الدستور شعار يتمسك به العراقيون

لا يعرف العراقيون على من يعتمد السياسيون في خلافاتهم وخصوماتهم، فالمشهد السياسي الحالي المربك يشير الى أن التوافقات السياسية هي الفيصل في أي مشكلة تحصل، وفي أي قضية تحتاج الى احتكام وتقرير مصير، فيما اصبح الدستور مجرد أوراق عديمة الجدوى في أغلب الأحيان، لا يحتاجونه الا حين تتضارب مصالحهم.


بغداد: أعرب الكثير من العراقيين عن استغرابهم من تعامل السياسيين العراقيين اليومي مع بعضهم البعض والذي يرسم اشكالاً من الحيرة في نفوسهم، فهم على الرغم من ادعائهم الوطنية والإخلاص للشعب والتزامهم بالدستور، الا أن التوافقات في ما بينهم هي الغالبة، والتي تسير الامور عليها ، موضحين أن الاعتماد على التوافقات لا يبني الوطن، ولا يخدم العملية السياسية ولا الديمقراطية الناشئة في العراق، وأشاروا الى خيبة آمالهم في بناء دولة حديثة يسودها العدل ويحكمها الدستور، وقال البعض إن الاتفاقات للأسف أصبحت بديلاً من الدستور وإن التوافقات الحزبية والفئوية هي التي تقرر النتائج وفقًا للمصالح، فيما قال آخرون إن الدستور مهمش ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالدولة العراقية، بعد أن أصبحت التوافقات السياسية هي التي تلعب دورًا كبيرًا في استقرار وطمأنة العراق والعراقيين ولكن بشكل موقت .

ففي الوقت الذي قال فيه النائب خالد الأسدي، من ائتلاف دولة القانون إن التوافقات السياسية لا يمكن لها أن تتعدى الدستور مهما كانت، وليست لدينا القدرات على تجاوزه على الاطلاق، أكد النائب جمال البطيخ (العراقية البيضاء) على أن الدستور ليس هو من يتحكم بل التوافقات، فقال الأسدي: quot;هناك توافقات لا تتعارض مع الدستور كتشكيل الحكومة، وهو أن تشكل حكومة إئتلافية لا أغلبية، على الرغم من أن خيار الدستور يؤكد على تشكل حكومة أغلبية، وتشكيل حكومة إئتلافية لا يتعارض مع الدستور، لأن المطلوب تشكيل حكومة من اغلبية سياسية مبنية على نتائج إنتخابية، وهذا الخيارتم التوافقعليه لأنه لا يتعارض مع الدستور، وأضاف حتى في اتفاقية اربيل وضعنا بندًا يشير الى الدستور،وأول نقطة أشرنا اليهاأن هذه الاتفاقية وما ينتج عنها (يجب أن لا تتعارض مع الدستور) لأنه ليس من حق الكتل السياسية أن تخالف الدستور، لانه خط أحمر بالنسبة الى الجميع، ولا يمكن أن نتجاوزه على الاطلاقquot;.

أما النائب جمال البطيخ، الأمين العام للكتلة البيضاء، فقال: quot;في ظل التجاذبات السياسية والتناحرات العقيمة نقف عاجزين امام حل مشاكلنا، فيما متطلبات الاصلاح والبناء السياسي والاقتصادي تفرض وجود ارادة سياسية وطنية تسهل مرور مشروع بناء الدولة والمجتمع، لكن التوافقات السياسية هي من يتحكم ببناء الدولة العراقية وليس الدستور، فيما التزام سيادة القانون يعتبر أسمى مراحل بناء الدولةquot;.

ومن جهته، أعرب المواطن برهان حسن، موظف في أمانة بغداد، عن أسفه لما يحدث من تغليب للمصالح الشخصية على مصلحة الشعب، وقال: quot;انا اعتقد أن السياسيين لم يعد يهمهم البلد بقدر ما يهمهم ما يكسبونه، فأين الدستور، اذا كانوا في كل يوم يلجأون الى اجتماعات لتقرير مصير العراق، ما ذنب الشعب المظلوم أن يكون مخدوعًا بالسياسيين الذين يتباكون في النهار عليه وفي الليل يتآمرون، انا كمواطن عراقي أرى أن جميع الكتل السياسية أصبحت فوق الدستور، ولن يهمها حرف واحد منه واينما تكون مصالحها سوف تذهب إلى عقد اجتماعquot; .

أما نضيلة ابراهيم، موظفة في وزارة التربية، فقالت: quot;أي دستور هذا الذي تتحدث عنه، وأي شعب هذا الذي يحترمه السياسيون؟ صدقني اغلب السياسيين لم يقرأوا الدستور، ولا يعرفون ما فيه ويعتقدون أن ما يقولونه هو الدستور فتراهم يصرخون الدستور .. الدستور لكنهم في الحقيقة يضحكون علينا، لأن الدستور عندهم هو اتفاقاتهم الجانبية واتصالاتهم الهاتفية وعلاقاتهم الشخصية، وكل واحد منهم يكره الآخر، وكل واحد منهم يشتم الآخر، ويرفع صوته عاليًا لغاية في نفسه ولمصلحته فقط، فأي دستور يا عيني هذا الذي يحتكم اليه سياسيوناquot;.

وقال شهاب السوداني، موظف متقاعد: quot;من خلال متابعتي للأحداث خلال السنوات التسع الأخيرة، وجدت أن العراق سيبقى على هذه الشاكلة لسنوات أخرى، الى أن تتغيّر أحوال العراقيين وتأتيهم الكهرباء التي ستمنحهم استقرارًا نفسيًا، فينجح الأبناء في المدارس ويذهبون الى الجامعات، وهناك تتفتح عقولهم أكثر ويعرفون معنى حب الوطن، حينذاك يمكن أن تقول إن العراق سيكون له دستور ومجلس أمة حقيقيان، اما الان فلا اظن أن الساسة لهم علاقة بالدستور، لانهم كلما اشتهوا شيئًا ذهبوا الى الاتفاقيات، وحين يقال لهم: والدستور؟ يقولون لك (بلله واشرب ميه!!)، أو يقولون لك (الدستور غير مقدس) وأنه ليس (القرآن) وفي الحقيقة أن المقدس لديهم هو اجنداتهم الخارجية ومصالحهم الذاتية وما يكسبونه من الدولة العراقية وما يقبضونه من خزينة الدولة فيما نحن المساكين نقبض من (دبش!!) .

أما الكاتب جمال المظفر فقال: quot;لا شيء اسمه الدستور في السياسة العراقية، وانما هناك توافقات سياسية وصفقات تجري بين الكتل لحسم الملفات العالقة حتى تسير الأمور السياسية في البلد، والدليل أن بعض القضايا التي عدت من اختصاص القضاءتحسم وفقصفقات سياسية وليس ضمن القضاء، منها الاعتقالات والافراج عن المعتقلين quot;.

وأضاف: quot;المشكلة أن الساسة العراقيين يفسرون الدستور على هواهم وضمن ما يضمن مصالحهم وليس على أساس مصلحة الدولة، أو مصلحة الشعب، فنحن نعرف أن الدستور فيه مفردات أو فقرات مطاطية، فتحاول كل كتلة أن تفسرها وفق مصالحها الضيقة سواء الحزبية منها أو الفئويةquot;.

أما المحلل السياسي ماجد طوفان فقال: quot;المتتبع للعملية السياسية يلاحظ أن الدستور كتب عام 2005 وصوّت عليه اكثر من 12 مليون عراقي، لكن المفارقة أن الدستور ركن جانبًا وأصبحت الاتفاقات هيما يسيّر العملية السياسية، وكأن هذه الاتفاقات اصبحت بديلاً من الدستور، وبالتالي هذه الاتفاقات فيها مصالح لهذه الجهة أو لتلك الجهة، قد يتعارض الدستور مع هذه الاتفاقيات، وإن كان فعلاً الدستور يتعارض مع هذه الاتفاقيات، لذلك اصبحت العملية السياسية معقدة بسبب عدم وجود مرجعية ثابتة لهذه العملية السياسية، ناهيك عن أن الدستور فيه فقرات يشوبها الغموض الكبير وتحتاج الى توضيحات، وهذه التوضيحات لا بد أن تصدر من جهة محايدة، وانت تعرف أن هناك من يشكك في القضاء العراقي باعتبار أن المحكمة الاتحادية هي المرجعية لتفسير مواد دستورية، وفي المجمل، العملية السياسية مربكة ومعقدة باعتبار ان لا مرجعية سياسية للركون اليهاquot;.

وأضاف: quot;إتفاقية أربيل الأولى، انا اعتقد هي بديل من الدستور، الكل ينادي الآن باتفاقية اربيل ولا ينادي بالعودة الى الدستور كمرجعية للعملية السياسية برمتها، اتفاق اربيل الأخير أو الاجتماع الخماسي ينبع من مصالح شخصية لهذه الكتل جميعها، باعتبار أن الكرد يتمتعون بما يشبه الدولة داخل الدولة، وهناك تعسف على الدستور العراقي من قبل جميع الكتل السياسية، أعتقد أن الموضوع خرج عن كونه حراكًا سياسيًا الى صراع سياسي، ومن الصراع السياسي الى مسائل شخصية بين شخوص بعينهم، واذا ما اردنا أن نكون قريبين من الحقيقة، فالقضية محصورة بين السيد مسعود بارزاني والسيد المالكي، والى جانب هاتين الشخصيتين تتمحور شخصيات أخرى، والكل يريد أن يحصل على مصالح تهم كتلته أو مكونه السياسي أو المذهبيquot;.

وقال الصحافي مناضل التميمي: quot;يبدو أن الدستور مهمش، ولا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالدولة العراقية، نعم .. التوافقات السياسية هي التي تلعب دورًا كبيرًا في استقرار وطمأنة العراق والعراقيين، وليس غريبًا على المشهد السياسي العراقي أن السياسة لعبت دورًا كبيرًا في تهميش شرائح المجتمع، وأن السياسيين في عراك مستمر، عراك نفعي وشخصي، عراك فوقي ونرجسي، عراك يحمل كل الصفات والمواصفات اللاشرعية واللامعقولية واللامنطقية إن صح التعبير، فبالتأكيد التوافقات السياسية هي الآن الدينامو الذي يحرك كل اقطاب الحياة العراقية، التوافقات السياسية بالتأكيد القاطع الذييمسك بزمام الأمور في العراق، وفي كل الفعاليات والنشاطات التي ترتقي بوجه البلد، التوافقات السياسية هي التي تحكم العلاقات بين السياسيين والكتل السياسية والغريب أن الجميع يلجأ اليها، ويتحدث عنها تاركاً الدستور يئن من وجع الاهمال، العراق في وضعه الحالي يعيش على التوافقات وليس على الدستور، وهذا ما يخيفنا في تطلعنا الى المستقبل، لأن اهمال الدستور يعني تغليب المصالح الشخصية على حساب الفقراء والشعب بشكل عامquot;.

أما الكاتب حامد الحمراني فقال: quot;هذه هي مشكلة المشاكل للوضع العراقي الحالي، وقد بدأت المشكلة منذ تشكيل الحكومة على أساس التوافقات، والأحزاب الآن تريد الرجوع مرة أخرى الى اتفاقية اربيل وتعقد اتفاقًا جديدًا لا يعلم الا الله ما سيحدث فيه، ومن ثم تجتمع ضمن لقاءات تطلق عليها اسم (وطنية)، وفيها سيقول المجتمعونإن هناك قسمًا من القوانين أو المقررات المخالفة للدستور، ولكنهم ارتضوها كي تستمر العملية السياسية أو يقولون للناس إنهم فعلوا هذا الأمر وارتضوا بالتوافقات كي لا يداهم الخطر الوطن، أنا ارى أن الدستور هو الكفيل بإقامة دولة مؤسساتية تعتمد القوانين والدستور، وليس الاتفاقات السريعة والجانبية والوقتيةquot;.

وأضاف: quot;انا اعتقد أن هذا الحراك للأحزاب والذهاب والإياب، لو كان لمصلحة الشعب العراقي ومن أجل خدماته وتأهيل البنى التحتية، كان من الممكن أن يتعاطف الناس معهم ولكن المشكلة التي بات الناس يعرفونها أن كل هذه الازمة هي من أجل تقسيم الغنائم وعدم رضى بالغنائم ، وكلما اخذوا كلما ارادوا المزيد، وهذه هي المشكلة التي يعاني منها العراقquot;.