كانت الثورة المصرية التي اندلعت في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، إحتجاجاً على مقتل الشاب خالد سعيد تحت وطأة التعذيب، على موعد مع الفصل الأهم الذي غيّر مسار البلاد كلياً يومي 2 و3 فبراير/ شباط، حيث انطلقت مئات البلطجية ورجال الأمن في زيّ مدني، وهم يمتطون صهوات الجياد والجمال، مخترقين التجمعات البشرية المعتصمة في ميدان التحرير، وعاثوا في الميدان فساداً، وضرباً وقتلاً، بينما كانت كاميرات التصوير التابعة للفضائيات ووسائل الإعلام العالمية تتابع الحدث على الهواء مباشرة، في ما عرف إعلامياً بـquot;موقعة الجملquot;، التي غيّرت مجرى التاريخ في مصر، وساهمت في ترنح حكم مبارك وسقوطه.
صبري عبد الحفيظ من القاهرة: بعد انتصار الثورة، بدأت التحقيقات في أحداث موقعة الجمل في أبريل/ نيسان 2011، واستمرت القضية تتداول في القضاء، حتى صدر حكم فيها بتاريخ 10 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، قضت فيه المحكمة ببراءة جميع المتهمين، وعددهم 24 من رموز نظام الحكم السابق، وعلى رأسهم: صفوت الشريف وفتحي سرور، رئيسا مجلسي الشورى والشعب في عهد مبارك، إضافة إلى عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة، وحسين مجاور رئيس إتحاد العمال، ومحمد أبو العينين رجل الأعمال المقرب من مبارك.
صدمة المصريين وقراء إيلاف
أصاب الحكم المصريين بصدمة شديدة، لاسيما أنه جاء تتويجاً لأحكام أخرى بالبراءة صدرت بحق جميع المتهمين في قضايا قتل المتظاهرين في شتى أنحاء الجمهورية، وأهمها قضية مبارك، التي حصل فيها جميع المتهمين على البراءة، باستثناء مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي، اللذين صدر بحقهما حكمان بالسجن المؤبد، لامتناعهما السلبي عن إيقاف العنف أثناء الثورة.
الصدمة نفسها أًصابت قراء quot;إيلافquot; المشاركين في استفتائها الأسبوعي، واعتبروا أن الحكم سياسي، وليس جنائيًا. وجاء ذلك رداً على سؤال طرحته الصحيفة الالكترونية على القراء، ونصه كالآتي: quot;تبرئة المتهمين في موقعة الجمل: حكم قضائي.. حكم سياسيquot;.
شارك 2103 قرّاء في التصويت بالإستفتاء، وإنحازت الغالبية العظمى منهم، 1175 قارئاً، أي ما يعادل نسبة 55.87%، إلى القول إن الحكم سياسي، فيما اعتبره 928 قارئاً، بنسبة 44.13% حكماً قضائياً بحتاً.
محاولة فاشلة
وفي محاولة فاشلة من الرئيس محمد مرسي، لإزاحة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود من منصبه، تحقيقاً لمطالب الثورة، أصدر قراراً بتعيينه سفيراً لمصر في الفاتيكان، إلا أن القرار قوبل بالرفض من جانب النائب العام وجموع القضاة، معتبرين إياها إعتداء على السلطة القضائية.
وتعرّض مرسي لضغوط شديدة، أسفرت عن تراجعه عن قراره، واستمرار محمود في منصبه، رغم أن إقالته كانت أحد أهم مطالب الثورة، لاسيما بعد حصول المتهمين على البراءة في قضايا قتل المتظاهرين، وتتهمه القوى السياسية والثورية بتقديم أدلة ناقصة في تلك القضايا، ما سمح للمتهمين بالبراءة.
حكم جنائي
الخبراء القانونيون يختلفون مع قراء quot;إيلافquot;، في ما يخص أن الحكم سياسي، إذ يرون أنه حكم جنائي بحت، لا تدخل فيه للسياسة على الإطلاق، وقال المستشار محمد عبد المنعم، رئيس محكمة جنح مستأنف لـquot;إيلافquot; إن الحكم جنائي، لا علاقة له بالسياسة.
مشيراً إلى أن المتهمين حصلوا على البراءة نظراً إلى عدم وجود أدلة تجعل القاضي يقيم عقيدة خالصة بأن الأربعة وعشرين متهماً أو أحدهم هو من ارتكب جرائم القتل أو الإصابة بين صفوف المتظاهرين في موقعة الجمل، لاسيما في ظل وجود عشرات الآلاف من الأشخاص في ميدان التحرير في ذلك الوقت، وهو ما يصعب معه تحديد شخصية الجاني.
ولفت إلى أن هذا الأمر متعارف عليه في مثل تلك القضايا. وأضاف عبد المنعم أن القاضي قال في حيثيات حكمه إن القضية خلت من الأدلة الدامغة، واستندت إلى أقوال سماعية، ولم يكن بين الشهود من رأى بعينيه، باستثناء اللواء حسن الرويني قائد المنطقة العسكرية المركزية، الذي نفى أنه شاهد أشخاصًا يحملون الأسلحة.
ونفى عبد المنعم أن يكون الحكم سياسياً، موضحاً أن القاضي قال في حيثيات حكمه quot;ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلواquot;، ولفت إلى أنه لو كان الحكم سياسياً لصدرت إدانة للمتهمين، بالسجن أو الإعدام، ويكون بذلك قد كسب ود السلطة والرأي العام، ولكن القاضي آثر أن يحكم بالحق، حتى ولو أثار حكمه السلطة والشارع ضده وضد جموع القضاة.
طمس الأدلة
فيما قال حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن السبب وراء البراءات المتكررة في قضايا قتل المتظاهرين، يرجع إلى أنه جرت عمليات طمس منظمة للأدلة في تلك الجرائم.
وأوضح لـquot;إيلافquot; أن القضايا، ومنها قضية موقعة الجمل، قدمت إلى المحكمة مهلهلة، وغير مترابطة، ما أدى إلى إصدار حكم ببراءة المتهمين.
ولفت أبو سعدة إلى أن المطلوب إجراء تحقيقات جديدة حول الجناة الحقيقيين، معتبراً أن تلك هي مهمة لجنة تقصي الحقائق المشكلة بقرار من رئيس الجمهورية. وشدد على أن القضاء بريء من الإتهامات الموجّهة إليه بالتواطؤ مع رموز النظام السابق.
تدمير الأدلة
أما حسن أبو العينين محامي أسر الشهداء، فيقول إن الأحكام الصادرة بحق المتهمين في قضايا قتل المتظاهرين إستنتدت إلى أدلة غير كافية، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى في مصر من الخبراء القانونين كانت تتوقع براءة المتهمين.
وأوضح لـquot;إيلافquot; أن أهم سبب وراء مهرجان البراءة للجميع، يرجع إلى أن النيابة العامة لم تقدم أية أدلة دامغة، كما إن تحريات الشرطة لم تكن كافية، وتعرّضت الأدلة، مثل أشرطة التسجيل للوقائع أو تسجيلات المحادثات بين المسؤولين، للتدمير، ولم تبق سوى أقوال مرسلة للشهود، الذين لم يشاهد بعضهم الحوادث بالعين المجردة.
وأضاف أنه لا أمل في إعادة محاكمة المتهمين مرة أخرى، ولفت إلى أن كل ما يقال عن إعادة المحاكمة من خلال لجنة تقصي الحقائق وجمع الأدلة ليس إلا عملاً سياسياً، الغرض منه إمتصاص غضب الرأي العام المصري، لكنها في حكم القانون معدومة الفائدة، إذ لا يمكن محاكمة متهم على جريمة مرتين.















التعليقات