اصدر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عفوا عن "الذين تورطوا بعمل ضد الدولة"، في خطوة تصالحية تهدف الى تقويض دعم المسلحين الذين يسيطرون على مناطق واسعة من العراق.

وبدت مبادرة المالكي المفاجئة التي اعلن عنها في خطابه الاسبوعي المتلفز الاربعاء في محاولة لاحداث شرخ داخل الجماعات التي تقاتل القوات العراقية ويقودها تنظيم "الدولة الاسلامية" الجهادي المتطرف.

وقال المالكي في خطابه "اعلن عن تقديم العفو لكل العشائر ولكل الناس الذين تورطوا بعمل ضد الدولة"، ودعا هؤلاء الى ان "يعودوا الى رشدهم"، مضيفا "لا نستثني منهم احدا حتى لو اساء إلا اولئك الذين قتلوا وارتكبوا دما، لان ولي الدم هو الذي يعفو".

وتابع "ادعوهم إلى الاستفادة من هذه الفرصة، سيما وان العملية الامنية بدأت تاخذ مجراها، وانا ارحّب بهم وبعودتهم وارحّب بالتحامهم مع ابنائهم من ابناء العشائر التي تحمل السلاح من اجل مستقبل اولادهم".

ولم يتضح على الفور عدد المسلحين الذين يشملهم العفو، الا ان مراقبين ودبلوماسيين لطالما دعوا الى الاقدام على مصالحة تدفع السنة العرب الى الانقلاب على الجهاديين، رغم شكواهم المتواصلة من الاداء الحكومي ومن التهميش الذي يزعمون التعرّض له.

جاءت هذه المبادرة بعدما فشل البرلمان العراقي في جلسته الاولى الثلاثاء في انتخاب رئيس له، وسط فوضى دستورية عارمة وتراشق كلامي حاد، ليستنسخ بذلك الانقسام الذي ظلل عمل البرلمان السابق لاربع سنوات.

وينص الدستور العراقي على ان "ينتخب مجلس النواب في اول جلسة له رئيسا، ثم نائبا اول ونائبا ثانيا، بالغالبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس، بالانتخاب السري المباشر"، من دون ان يوضح كيفية التعامل مع فشل انتخاب هؤلاء في الجلسة الاولى.

ومع انه ليس مذكورا في الدستور، الا ان العرف السياسي السائد في العراق ينص على ان يكون رئيس الوزراء شيعيا، ورئيس البرلمان سنيا، ورئيس الجمهورية كرديا. وقال النائب مهدي الحافظ الذي تراس الجلسة لكونه اكبر الاعضاء سنا بعد تشاوره بشكل علني مع نواب قدموا تفسيرات متناقضة للدستور "تعقد جلسة الاسبوع القادم اذا ما توفرت امكانية للاتفاق".

وبعيد فشل الجلسة جددت واشنطن دعوتها القادة العراقيين الى الاسراع في تشكيل حكومة جديدة، بينما حذر مبعوث الامم المتحدة نيكولاي ملادينوف من ان "أي تأخير أو فشل في التقيد بالمواعيد النهائية التي حددها الدستور من شأنه أن يؤثر على وحدة البلاد وسلامتها".

والى جانب انتخاب رئيس مجلس النواب، ينص الدستور العراقي على ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوما من تاريخ اول انعقاد للمجلس، ويكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخابه.

وتطغى مسالة ترشح المالكي الذي يحكم البلاد منذ العام 2006 لتولي رئاسة الحكومة لولاية ثالثة على العملية السياسية في العراق، الا انه بدا امس ان حتى رئاسة البرلمان مسالة معقدة تحتاج الى توافقات سياسية بين الكتل.

وجاء فشل البرلمان في تادية اولى واجباته في وقت دخل الهجوم الكاسح لتنظيم "الدولة الاسلامية" والتنظيمات المتطرفة الاخرى اسبوعه الثالث مع استمرار سيطرة مسلحي هذه التنظيمات على مناطق واسعة في شمال العراق وغربه وشرقه تشمل مدنا رئيسية بينها تكريت (160 كلم شمال بغداد) والموصل (350 كلم شمال بغداد).

واكد "الدولة الاسلامية" اقوى التنظيمات الاسلامية المتطرفة التي تقاتل في العراق وسوريا والذي اعلن الاحد قيام "الخلافة الاسلامية" ومبايعة زعيمه ابو بكر البغدادي "خليفة للمسلمين"، نيته الزحف نحو بغداد ومحافظتي كربلاء والنجف اللتين تضمان مراقد شيعية.

وقد اعتبر المالكي ان اعلان "قيام الخلافة الاسلامية" يؤكد ان "جميع دول المنطقة اصبحت في الدائرة الحمراء". وتحاول القوات العراقية مؤخرا استعادة مناطق من ايدي المسلحين، بينها تكريت، مركز محافظة صلاح الدين.

وقال محافظ صلاح الدين احمد عبد الله الجبوري لفرانس برس الاربعاء ان القوات العراقية "تتقدم ببطء لان جميع المنازل والسيارات المحترقة (على الطريق الى تكريت) مفخخة، في موازاة العبوات الناسفة التي زرعت". واعلنت وزارة الدفاع العراقية الثلاثاء ان خمس طائرات جديدة من طراز "سوخوي 25" وصلت الى العراق، وان عددا من هذه الطائرات حلقت فوق بغداد، فيما قال متحدث باسم الوزارة ان الطائرات الروسية ستبدا عملياتها القتالية "اليوم او غدا".

وقال مسؤولون في البنتاغون في هذا السياق ان الجنود الاميركيين البالغ عددهم نحو 500 جندي والذين ارسلوا الى بغداد لتعزيز امن السفارة الاميركية هناك مجهزون بمروحيات "اباتشي" وطائرات استطلاع صغيرة غير مسلحة.& وفي خضم هذا الهجوم الذي ترافق مع انسحاب القوات العراقية من مناطق عدة بينها مناطق محاذية لاقليم كردستان، ارسلت سلطات الاقليم قوات البشمركة الكردية الى مناطق متنازع عليها مع بغداد ابرزها كركوك (240 كلم شمال بغداد) وفرضت سيطرتها عليها، معلنة ان هذا السيطرة نهائية.

لكن المالكي رفض في خطابه الاربعاء استغلال اقليم كردستان للاوضاع الجارية في البلاد وفرض سيطرته على الاراضي المتنازع عليها، معتبرا انها تصرفات "مرفوضة" و"غير مقبولة".
&