قصي صالح الدرويش من باريس: قدم دافيد مارتينون إستقالته من منصبه كمتحدث رسمي باسم قصر الإيليزيه كما أعلن إنسحابه من سباق الإنتخابات البلدية الذي كان يخوضه للفوز ببلدية مدينة نويي. ورغم أن مارتينون لم يكن برفقة الرئيس الفرنسية في رحلته إلى مقاطعة جويان، مما أثار التساؤلات، إلا أن الرئيس الفرنسي رفض إستقالته من عمله في قصر الإيليزيه.

وجاءت استقالة مارتينون تتويجا للخلافات الانتخابية في مدينة نويي، علما بأن الرئيس ساركوزي كان قد تبنى ترشحه لرئاسة بلديتها في الخريف الماضي، لكن الأمور بدأت تتغير إثر استطلاع لآراء سكان المدينة نشرته صحيفة quot;لوفيغاروquot; يوم السبت الماضي أشار إلى أن مارتينون لن ينال سوى 40% من أصوات الناخبين مقابل 45% للائحة منافسة. ولم يعلن عن الجهة التي طلبت من معهد quot;بي في ايهquot; إجراء هذا الاستطلاع ولصالح من، لكن نشره وضع إشارات استفهام حول إمكانية بقاء مارتينون، ولم تتأخر الإجابات، حيث أعلن ثلاثة من زعامات الحزب الحاكم المحلية في المدينة وعلى رأسهم جان ساركوزي نجل الرئيس عن تشكيل لائحة انتخابية جديدة متخلين بذلك عن مارتينون. أكثر من ذلك وجه جان ساركوزي وهو ثاني أبناء الرئيس انتقادات لأسلوب المرشح مارتينون في العمل منوها إلى أن نويي هي المدينة التي ولد وترعرع فيها وأنه يعرفها جيدا.

وفيما قرأ البعض في هذه المستجدات طموحا سياسيا لنجل الرئيس الذي لم يبلغ عامه الثاني والعشرين بعد، خاصة وأنه بدا متمكنا من الحديث والتحاور مع الصحافة مما دفع المعلقين إلى رؤية تشابه في الأسلوب والمهارة الإعلامية مع والده، مشيرين إلى أن جان ساركوزي عاش في جو السياسة طيلة حياته وأنه رافق والده في كثير من تنقلاته. كما أشارت وسائل إعلامية إلى أن جان ساركوزي الذي يدرس الحقوق رفض العمل ممثلا في إحدى المسرحيات قائلا إنه يفضل التفرغ لدراسته ولكنه في الواقع تفرغ للحملة الانتخابية. طموح ساعد فشل مارتينون في اجتذاب سكان المدينة الثرية في تحريكه في هذه المرحلة بالتحديد.

لكن قراءة أخرى لهذه المستجدات تعيد إلى الواجهة حياة الرئيس ساركوزي الحميمة أو بالأحرى مطلقته سيسيليا، فمن المعروف أنها كانت وراء الصعود السريع لدافيد مارتينون وهي التي دعمته كي يصل إلى القصر الرئاسي متحدثا باسمه. ويرى البعض أن تراجع حماس الرئيس لمارتينون يعود إلى تغير سيدة القصر، الأمر الذي دفع عدد من المعلقين السياسيين إلى اعتباره ضحية لمكائد البلاط. وتجدر الإشارة إلى أن سيسيليا كانت عنصرا فاعلا في سياسات ساركوزي سواء في البلدية التي ترأسها منذ 1983 حين كان عمره 28 عاما أو في حياته السياسة العامة كوزير ومسؤول. ويبدو أن تأثيرها مستمر لكن هذه المرة سلبا على من ساهمت في تقريبهم من الرئيس ومنهم مارتينون وأيضا رشيدة داتي وزيرة العدل.

تفجر المشكلة على هذا النحو والطريقة التي تصدر فيها نجل ساركوزي العناوين دفعت الرئيس الأب إلى طلب حسم الخلافات القائمة بسرعة كي لا تؤثر سلبا على الانتخابات البلدية التي قد تمثل خسارتها هزيمة رئاسية. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسوا هولاند الأمين العام للحزب الاشتراكي المعارض انتقد ساركوزي الذي لم يستطع حسم الصراع داخل حزبه وفي بلدته. نفس الانتقاد صدر عن زعيم حزب الوسط فرنسوا بايرو الذي ندد بالمنطق العائلي السائد والذي لم يكن متبعا ولا واردا في فرنسا من قبل، باستثناء وحيد تمثل في حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف والذي شهد انتقال الزعامة من رئيسة جان ماري لوبن إلى ابنته التي أصبحت نائبة له.

أيا كان الأمر، طموحات الابن السياسية أصبحت علنية سواء حظي بدعم والده أم لا، خاصة وأن ساركوزي الأب كان قد خلف أشيل بيريتي في رئاسة بلدية نويي عام 1983 وبيريتي ليس سوى خال زوجة ساركوزي الأولى ماري دومينيك وأم ولديه بيير وجان، أي أن جان يطمح بموقع كان لعائلة والدته. وهذه الطموحات لا تقلل بل ربما تزيد وضع الوالد حرجا في هذه الفترة العصيبة التي تشهد تراجع شعبيته والتي استقرت في أحدث استطلاعات الرأي على نسبة 41% من الفرنسيين الراضين عنه فقط أي ما يساوي أنصار الحزب الحاكم وحده بعيدا عن شرائح الوسط واليسار والمجتمع المدني التي أيدته أثناء الانتخابات الرئاسية وبعدها. وستواجه شعبية ساركوزي امتحانا صعبا في الانتخابات البلدية التي قد يخسرها أصدقاؤه بعد تسعة أشهر من الانتخابات الرئيسة وهي فترة قصيرة وقصيرة جدا.