ركان الفقيه من بيروت: رقد الفتى احمد الساحلي في احدى مستشفيات العاصمة اللبنانية لاكثر من اسبوع في حال من الغيبوبة التامة بعد اصابته برصاصةquot; طائشةquot; سقطت على رأسه اثر الاطلاق الكثيف للنار في بعض احياء العاصمة، ابتهاجا بكلمة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، عشية انعقاد القمة العربية في دمشق، لكن الفتى اليافع ما لبث ان فارق الحياة. كانت السيدة سونيا سعادة قد سبقت الساحلي بالدخول الى المستشفى والخضوع لعملية جراحية بعد الاطلاق الغزير للرصاص اثناء نوبة الفرح العارمة التي اجتاحت مناصري رئيس المجلس النيابي نبيه بري لحظة ظهوره على شاشة احدى محطات التلفزة عبر برنامج سياسي اسبوعي تبثه تلك المحطة. تقول اخر الاحصاءات المتداولة، ان هناك واحد وعشرين حالة اطلاق كثيف للرصاص في سماء العاصمة اللبنانية والمناطق، رافقت ظهور عدد من الزعماء السياسين اللبنانين بدءا بامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، مرورا برئيس كتلة نواب تيار المستقبل سعد الدين الحريري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، انتهاء برئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال ارسلان وقد توسع الابتهاج quot;بالنارquot; ليشمل الرئيس السوري بشار الاسد خلال احدى اطلالاته المتلفزة، حيث كان الرصاص المتساقط يؤدي كل مرة الى جرح العديد من المواطنين، ويسبب الكثير من الاضرار بممتلكاتهم، دون ان ينسى اي من الزعماء انتقاد الظاهرة ومناشدة المناصرين عدم اللجوء الى هذا الاسلوب في التعبير عن اظهار العاطفة الجياشة والتأييد السياسي .

لا يدري احد من اللبنانين الذين لم يشاركوا في حفل الابتهاج بالرصاص، اذا ما كان ذلك حقا هو نوع من التعبير البريء والعفوي عن مدى الحب الذي يكنه المناصرون لاولئك الزعماء ام ان ذلك عرض عضلات بالنار يدخل في اطار quot;الزكزكةquot; وquot;التمريكquot; في سياقquot; المناكفاتquot; اليومية بين ابناء العشائر السياسية اللبنانية التي باتت تتقاسم المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية للدولة وحتى الاحياء والحارات والزواريب في المدن والمناطق اللبنانية كافة وخصوصاً العاصمة بيروت التي تتوزع النفوذ والسلطة في شوارعها القوى السياسية، الطائفية والمذهبية التي دأب كل منها ودون كلل على تعبئة ابناء عشيرتها منذ الصباح الباكر حتى حلول المساء، حيث تتحول منازل اللبنانيين الى سوق عكاظ تتناوب خلاله محطات التلفزة بث كل اشكال التحريض والشحن بالصوت والصورة.

يرى مدير احد مراكز التنمية المحلية مقبل طه ان الظاهرة باتت تدل على تدن كبير في الوعي لدى شرائح من اللبنانيين لمدى التغييرات التي حدثت على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والديمغرافية، اذ يبدو هؤلاء وكأنهم ما زالوا يعيشون في الاودية والقفار حيث كانت البنية الاجتماعية تقوم على الانتماء الصافي للعشيرة أوالقبيلة التي تشكل الحاضنة الكلية للاشخاص الذين يعيشون في كنفها وضمن المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها في مواجهة القبيلة والعشيرة الاخرى ويتابع طه قائلاً: quot;ان اطلاق النار في ظل تلك الظروف الحياتية وطريقة عيش الافراد ضمن العشيرة والقبيلة كان له وظائف عدة ومنها ايصال الخبر بسرعة أو طلب النجدة في حال المرض او الوفاة واظهار القوة امام ابناء القبائل والعشائر الاخرى للحفاظ على امن قبيلتهم عبر نشر الخوف لدى ابناء القبائل الاخرى وجعلهم يترددون قبل مهاجمة قبيلتهمquot;.

ويضيف طه بأن التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على بنية المجتمع اللبناني من جهة والتقدم التكنولوجي الذي شهده العالم من جهة اخرى وخصوصاً وجود اجهزة التلفزة والاذاعة والهاتف قد الغى كل مبررات العودة للعادات القبلية ومنها اطلاق النار في مناسبات الحزن والفرح عند التعرض لاي طارىء، ويلفت طه الى ان ما جعل هذه العادة تستمر في الحياة الاجتماعية للبنانيين يعود لتشجيعها من قبل الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان التي التبس فيها تاريخياً الاقطاع السياسي بالاقطاع الطائفي والمذهبي الذي يعتبر مؤيديه مجرد رعايا في عشيرة او قبيلة وهو ما زال على هذا الدأب حتى الان.

ويحاول النقابي علي علوه توصيف الظاهرة من خلال مؤشراتها التي تظهر ان كل المذاهب في لبنان قد استكملت عسكرة نفسها والدليل على ذلك ان اطلاق الرصاص جرى من كل الضفاف وفي كل المواقع السياسية والمذهبية ويقول علوه:quot;ان اطلاق النار العشوائي يعيد الى ذاكرة اللبنانيين اجواء الحرب الاهلية المقيتة ويضعهم بين حدين اما الفوضى الامنية الشاملة او الحرب الاهلية المفتوحة على كل انواع الكوارث والمآسيquot;.

ويرى علوه ان ما يضاعف خطر هذه الظاهرة، هو ان الخطاب السياسي في لبنان بمعظمه، يتوجه نحو ايقاظ الغرائز الطائفية والمذهبية، بعد ان تحولت التشكيلات السياسية الى نوع من القبلية، التي تستنفر القبائل السياسية الاخرى، حيث بات النشاط السياسي في المذهب الواحد، تحت حكم مسلحيه الذين يريدون فرض رأيهم على كافة المذاهب والطوائف الاخرى. ويختم علوه بأن كل ذلك يتم على حساب الصراع السياسي الطبيعي الذي يؤدي الى سيادة حكم القانون، ويبقي الخلاف في دائرة الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، حيث لا حل سوى بناء دولة القانون ومجتمع المواطنية الموحدة على قاعدة الحقوق والواجبات.