لا مفر من الاعتراف بالبصمة المميزة التي بصم بها الشيخ صباح الأحمد الصباح دولة الكويت، حتى من قبل أن يكون أمير البلاد، ولا يزال. فشخصيته فذة وصلاته وثيقة بزعماء العالم، يثبت مكانته في البلاد، ويتخذ لنفسه صورة الأب الذي يرعى أولاده ولو تخاصموا، ويخف إلى إخوته ولو خاصموه.


لندن: لمع نجم الشيخ صباح حين عيّن وزيرًا للخارجية الكويتية في العام 1963، وكان قبلها وزيرًا للارشاد. وفي العام نفسه، تبوأ رئاسة اللجنة الدائمة لمساعدات الخليج العربي. وفي الحادي عشر من أيار (مايو) 1963، وإثر قبول الكويت عضوًا في الأمم المتحدة، وقف الشيخ صباح بباب مقرها في نيويورك، ليكون أول من رفع علم الكويت هناك.

أتاح للأمير جمعه وزارة الخارجية ورئاسة اللجنة الدائمة لمساعدات الخليج العربي القيام بدور مؤثر على خارطة الوطن العربي، وخصوصًا الجزء الخليجي منها، إذ قدم للدول الخليجية منحًا من دون مقابل، وصلت إلى اليمنين الشمالي والجنوبي حينها، وإلى سلطنة عمان، حتى جنوب السودان.

في الامارات، كان للكويت حتى العام 1969 أكثر من أربعين مدرسة يدرس فيها 850 مدرسًا تدفع الحكومة الكويتية مرتباتهم. وبقيت المناهج التعليمية الكويتية هي المعتمدة في الإمارات لمدة طويلة، حتى بعد قيام دولة الامارات العربية المتحدة.

عميد الدبلوماسية

كان وزير خارجية نشيطًا على الساحة العربية. فحين اصطدم اليمنان الشمالي والجنوبي في العام 1972، زارهما مرارًا، مصرًا على إنهاء الحرب بين الشقيقين، فأثمرت مساعيه عن اتفاقيتين، للسلام وللتبادل التجاري.

وفي العام 1980، خففت وساطته التوتر بين اليمن الديمقراطية وسلطنة عمان، وحضر وزيرا خارجية البلدين إلى الكويت في العام 1984، ليوقعا برعايته إعلانًا ينهي حالة الحرب ويفتح صفحة جديدة من حسن الجوار بين الجارين العربيين.

وحين نجح الشيخ صباح في إعادة وصل ما انقطع بين الكويت والدول العربية التي دعمت العراق خلال حرب الخليج، بعد غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت وقيام التحالف الدولي لتحريرها، أطلق عليه لقب عميد الدبلوماسية العربية. وهذا اللقب لزمه وما زال حتى اليوم، إذ يدبّر الشيخ صباح أمر الكويت، حكومة ومعارضين، بدبلوماسيته المعهودة.

مبايعة بالاجماع

في 14 شباط (فبراير) 2001، شكل الشيخ صباح أحمد الصباح الحكومة الكويتية بالنيابة عن الشيخ سعد العبد الله الصباح، الذي أقعده المرض.وإذ اعتذر الشيخ سعد عن عدم قدرته على الاستمرار في منصبه رئيسًا للوزراء، صدر مرسوم أميري بتاريخ 13 يوليو 2003 بتعيين الشيخ صباحرئيسًا لمجلس الوزراء وظل يشغل هذا المنصب لغاية تاريخ 24 كانون الثاني (يناير) 2006.

وفي 24 كانون الثاني (يناير) 2006، اجتمع مجلس الوزراء وقرر اختيار الشيخ صباح أميرًا على الكويت، فتولى مقاليد الحكم رسميًا بعد خمسة ايام، أي في 29 كانون الثاني (يناير) 2006 إثر إجماع مجلس الأمة على مبايعته، ليكون أول أمير للكويت يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة.

دبلوماسية وصرامة

نجح الشيخ صباح في إدارة الكويت والحفاظ على توازناتها الداخلية، خصوصًا أنها من أوائل دول الخليج التي تنشأ فيها حياة سياسية برلمانية حقيقية، فيها من يوالي وفيها من يعارض. وما زال في سبيله هذا حتى اليوم، حين تشهد الكويت غليانًا ديمقراطيًا مع انتخابات برلمانية تجري في ظل مقاطعة المعارضة، وحركات احتجاج في الشارع.

ولربما يراه من لا يعرفه شيخًا في الثالثة والثمانين من عمره، إلا أن عارفيه على يقين من أن هذه الأعوام زادته حنكة دبلوماسية لا ريب فيها، على الرغم من بعض الصرامة اللازمة في حينها. فبعد تفريق محتجين تظاهروا أخيرًا من دون أن ينالوا ترخيصًا بالتظاهر، وبعد استعمال الأمن الكويتي قنابل الغاز المسيل للدموع في تفريقهم، وقف الشيخ صباح مؤكدًا استعداده للوقوف صارمًا ليحول دون تحول المسيرات الاحتجاجية إلى اضطرابات، quot;لأننا مطالبون جميعًا بأن نختار بين طريقين، طريق دولة القانون والدستور أي طريق السلامة، أو طريق الفوضى والتعدي على صلاحيات السلطة الدستورية المسؤولة.quot;

وعلى ما يصفه دبلوماسيون غربيون، يبرع في مزج الدبلوماسية بالتمسك بالقرارات التي يراها صائبة، كمرسوم الضرورة الذي أصدره مغيرًا النظام الانتخابي، مخفضًا التصويت من أربعة إصوات إلى صوت واحد. لكن هذا التمسك القوي لا يثنيه عن انتهاج اللين حين يجتمع بالقيادات المعارضة له، بل يحاول أن يثنيهم عن مواقفهم كما يحاولون أن يثنوه عن موقفه، متجنبًا المواجهة ما أمكنه ذلك للحد من التوتر في البلاد.

صائغ السياسات

يختلف الشيخ صباح عن غيره من الحكام، خصوصًا في بلد العرب، إذ يقول عارفوه إنه لا يلقي بالمهام على أركان حكمه ويقف متفرجًا، ولا يكتفي بتوزيع الأدوار، بل يشارك مشاركة فعالة في صياغة السياسة الكويتية من ألفها إلى يائها.

ويؤكد هؤلاء أن دم العمل الدبلوماسي النشيط ما زال نابضًا في عروقه، ولم تزده الأعوام إلا خبرة في اتخاذ القرارات وحكمة في رسم السياسات، لذا لا يتوقف عن استقبال الوزراء ووكلاء الوزراء بشكل يومي، ليقف منهم على أحوال البلاد.

هذه السمات القيادية ساعدته على كسر الجمود داخل البرلمان، فحله خمس مرات منذ تولى قيادة البلاد. وهذا ما تأخذه عليه المعارضة اليوم، بعدما تتهمه بتعديل القانون الانتخابي ليأتي ذلك في صالح من تزكيهم الحكومة ليشغلوا مقعدًا في مجلس الأمة.

إلى ذلك، تحلى الشيخ صباح بميل ليبرالي يحسبه له نظراؤه من زعماء الدول الغربية، بعدما حضّ البرلمان على إصدار تشريع يمنح المرأة الكويتية حقوقها السياسية كاملة في العام 2005، فتمكنت منذ ذلك الحين من الترشح لمجلس الأمة والتصويت. واليوم، ثمة عشرات من النساء مرشحات عن دوائر عدة، ما سيتيح لهن لعب دور فعال في المجتمع الكويتي.