طبيعة المجتمع العراقي المتنوع عرقيا وطائفيا ومذهبيا، جعلت من الحياة السياسية صعبة في هذا البلد مقارنة مع الدول الاخرى في المحيط العربي، فعندما يأتي الكلام على الامور المتعلقة بالعملية السياسية خصوصا مسألة الانتخابات وتشكيل الحكومة، تبرز لنا قضايا وطروحات اخرى تحد احيانا من الرؤى والطموحات الوطنية وتشكل عائقا امام سير العملية السياسية بمجراها الطبيعي.

هذا الوضع، أصبح هاجسا لدى العراقيين، فكلما يقبل العراق على انتخابات ما أو تشكيل حكومة أو حتى اقرار قانون مهم داخل البرلمان مرتبط بالمسائل السياسية في البلد، يتخوف المواطن من تدهور علاقات الساسة والاحزاب ببعضم وانعكاس ذلك على الاعلام والأوساط السياسية مما قد يؤدي بالتالي الى تدهور الوضع العام برمته، عند ذلك لا يبقى لنا العراقيين الا الترقب والتطلع الى تليين قلوب و لسان الساسة عند خطبهم المصيرية عن القضايا السامية! و عند تبادل الحوارات أو التحدث عن المسائل الشائكة.

من بين كل هذه المخاوف التي تكتنف العملية السياسية وتشل الحياة العامة، يبقى دائما أمل لتجاوز كل هذه الاشكاليات عن طريق تقريب وجهات النظر المختلفة جدا وخلق جو من المودة والتفاهم وجمع الكل حول طاولة واحدة وذلك من خلال وساطة داخلية لكن من طراز ثقيل التي عادة ما تؤدي بالنتيجة الى الخروج بموقف على الاقل يضمن تفكيك الاحتقانات السياسية والطائفية لبعض الوقت واستمرار سير العملية السياسية وايجاد قناة حضاري للحوار بين قادة الكتل والقوى السياسية الذين يحبذون حل المسائل الشائكة لكن ليسوا مستعدين للجلوس على طاولة واحدة للاجتماع والحوار!

هذه الوساطة، التي دأبت منذ الاطاحة بالنظام السابق على تقريب الفرقاء المختلفين وحثهم على وضع مصلحة البلاد العليا فوق كل الاعتبارات الاخرى، اصبحت اليوم من أكثر الوسائل الضرورية والمهمة لتجنب انزلاق البلاد نحو هاوية كارثية وحماية المكتسبات واصبحت بنظر الجميع صمام الامان للعراق الجديد التي جعلت من تدخل الوساطات الخارجية وسيلة ثانوية غير ضرورية للشؤون الداخلية وحل العقد في احوال كثيرة، فقد عمل ولايزال جلال الطالباني الذي دخر كل طاقاته في سبيل وئام وتعاون وتعايش الجميع في العراق على وفق مبدأ شدة الورد والتوافق بين من لهم رؤى وتوجهات مختلفة، على لملمة النخبة السياسية المتشتتة بغية توحيد الصفوف والوصول الى الهدف الأسمى، ونجح حتى الآن من لعب الدور الرئيسي لخلق الارضية المناسبة لطرح الحل الوسط للمشاكل والمسائل العالقة.

تجاربنا مع هذا السياسي العتيد، يجعلنا متفائلين بنجاحه هذه المرة أيضا في تجاوز الخلافات بين المعسكرات السياسية المختلفة، اذ ظهرت بوادر أسباب هذا التفاؤل في مبادرته عند دعوة الجميع للغذاء السياسي الذي نظمه الخميس الماضي (20/5) في قصر السلام ببغداد وكان بمثابة فتح قناة للحوار والتفاهم، لذا فالكرة الآن في ملعب قادة الكتل المتنافسة وعليهم تلبية مغزى هذه المبادرة اذا كانوا فعلا حريصين على أهمية الاسراع بتشكيل الحكومة كما يؤكدون عليها في خطبهم وتصريحاتهم.

كاتب وصحفي كردي

السليمانية