صار الدكتور محمد البرادعي بمثابة كلمة السرّ في الأزمة السياسية في مصر حالياً، بعدما أصبح يجمع بين يديه غالبية مفاتيح اللعبة السياسية، بل بات يمتلك أهم مفتاح لها، ألا وهو ميدان التحرير. ويحظى بشعبية واسعة في أوساط ائتلافات شباب الثورة، والقوى الليبرالية واليسارية، لكنه لا يحظى بالمكانة نفسها لدى العامة والتيارات الإسلامية.


المشير طنطاوي خلال لقائه مع الدكتور محمد البرادعي في القاهرة

القاهرة: وضع الدكتور محمد البرادعي المجلس العسكري في مصر في مأزق شديد عبر إعلانه في ساعة متأخرة من مساء السبت 26 نوفمبر الجاري، استعداده لتشكيل الحكومة الجديدة خلفاً للدكتور عصام شرف، شريطة منحه الصلاحيات كافة.

أزمات داخلية وخارجية

واجه محمد البرادعي المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية أزمة شديدة منذ نحو ثلاثة أسابيع، تعرّض خلالها لهجوم شرس من قبل إسرائيل وأميركا على خلفية تصاعد الحرب الإعلامية والسياسية ضد البرنامج النووي الإيراني، ووصل الأمر إلى حد اتهامه بإخفاء معلومات مهمة عن ذلك البرنامج، واتهامه بالعمالة لإيران، والدعوة إلى محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وواجه أزمة شديدة داخلياً، تتمثل في تجميد نشاط آلاف من المتطوعين في حملته الانتخابية، واتهامه بأنه quot;معزول ومغيّب عن الشارع المصريquot;، لكنه خرج من الأزمتين أقوى من ذي قبل، لاسيما بعدماسقط التيار الإسلامي في فخ استعراض القوة في ميدان التحرير فيما سمّي بـquot;جمعة تسليم السلطةquot;، وquot;رفض وثيقة السلميquot;، التي اندلعت في أعقابها أعمال عنف شديدة، أسفرت عن مقتل 41 شخصاً، وإصابة نحو أربعة آلاف آخرين.

الحل الأمثل

عاد البرادعي بقوة إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، باعتباره الحل الأمثل للخروج من عنق الزجاجة، لاسيما بعدما طرحه المحتجّون المعتصمون في ميدان التحرير منذ 18 نوفمبر الجاري رئيساً لحكومة إنقاذ وطني، خلفاً لحكومة الدكتور عصام شرف، التي قبل المشير حسين طنطاوي استقالتها على خلفية أحداث العنف.

ودعا العديد من القوى الثورية الشبابية إلي مليونية اليوم تحت عنوان quot;الشرعية الثوريةquot;، من أجل دعم ترشيحه رئيساً للحكومة، رغم تكليف المجلس العسكري للدكتور كمال الجنروي بتشكيل الحكومة.

وقالت بيسان جهاد عضو إتلاف ثورة اللوتس، وأحد المحتجين في ميدان التحرير، إن الدكتور محمد البرادعي هو الحل الأمثل للخروج من الأزمة الحالية، وأضافت لـquot;إيلافquot; إن البرادعي يحظى بتأييد غالبية القوى السياسية وتأييد الشباب في ميدان التحرير، ويمتلك رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، مشيرة إلى أن تكليف الدكتور كمال الجنزوري بتشكيل الحكومة مرفوض جملة وتفصيلاً.

ولفتت إلى أن البرادعي ألقى بالكرة الآن في ملعب المجلس العسكري، عبر إعلان استعداده لتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

استعداد لتشكيل الحكومة

بالفعل، أعلن البرادعي استعداده لتشكيل حكومة إنقاذ وطني، ولكنه اشترط الحصول على صلاحيات واسعة، تصل إلى حد انتزاع كامل الصلاحيات من المجلس العسكري. وقال في بيان له، تلقت quot;إيلافquot; نسخة منه، مساء أمس، إنه أعلن quot;استعداده الاستجابة لطلب شباب وقوى الثورة المجتمعة في ميادين مصر والقوى السياسية، والاضطلاع بمسؤولية تشكيل حكومة إنقاذ وطني، تمثل كل القوى الوطنيةquot;، وأضاف مشترطاً quot;على أن تكون لهذه الحكومة الصلاحيات الكاملة لإدارة المرحلة الانتقالية، واستعادة الأمن، وإحياء الاقتصاد، وتحقيق أهداف الثورة المصريةquot;.

وأشار إلى إنه quot;إذا ما طلب منه تشكيل الحكومة رسمياً، فإنه على استعداد للتنازل عن فكرة الترشح للرئاسة، وذلك لتوفير الثقة والحياد الكامل في قيادته للمرحلة الانتقاليةquot;.

جاء هذا البيان بعدما عقد البرادعي اجتماعًا مع ممثلي ائتلافات شباب الثورة وحركة 6 أبريل والقوى والأحزاب السياسية لمناقشة تطورات الوضع السياسي، وما يتم تداوله من مقترحات للخروج بالبلاد من المأزق الذي تمر به. وقد جدد المشاركون في الاجتماع رفضهم تكليف الدكتور الجنزوري بتشكيل حكومة جديدة، وأعادوا التأكيد على أن المخرج الوحيد من الأزمة الحالية هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني ذات صلاحيات كاملة لإدارة المرحلة الإتنقالية حتى إجراء الانتخابات الرئاسية.

رفض العسكري

يرفض المجلس العسكري منح تلك الصلاحيات، التي يطلبها، إلى أي شخصية، لاسيما للبرادعي، وقال مصدر عسكري لـquot;إيلافquot; إن المجلس العسكري منح حكومة الدكتور عصام شرف كل الصلاحيات التي تمكنها من ممارسة عملها في وقف تدهور الاقتصاد واستعادة الأمن. ومنح الدكتور كمال الجنزوري المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة صلاحيات واسعة أيضاً، وأضاف أن ما يطلبه الدكتور محمد البرادعي هو نقل صلاحيات المجلس العسكري كافةإليه عبر مرسوم بقانون رسمي، وهذا بالطبع مستحيل، لاسيما في ظل الظروف الحالية.

وتابع: لن يكون هناك رئيس جمهورية بدون انتخابات شفافة ونزيهة يشهد بها العالم كله.

وكشف المصدر عن أن المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية ممن يحظون ببعض الشعبية رفضوا تولي رئاسة الحكومة خلفاً للدكتور عصام شرف، وذكر منهم عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة العربية، والدكتور سليم العوا، الذي قال إنها مسؤولية ثقيلة لا يقدر عليها، وتساءل المصدر: إذا كانت رئاسة الحكومة مسؤولية ثقيلة لا يقدر عليها، فكيف يطرح نفسه رئيساً للجمهورية؟.

وأكد المصدر أن العوا قال هذا الكلام في برنامج تليفزيوني. كما رفض العرض الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

الجنزوري والبرادعي

تدعم تصريحات للدكتور كمال الجنزوري المكلف بتشكيل الحكومة ما ذهب إليه المصدر العسكري، وقال الجنزوري في برنامج تليفزيوني مساء أمس، quot;اتصلت بالدكتور محمد البرادعي، المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، وطلبت منه أن يقبل منصب رئيس الحكومة في حال تكليف المجلس العسكري له، واتصلت أيضًا بمنصور حسن، وزير الثقافة والإعلام، وحاولت إقناعه بأن يقبل المنصب أيضًا في حال عرضه عليهquot;.

أرجع الجنزوري ذلك إلي أن المسؤولية ثقيلة جداً في هذا التوقيت، وتابعquot; كنت بدوّر على حد يشيل الشيلة قبل ما تجيلي لأنها شيلة ثقيلةquot;.

شعبية ضعيفة

يحظى البرادعي بشعبية ودعم شباب الثورة وغالبية القوى الليبرالية واليسارية في مصر، ويرونه أول من أطلق شرارة الثورة منذ عودته إلى مصر في نهاية العام 2009، لكنه لا يحظى بالشعبية نفسها في أوساط التيارات الإسلامية والطبقات الشعبية الدنيا والفلاحين والصعايدة، الذين يرونه عميلاً أميركياً، ساهم في احتلال العراق وتدميره، وساهم في تسليط الأضواء على البرنامج النووي الإيراني الإسلامي، في الوقت الذي تجاهل فيه البرنامج النووي الإسرائيلي، وذلك إبان رئاسة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ورغم أنه قام بحملة إعلامية مكثفة أخيراً، أثناء الاحتفال بعيد الأضحى، لنفي تلك الاتهامات عن نفسه، إلا أن الكتلة الصامتة تأبى إلا تصديق ما في أذهانها.

فقالتصفاء بدوي، مصرية تعمل معلمة في مدرسة في الجيزة، لـquot;إيلافquot;، إن البرادعي لا يحظي بشعبية في أوساط البسطاء، مشيرة إلى أنه لا يعلم شيئاً عن المصريين أو طريقة معيشتهم، أو المشاكل والأزمات التي يعانونها. ووصفته بأنه مرشح النخبة، متوقعة ألا ينجح في الانتخابات الرئاسية، وأضافت: يبدو أنه يعلم ذلك جيداً، والدليل سعيه إلى الحصول على رئاسية الجمهورية بأي شكل الآن.

حملات لتشويه البرادعي

يرى الدكتور نبيل عبد الفتاح الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية أن الدعاية المضادة التي مارسها النظام السابق ضد البرادعي، وتمارسها القوى الإسلامية ضده حالياً، ساهمت كثيراً في تشويه صورته لدى المصريين البسطاء.

وقال لـquot;إيلافquot; إن البرادعي يحمل مشروعاً طموحاً لتحويل مصر إلى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وتنمية اقتصادها. وحذر المصريين من الانسياق وراء الدعاية المضادة وحملات التشويه التي تشنّها إسرائيل، والحملات الداخلية التي يشنها الإسلاميون، داعياً إياها إلى دراسة برنامجه، والاستماع إليه، من دون إصدار أحكام مسبقة ضده.

وأشار إلى أنه في حال توليه رئاسة مجلس الوزراء، ومنحه الصلاحيات التي تمكنه من العمل بحرية، فسوف تتغير الأحوال خلال المرحلة الانتقالية.