير أن الحرب أصبح لها عروض جانبية في جنوب آسيا، لعل أخطرها ما يحدث في باكستان، حيث يعيش بن لادن، إن كان مازال على قيد الحياة. لقد اختار جورج بوش دعم الحكم العسكري في باكستان، مقابل تعهده بالمساعدة في الحرب على القاعدة، غير أن ذلك لم يساعد كثيراً.


على أن التقرير يخلص في نهاية المطاف إلى أنه على الرئيس الأميركي المنتخب، وقبل أن يرسل أي جندي جديد إلى أفغانستان، أن يرسل رسالة واضحة لا لبس فيها إلى قادة باكستان وأفغانستان، بأن بلاده لن تتسامح بعد اليوم مع مقتل الأميركيين والغربيين، وهي عملية القتل التي بدأت في 11 سبتمبر/أيلول عام 2001. وعلى أوباما أن يغير من الديناميكيات على الأرض، وإلا فإن الحرب في أفغانستان ستبقى من دون هدف ولا مغزى.