من الواضح أن الانتخابات العراقية، التي جرت في السابع من هذا الشهر، قد أفرزت وضعا عراقيا جديدا، بغض النظر عن اتجاهات هذا الوضع، ورغم ان النتائج النهائية لم تصدر بعد، إلا أن هنالك تقدما للقائمة العراقية، بزعامة الدكتور إياد علاوي، ربما تقدما ليس كاسحا، لكنه جرد حكومة السيد المالكي من إمكانية عودتها، أو ربما عودة رئيس وزرائها السيد نوري المالكي، وإن عاد ستكون عودته من موقع الأضعف في أي تشكيل حكومي قادم، ومع ذلك فإن هذا ليس موضوعنا، بل موضوعنا، هو الهجوم غير المسيوق الذي تعرض له السيد المالكي من قبل الإعلام العربي، بوصفه خيارا سياسيا إيرانيا، او بوصفه خيارا أمريكيا، فالإعلام السعودي، كان ولازال يركز على المالكي بوصفه خيارا إيرانيا، والإعلام السوري يصب جام غضبه على السيد المالكي بوصفه خيارا أمريكيا، معاديا للعروبة. كنت منذ أن هلت علينا محطات المصالحة العربية- العربية، قد كتبت أن الموقف من حكومة المالكي هي أحد بنود هذه المصالحة، والتي توجت بلقاءات تنسيقية بين القيادات في سورية والسعودية. وكان هذا التناقض في الموقف من حكومة المالكي، سببا جعل المصالحة العربية تتفق بسرعة على الموقف من الساحة العراقية. رغم أنه لم يفسر!
ومن المعلوم أن حكومة المالكي، كانت بصدد رفع دعوى قضائية دولية على الحكومة السورية بوصفها داعمة للإرهاب في العراق، على حد وصف السيد المالكي في أكثر من تصريح ولقاء، ومعه وزير خارجيته السيد هوشيار زيباري، وأجمعت التحليلات وقتها أن من أوقف هذا الإجراء كان تدخلا فرنسيا واضحا، تم أثناء زيارة السيد الرئيس العراقي جلال الطالباني إلى باريس حينها.

وفي هذه الأثناء كان الإعلام العربي يتابع هجومه على السيد المالكي بوصفه رجل إيران الأول بامتياز!
لاشك ان المالكي كان ولازال زعيما من زعماء حزب شيعي- الدعوة- ولم تتأثر زعامته بانشقاق الحزب، لكن المالكي كان يحاول أن يكون في حركته أكبر من حزب طائفي، ولو موضوعيا، وهذا أيضا أثار حفيظة طهران، وعليه فإذا كان المالكي خيارا إيرانيا، فماذا يكون دور المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة آل الحكيم، أو جماعة مقتدى الصدر؟ إنها خيارات إيرانية أفضل من المالكي، وهل يمكن اعتبار موقف حكومة المالكي في العلاقة مع النظام في دمشق، وهو الحليف الأقوى والأوحد للسياسة الإيرانية في المنطقة، موقفا إيرانيا؟

من الواضح أيضا، أن الدفاع عن سياسات المالكي، فخ يمكن للمرء أن يجد نفسه، يقف على أرضية أحزاب دينية وطائفية. ولهذا تحليلنا للأمر ينطلق من تحول السيد إياد علاوي إلى خيار عربي، بين ليلة وضحاها.

بالتأكيد للرجل ماض وحاضر أكثر علمانية، وأقل اقترابا من الصيغ السياسية الطائفية، إلا أن هذا لا يمنع مطلقا أن يكون خيارا أكثر إيرانية من السيد المالكي. يقول السيد إياد علاوي في مقالة له في صحيفة الشرق الأوسط قبل أسبوع عنوانهاquot; عراق ما بعد الانتخاباتquot; إن العراق لن يكون معافى وهو بعيد عن محيطه وعمقه العربي والإسلامي، فالعراق اليوم يعتبر أن كل دول الجوار هي دول معادية له، فالحكومة ضد تركيا، وضد سورية والأردن، والسعودية، وهذه مسألة يؤسف لها حقا، هذا من جانب.. ومن جانب آخر أصبح الانتماء العربي في العراق معيبا، وصارت مسألة من يدعي أنه ينتمي إلى العرب وهو جزء من العرب جريمة أو تهمة، في الوقت الذي أنا أؤمن فيه بأن قوة العراق من قوة المنطقة العربية والإسلامية، ونحن نأسف لابتعاد العراق عن محيطيه العربي والإسلامي وضعف دوره الدوليquot; ثم يتابع الدكتور علاوي بالقولquot;ونحن موقفنا واضح مع العلاقات الجيدة والمتوازنة المصالح مع تركيا وإيران ودول الجوار والعالم. وأشير هنا إلى أن هناك دعوة لي، حسبما أخبرت، لزيارة إيرانquot; من الواضح جدا أن خيار السيد علاوي العربي هنا، كان ومازال رافعة يحتاجها، لكي يجد الدعم العربي والإقليمي، لكي يعود كرئيسا للوزراء، وإيران ليست خارج الحسابات، علما أن الانتخابات الأخيرة هذه قد أوضحت رغم حضور التدخلات الإقليمية والدولية، فيها، أن المواطن العراقي قد أعطى مؤشرين هامين:
الأول- همه المعاشي ومعاناته اليومية. والثاني- أمنه من جهة، وخيبة أمله من الأحزاب الدينية والعشائرية، وتطلعه لدولة معاصرة يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

لهذا نجد أن كل الأحزاب الدينية قد تراجعت في نفوذها، داخل العراق رغم حمولتها الإقليمية.
أما الخطير في الأمر وما أظهرته أيضا هذه الانتخابات، ومحاولة القوى الإقليمية والدوليةquot; لبننة الحالة العراقيةquot; وبذلك..سنرى في العراق من قادم الأيامquot; من يكون عربيا الآن، وغدا إيرانيا، ومن يكون أمريكيا الآن، ويتحول إلى إيراني غدا..وتكر السبحة العراقية، والمستفيد من؟
لهذا لا نستبعد في الانتخابات القادمة أن يصبح السيد المالكي خيارا عربيا سوريا...! كما أصبح السيد علاوي الآن خيارا لا إيرانيا.

والخلل يكمن في الدستور العراقي والنظام الفدرالي- مع التحفظ على مفهوم الفدرالية هنا، لأنها فيدرالية خاصة، ولا يوجد لها شبيه في العالم- الذي لم تكرسه أمريكا إلا بموافقة النخب العراقية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وستبقى سيادة الدولة العراقية الوطنية ذات رجع نخبوي عراقي ضيق وصدى إقليمي ودولي ملغم بحروب أهلية، لن يدفع ثمنها سوى المواطن العراقي الذي وجه للعالم رسالة واضحة، أنه يريد عراقا ديمقراطيا سيدا وموحدا، أليس هذا ما نقوله وقلناه وسنبقى نعيد قوله عن لبنان؟
وبذلك هل السيد علاوي خيارا عربيا سوريا أم مصريا أم سعوديا؟ أليس لكل دولة عروبتها؟