بدأ مشروع مصالحة بين الأكراد والتركمان في العراق يتبلور، لإنهاء خلافات طويلة حول قضايا تتعلق بمناطق متنازع عليها وحول علاقات تركيا والولايات المتحدة الأميركية بأكراد وتركمان العراق. ويبدو أن هذه المصالحة بدأت مع تقدم رئيس الجمهورية بطلب تعديل قانون يسمح بتعيين نائب له من التركمان.


علمت quot;أيلافquot; أن قوى كردية وتركمانية عراقية تدرس حاليًا مشروع مصالحة بين القوميتين الثانية والثالثة في البلاد لإنهاء خلافات ونزاعات بينها حول قضايا تتعلق بمدينة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، وحول علاقات تركيا والولايات المتحدة بأكراد وتركمان العراق، وتأثيراتها على إنجاز هذه المصالحة، التي بدأت عمليًا بدعم رئيس الجمهورية جلال طالباني ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، لتولي ممثل عن التركمان منصب نائب رئيس الجمهورية، وهو ما يتوقع أن يصادق عليه البرلمان قريباً.

فشل التركمان في التعريف بقضيتهم
أشار مصدر عراقي مطلع تحدث مع quot;إيلافquot; إلى أن الإدارة الأميركية قد ارتكبت العديد من الأخطاء عند احتلال العراق عام 2003، ومنها تجاهل التركمان القومية الثالثة في البلاد، وهو ما أكده العقيد وليم مايفل المسؤول العسكري الأميركي السابق في مدينة كركوك الشمالية الغنية بالنفط والمتنازع عليها. وقال إنه لا يمكن لوم الإدارة الاميركية لتجاهل التركمان، بل يجب تحميل سياسيي هذا المكون الثالث في البلاد بعد العرب والأكراد من الذين شاركوا في العملية السياسية قبل سقوط النظام العراقي السابق مسؤولية هذا التجاهل.

أحد الضباط الأميركيين في كركوك يوضح في هذا الصدد quot;عندما دخلت قواتنا إلى كركوك، وجدنا أناسًا آخرين يتكلمون غير اللغتين الكردية والعربية، وعندما سألناهم من أنتم، قالوا لنا نحن التركمان، وكانت هذه المرة الأولى التي نسمع فيها عن التركمان في العراقquot;.

لكن التركمان بدأوا بالتقرب بشكل متأخر من الإدارة الاميركية بعد سقوط النظام السابق، لأن الأميركيين لم يدخلوا التركمان في حساباتهم الأولية. وأوضح أن الإدارة الاميركية أيقنت بعد إتصالات تركمانية معها، وبعد زيارة رئيس الجبهة التركمانية سعد الدين أركج إلى واشنطن عام 2007 بأن التركمان عنصر أساسي لا يمكن تجاهله، ولهم دور فاعل في استقرار العراق نتيجة تحالفاتهم الداخلية وعلاقاتهم الخارجية وخاصة مع تركيا.

يرى المصدر أن الإنسحاب الأميركي التدريجي من العراق وزيادة النفوذ التركي في المنطقة، أثار حفيظة القيادات الكردية، مما أدى إلى اهتمامهم بالتركمان ومحاولة كسبهم إلى جانبهم كخطوة أولى لإجراء الإستفتاء حول كركوك، ومن ثم ضمها إلى إقليم كردستان كما يطالب الأكراد. وهو اهتمام يترافق مع ظهور مشروع أميركي للمصالحة بين التركمان والأكراد، الذين عاشوا معًا على أرض العراق وعلى مدى قرون طويلة في سلام، تربطهم علاقات تاريخية واجتماعية وثقافية واقتصادية ومصالح مشتركة إضافة إلى علاقات الزواج والقرابة، ولم تحدث أي خلافات جذرية بين الشعبين الكردي والتركماني، برغم محاولة بعض الأطراف تقويض العلاقات بين الجانبين.

الجوار والخلافات الكردية التركمانية
إلى ذلك، لفت المصدر إلى أنه quot;لا تزال هناك بعض المسائل التي تشكل عائقًا أمام فتح باب الحوار بين الأحزاب التركمانية الكردية، وأنه يجب إيجاد الحلول المرضية لحلها مع عدم تجاهل دور بعض دول الجوار في إثارة موضوعات الخلاف بين الجانبينquot; وضرورة الحد منها.

وقال إن فكرة المصالحة بين التركمان والأكراد موجودة، وقد تم عرض مشروعها على السياسيين التركمان، سواء داخل العراق أو خارجه، وهي في طور الدراسة حاليًا. ويؤكد على ضرورة دراسة طبيعة العلاقات بين التركمان والأكراد ومستقبل مدينة كركوك وإزالة قضية التجاوزات على الأراضي فيها. مؤكدًا أن لدى التركمان موقفًا إيجابيًا من الجلوس إلى طاولة المفاوضات تحت إشراف الولايات المتحدة لمناقشة مسألة الحوار والمصالحة مع الأكراد وحل معظم المشاكل في شمال العراق.

ويوضح المصدر أن الصراع القومي بين الأكراد والتركمان مفتعل، أوجدته بعض الدول التي لها مصالح عامة في العراق ومصالح خاصة في إقليم كردستان، ولذلك فإن مشروع المصالحة الكردية التركمانية يحتاج تحريكًا وتقديم تنازلات من الجانبين والاعتراف بالآخر سياسيًا وقوميًا وعدم تهميشه.

كما يؤكد المصدر أنه مع تأييد القوى الكردية، وخاصة الرئيس جلال طالباني، ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، لحقوق التركمان وتعيين أحد شخصياتهم نائبًا رابعًا لرئيس الجمهورية، فإنه يجب الأخذ بمفهوم quot;التدرج السريعquot; في مشروع المصالحة الكردية التركمانية. أما في قضية كركوك فإنها تحتاج معالجات وتشريعات خاصة تخدم سكانها، وتصحح المخالفات التي حدثت في الماضي، واٍشراك الأمم المتحدة في هذا الحل.

وقال المصدر إن هذه الأيام تشهد خطوات خجولة متأخرة من قبل السياسيين، لكنها جديرة بالإهتمام، لكونها جاءت في وقت حرج وصلت فيها الأمور إلى عنق الزجاجة، وهي خطوات تحاول لملمة وحدة مكونات الشعب العراقي وإشراكها بفاعلية في القرار بما فيها التركمان.

حول ما يقوله البعض من التركمان من أن المصالحة يجب أن لا تكون على حساب دماء الضحايا من التركمان وحقوقهم، ذكر المصدر أن هذا كلام صحيح جدًا، وأن الدعوة إلى المصالحة لا تعني التخلي عن الحقوق، بل إن أول مبادئ مشروع المصالحة هو أن يأخذ كل ذي حق حقه مهما كانت الأسباب أو المبررات، ولكن يجب أن تتم موازنة الأمور بعقلانية من قبل كل الأطراف وقراءة الواقع التركماني بكل دقة، قبل اتخاذ أي قرار خطر يمس قضاياهم، فمثل هذا القرار متوقع، ولكن توقيته مؤجل في الوقت الراهن على الأقل.

تراجع الدعم التركي للتركمان
حول ما يتعلق بتراجع الموقف التركي في دعم التركمان، فأشار المصدر إلى أن أنقرة لم تتدخل بصورة فعلية في حماية التركمان العراقيين منذ إنشاء الدولة العراقية. أما في العصر الحديث فبعدما تأسست الجبهة التركمانية العراقية في عام 1995 بدأت منظمات المجتمع المدني التركية بمساعدة التركمان، كما ظهرت مساعدة الحكومة التركية أيضًا، وكانت هذه ضمن ملف مساعدة كل مكونات الشعب العراقي.

لكن المصدر أوضح أن الموقف التركي من التركمان قد بدأ بالتراجع عام 2007 بسبب السياسات الخاطئة التي أتبعتها بعض الأحزاب التركمانية، وخاصة عند الإنتخابات العراقية عام 2005، وعدم وحدة الموقف التركماني والإستراتيجية المشتركة بين الأحزاب التركمانية، إضافة إلى انشغال الساسة التركمان في محاربة وإتهام بعضهم البعض وتقلص حجم الجبهة التركمانية العراقية بعدما انفصلت بعض مكوناتها عنها.

وأضاف أن تركيا حاولت توحيد الصف التركماني من جديد، وذلك بدعوة النواب التركمان ورؤساء الأحزاب التركمانية إلى تركيا لحل المشاكل العالقة بينهم، ولكن التنافر والخلافات الشخصية الموجودة بينهم أفشلت هذه المحاولة، إضافة إلى تدخل بعض التركمان الموجودين في تركيا في القضية التركمانية، ومحاولة تسييرها وفق أجندات خاصة، يضاف إلى ذلك فشل الأحزاب التركمانية في تثقيف المواطنين سياسيًا.

دوافع تقارب أنقرة مع أكراد العراق
في المقابل، رأى المصدر أن من الأسباب الأخرى من الجانب التركي هو وجود الحزب العمالي الكردي في تركيا، الذي يشكل خطرًا كبيرًا على الأمن التركي، مما حدا بالأتراك إلى التقرب من حكومة إقليم كردستان، لغرض الإتفاق للحد من حركات وعمليات هذا الحزب، وطبعًا فقد دفع التركمان ثمن هذا التقارب.

وكذلك ازدياد نشاطات الأحزاب الكردية في تركيا، والمطالبة بحقوقها القومية، وفي مقدمتها الحكم الذاتي أو تطبيق نظام الفيدرالية في تركيا، والتي أوجدت نوعًا من البلبلة وعدم الاستقرار في جنوب شرق تركيا، مما حفز تركيا إلى تقديم بعض التعويضات لإرضاء حكومة الإقليم ودفعها لدور في إسكات هذه الأحزاب.

يضيف المصدر إلى ذلك توتر الحالة الاقتصادية في تركيا وزيادة نسبة البطالة، وخاصة في المناطق الكردية، وفتح حكومة الإقليم مجال العمل للشركات التركية للعمل في إقليم كردستان، حيث يقدر عدد الشركات التركية العاملة هناك حاليًا حوالي 3200 شركة. ثم فتح المجال لأكثر من 25 ألفًا من أكراد تركيا للعمل في إقليم كردستان.

ويشير إلى أن تركيا يبدو أنها قد أيقنت بعدم إمكانية الأكراد من إلحاق كركوك بإقليمهم الشمالي، لأن قضيتها أصبحت دولية، ولذلك فقد بدأت بالتوجه إلى الإقليم لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية. كما إن تركيا أدركت بأن التمسك بالملف التركماني سيجعلها تخسر الكثير في العراق، وخاصة في الإقليم الكردي، الذي يرى معظم المحللين أن عاصمته أربيل ستصبح مركزًا للمشاريع الاقتصادية والعمرانية.

ويقول المصدر إنه إضافة إلى كل ذلك فإن تركيا تحاول وضع جل إمكانياتها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، الذي يطالبها في المقابل بإجراء إصلاحات وتطبيق شروط الاتحاد القاسية في بعض الأحيان، ومنها حقوق الإنسان وحق التعبير الذي يقصد منه بالدرجة الأساس أكراد تركيا. وهذه المطاليب الأوروبية إزدادت وتيرتها بعد عام 2003، خصوصًا بعد سيطرة أكراد العراق على قنوات الدبلوماسية العراقية، التي وظفوها بطبيعة الحال لحشد الضغط الأوروبي على تركيا، ولهذا كان رد فعلها سلبيًا على الموقف من تأييد التركمان.