طلال سلامة من روما: قامت مدينة quot;تريستيquot; (Trieste) الواقعة في أقصى شمال شرق ايطاليا بعمل دؤوب، في السنوات العشرين الأخيرة، كي تتحول الى محور يستقطب العباقرة والعلماء والباحثين من كافة مناطق العالم. اليوم، تحوي quot;تريستيquot; أكثر من 75 معهد للأبحاث، كما المدرسة العليا للدراسات المتقدمة quot;سيساquot; (Sissa) والمركز الدولي للفيزياء النظرية (Ictp) ومعهد quot;سينكروتونيquot; (Sincrotrone). لذلك، تحتضن quot;تريستيquot; كثافة من العباقرة تتخطى نسبة 37 عبقري من أصل كل ألف مقيم بهذه المدينة. أما المعدل الإيطالي فهو 3 عباقرة من أصل ألف مقيم بإيطاليا. مع ذلك تضع البيروقراطية الإيطالية هذا المجد العلمي الذي تتمتع به مدينة quot;تريستيquot; على حافة الهاوية. فالآلية السياسية البيروقراطية هنا أغلقت جميع الأبواب في وجه العلماء الأجانب الذين يرغبون في المشاركة بمشاريع علمية بإيطاليا.
كل شيء بدأ لدى تطبيق القانون رقم 17/2008 الذي دخل حيز التنفيذ في 21 فبراير(شباط) الماضي. ينظم هذا القانون اقامات العمل للعلماء غير الأوروبيين. ويفصل القانون الإيطالي هؤلاء العلماء عن باقي الأجانب مخصصاً لهم وضعاً خاصاً يستطيعون من خلاله دخول ايطاليا عندما يشاءون شرط أن يكون المعهد أو الجامعة، أين سيعملون، مسجلة في قائمة تقوم بإعدادها وزارة الجامعات والبحوث العملية. لغاية اليوم، لم تصدر هذه القائمة ولم يتم تسجيل أي معهد أو جامعة إيطالية داخلها. بمعنى آخر، ما تزال هذه القائمة فارغة ومعقدة التكوين. هكذا، تتخبط المعاهد ومراكز تجديد الاقامات الإيطالية الآن بظلمة لا نهاية لها.
في الحقيقة، تعتبر quot;تريستيquot; المدينة الأكثر تضرراً من سياسات تنظيم الدخول أمام العلماء الأجانب. تطال هذه الأزمة كذلك العلماء الأميركيين والروس. فالقنصليات الإيطالية بالولايات المتحدة الأميركية وأوكرانيا وغيرها لا تعرف حتى كيفية المباشرة بمعاملات إصدار فيزا العمل لهؤلاء العلماء الذين يأتون الى ايطاليا للمشاركة في مشاريع علمية متفق عليها سابقاً. لذلك، فان إخفاق هؤلاء العلماء في دخول ايطاليا رسمياً، للعمل، يجلب معه أضراراً اقتصادية ضخمة على حكومة روما بما أن العديد من أموال التمويل، ومنها المتأتية من الاتحاد الأوروبي، تتعلق بشدة بأوقات إكمال المشاريع العلمية ونتائجها. بالطبع، لا يمكن تخطي هذه الأوقات.
بالنسبة للعلماء الذين لا يستطيعون دخول ايطاليا دون فيزا، كما العرب والإيرانيين والآسيويين والصينيين، تتفاقم هذه المشكلة لديهم. فأوقات تجديد الاقامات هنا تتراوح اليوم بين عشرة شهور وسنتين. ولا يستطيع هؤلاء العلماء مغادرة ايطاليا قبل تجديد إقامتهم(وإلا ينبغي عليهم طلب فيزا مجدداً من القنصلية الإيطالية في بلدهم الأم). إذن، وفي أغلب الأحيان، لا يتمكنوا من تقديم نتائج أبحاثهم في المؤتمرات الدولية، في الخارج.
السؤال الذي أطرحه هو ما دور وزارة الداخلية الإيطالية في كل ما يجري وما سر تقاعس موظفيها عن ترتيب أمور العلماء الأجانب باحترام وتقدير وهل تتعمد السياسة الإيطالية إذلال العلم والعلماء مهما كانت جنسياتهم ودياناتهم؟


















التعليقات