قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أعادت quot;ثورة الأسعارquot; التي كسرت سُبات المشهد الجزائري في الـ48 ساعة المنقضية، الجدل حول ما صار يسمى بـquot;فصيل المُهمشينquot; في البلاد، وهو واقع خاص يضمّ ملايين الشباب الحديثي السن الذين لفظتهم المدارس مبكّرًا واستهلكتهم دروب الحياة، وصاروا بمثابة قنابل موقوتة قد يؤدي انفجارها إلى ما لا يُحمد عُقباه، خصوصًا مع غياب تنظيمات سياسية اجتماعية مقتدرة يمكنها استيعاب هذا الجيل الشبابي الغضّ وتوجيهه. quot;إيلافquot; بدورها بحثت الملف مع المعنيين ومحللي الشأن المحلي.


من احداث العنف الاخيرة في الجزائر

الجزائر: برز المُهمشون كقادة للتململ الاجتماعي المتجدد في الجزائر، ويتعلق الأمر بشباب تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا، غادرت غالبيتهم مقاعد الدراسة لسبب أو لآخر، ولم ينجح هؤلاء في الظفر بأمكنة تحت الشمس، ما جعلهم quot;عاطلون بالإكراهquot; لم تشملهم نسبة البطالة الرسمية التي تختزلها السلطات في 12% فقط.

يقول الخبير الاجتماعي quot;مراد عمريquot; إنّ الذين وُلدوا سنة 1990، وصاروا شبابًا في الجزائر 2011، يمتازون في ماهيتهم بـ (الانفجارية)، احتكامًا لنشوء قطاع كبير منهم في (غيتوهات الفقر) ومكابدتهم للدراما المتكرّسة في quot;أحياء الصفيحquot;، ما صنع منهم شبانًا يائسين وآخرين أكثر عنفًا، فيلجأ اليائس إلى الانتحار، وهو سيناريو تشتد وطأته بشكل دراماتيكي، بينما يفضل الشباب العنيف إلى تفجير غضبه المكبوت بفعل ركام المشاكل والانهزامات اليومية والخيبات المتصلة.

ويضيف عمري أنّ شعورًا مستبدًا لدى الشبان بكونهم مهمشين في مجتمعهم، بعد انغلاق الآفاق أمامهم، أفرز رغبتهم الدفينة لمحاولة تغيير الأوضاع على طريقتهم الخاصة، ولا سيما أولئك المنحدرين من المدن الجزائرية الساخنة، أو ما يُطلق عليها quot;المدن الانفجاريةquot;.

من جهته، يلاحظ المحلل السياسي quot;هيثم ربانيquot; أنّ الشبان الأحداث في السن الذين تظاهروا هذه المرة يشكّلون 40 في المئة ممن أطاح بهم quot;التسرب الدراسيquot;، ويشير رباني إلى أنّهم يتصفون بكثير من الاندفاعية ولا وعي سياسي لهم، خلافًا لأولئك الذين انتفضوا في الخامس أكتوبر/تشرين الأول 1988، وانفردوا بوعي سياسي حرّك زلزالاً عنيفًا آنذاك عجّل بافتتاح الجزائر لمسار الديمقراطية التعددية.

رسائل مأزومة

بحي باب الوادي وسط العاصمة الجزائرية، التقينا زهير، نجيم، رياض، وغيرهم من الشباب الذين انتفضوا ليلتي الأربعاء والخميس، بادرنا أحدهم، بالقول: quot;الظلم والإفلاس فجّرا في أعماقنا صدمات نفسية، وأعقب آخر: quot;نعيش وضعًا عبثيًا تحت رحمة مسؤولين غير أكفاءquot;، فيما أوعز ثالث أنّ كل الطرق تدفع إلى التمرد أو الهروب بعد استفحال اللاعدالة والفقر والمحسوبية، ومعضلة السكن.
وبحي القبة، ردّد رضا بأسى: quot;لقد صادروا طموحنا، هل ذنبي أني غادرت المدرسة مبكّرا؟quot;، في حين شدّد زميله فتحي: quot;حتى أترابي الشباب الذين نالوا شهادات جامعية عليا مصيرهم البطالة، وإن حُظيوا بوظائف فرواتبها هزيلةquot;، وهو ما يستغرب له ياسين: quot;لست أفهم لماذا تضمن الدولة الدراسة المجانية، وتتحمل جميع أعباء التعليم طوال سنوات عدة، لكنها في المقابل لا تهتم بحاملي الشهادات العليا بعد تخرجهم بحيث إنها لا تضمن لهم مناصب تليق بالمستوى الدراسي الذي وصلوا إليهquot;، بينما يلحّ سمير: quot;عانيت كثيرًا من البطالة، لا يوجد شيء في هذه البلاد، لقد ضقت ذرعًا بواقع كهذا، نحن شباب نبحث عن إثبات ذواتنا رغمًا عن كل شيءquot;.

ويقدّر المتتبع quot;أنيس نواريquot; أنّ ما حدث في مظاهرات اليومين الماضيين، على مأساويتها، لخص أزمة لها أسباب فكرية واجتماعية عميقة، في بلد يبلغ معدل أعمار ثلاثة أرباع سكانه أقل من 25 سنة، مثلما أسهم ndash; بمنظار نواري - في إيصال أصوات شباب ظلوا خارج مجال التغطية، متصورًا أنّ اهتزازات باب الوادي ووهران والبليدة وبجاية وبرج منايل وغيرها، عكست رفض أبناء الأحياء المنسية لأوضاعهم المعيشية، وأبرزت كبرياء أهل الجزائر العميقة في مواجهة القهر الاجتماعي، فهؤلاء انتقموا على طريقتهم من واقع يرونه فجًّا، بعدما سيطر الصمت والخمول مطوّلاً.
بدوره، يذهب المحلل quot;أنيس بن مختارquot; إلى أنّ حزب quot;المهمشينquot; هو إفراز لما طبع عشرية الدم في الجزائر، فهؤلاء الشباب كانوا أطفالاً صغارًا عندما كانت ظاهرة الإرهاب الأعمى تنهش الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وتسبب هزال المدارس وضعف التكوين في إيصالهم إلى درجة متقدمة من الضياع.

وإذ يحيل بن مختار إلى أنّ نسبة النجاح الرسمية في بكالوريا 2010 بالجزائر، فاقت الـ62 في المئة،إلاّ أنّ ذلك محض مهاترة لأنّ المستوى العام للمنخرطين الجدد في الجامعة ضعيف، وهو ما أنتج ثغرات عديدة، زادها حدة افتقاد البلد حاليًا إلى شخصيات كاريزماتيّة وتنظيمات حزبية وشبابية قوية بإمكانها تنمية طاقات الشباب المهمش، وتوظيف ذكائهم وديناميكيتهم، بعيدًا من المستنقع الذي يتخبطون فيه.