quot; قبل أيام، أيدت الغالبية الحكومية الكاسحة في مجلس الشعب المصري مشروعا حكوميا يقضي بمدّ حال الطوارئ سنتين أخريين، على أن يقتصر تطبيقها على حالات مواجهة اخطار الارهاب وتمويله وجلب وتصدير المواد المخدرة والاتجار فيهاquot;. وقد واجه هذا القرار حركة احتجاج قوية، أعلنت معارضتها لذلك التمديد في مجلس الشعب وفي الشارع، واعتبرت أن ادعاءات الحكومة في تحديد مدة تطبيق القانون بسنتين وحصر مجاله بالإرهاب والمخدرات ليست أكثر من quot;مجرد عملية تجميل لا تغير شيئا ولا تخفف ثقل قيود الطوارئ على الحريات العامة وتسميمها للبيئة السياسية في البلادquot; وعلى الرغم من وصف ملاحظين حقوقيين لموقف الحكومة المصرية بأنه quot;محاولة مكشوفة لذر الرماد في العيون، والالتفاف على اجماع كل القوى الحية في المجتمع حول مطلب الالغاء الفوري للطوارئquot;.لكنهم أقروا بأن اهتمام المسؤولين المصريين بتبرير تجديد العمل بالطوارئ هذه المرة quot;مؤشر لشعورهم بتنامي الضغوطquot; عليهم. حدث هذا في مصر، ونقلت الضجة المرافقة له القنوات الفضائية، فشاهدنا وشاهد العالم صور الحراك المجتمعي والصراع السياسي المصري حول ذلك. إذ شارك في حركة الاحتجاج تلك 101نائبا، وصحف واقلام عديدة، إلى جانب اعتصامات جماهيرية علنية رفعت لافتات التنديد بقرارتمديد حالة الطوارئ، وطالبت بالتغيير الديمقراطي والإصلاح على كافة المستويات. وقد اشتبك رجال الشرطة مع المعتصمين ومنعوهم من تجاوز الحواجز حول مجلس الشعب.لكن لم يجر اعتقال أحد منهم، ولم يجر اتهامهم بإضعاف الشعور القومي أو غيرها من التهم المماثلة على جري العادة في أكثر من بلد عربي! بالمقابل، هناك صمت مطبق حول حالة الطوارئ المطبقة في سوريا، وهي مستمرة في بلادنا منذ سبعة وأربعين عاما بدون انقطاع ولا تحديد، ولم يجرعليها أوعلى قانونها أي تعديل.


تتساءل افتتاحية موقع إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي، عن سر الضجة التي رافقت الحديث عن قانون الطوارئ في مصر، مقارنة مع الصمت المطبق على قانون الطوارئ في سورية؟


المجتمع المصري يغلي بالديمقراطية، وتتفتح قواه الحية في ظل الحرية النسبية مقارنة في بقية البلدان الشرق أوسطية، وهذه الديمقراطية النسبية وحريتها، مقوننة في مصر، حتى طوارئها القديم والجديد مقونن، هذا أمر يجب توضيحه، وعدم نكرانه والالتفاف عليه، بينما نحن في سورية، لا طوارئنا مقونن، ولا هامش الحرية الطفيفة مقونن أيضا، هذا الهامش الموجود الذي يعبر عن استراتيجية أمنية أكثر منها قانونية، يجعله لخدمة السلطة دون خدمة المجتمع السوري، بعكس مصر تماما، لا يستطيع النظام في مصر، حتى لو أراد أن يلغي ما تحقق ديمقراطيا في مصر، وأعتقد أيضا أن الطوارئ في مصر هي جزء من استراتيجية سياسية أكثر منها أمنية. والتي ينقصها بندين دستوريين رئبسيينquot; الأول- إلغاء حصر دين رئيس الدولة بالإسلام، لأنه يحمل تمييزا ضد المواطنين المصريين من غير المسلمين، والثاني محاولة إنهاء القيود السياسية المفروضة وبعض العراقيل البيروقراطية على من يترشح لرئاسة الدولة المصريةquot;


في مصر حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات والمعتقد، مكفولة دستوريا، ولا يستطع قانون الطوارئ خاصة بعد تعديله أن يمس بها. حرية التظاهر والاحتجاج وكافة أشكال النضال الديمقراطي متاحة ومكفولة أيضا دستوريا. من وجهة نظري أن الوضع المصري لا يقارن بالوضع السوري، أما الحرية النسبية التي رافقت مجيء الرئيس بشار الأسد إلى السلطة، فهي بيد أجهزة الأمن وليست بيد الدستور والقانون. رغم أن هذه الحرية النسبية لا تقارن بعهد الأسد الراحل، إلا أنها بقيت تدار بطريقته. نعم ما يتمتع به المثقفين السوريين وكتاب سورية الآن من هذا الهامش غير المقونن، لا يقارن بقمع العهد السابق. الأمر الأهم في سورية، أن كل ما يتعلق بطبيعة النظام السياسي وممارساته، محمية بلا قانونية قانون الطوارئ السوري. تستطيع السلطة وأجهزتها القمعية بلمحة بصر أن تحول هذا الهامش الضعيف والنسبي من الحرية إلى زنزانة بحق أي مثقف أو كاتب سوري، أو ناشط حقوقي. وليس أدل على ذلك الاعتقالات الانتقائية المستمرة، ومنع ألوف النشطاء والمعارضين من السفر، وقطع أرزاقهم وترك مصيرهم أحيانا عرضة لمزاج المسؤول الأمني في كل منطقة على حدا. السبب أن السلطة السياسية في سورية، لا تستطيع أن تكون سلطة قانونية حتى بقانون طوارئها. في مصر تستطيع العديد من الجهات مراقبة قانون الطوارئ، ومحاكمته علنا في محاكم مصرية، أما في سورية، فهذا امر لا يمكن المساس بلا قانونيته. عشرات النواب معارضين شرسيين للنظام المصري، ومؤسسات المعارضة المصرية ومنظمات مجتمعها المدني وصحافة العرب كلها تراقب الوضع المصري، وهو في حالة انكشاف تام أمامها، أما في سورية فهذا المجال مغلق ومسكوت عنه تواطأ من معظم وسائل الإعلام العربية.


وكما يقول ميشيل كيلو المفكر السوري والخارج حديثا من المعتقلquot;أوجد قانون الطوارئ تغطية قانونية لقمع الخصوم الداخليين، واستخدام العنف ضد المواطنين، وحول- السياسة الطوارئية- إلى فسحة تعج بحالات استثنائية معادية لأية حال طبيعية، ولاغية لأي تعاقد أو أثر من تعاقد بين الدولة والشعب، ولأي قانون دستوري يمكن أن ينظم علاقات ومصالح وأدوار مكونات المجال الوطني، ويحفظ حريتها ووجودها، وأية رقابة على السلطة وأجهزتها، وأية مساءلة قانونية لأركانها، وأي فصل حقيقي وملموس للسلطات الثلاثquot;.
وكيلو يتحدث عن قانون الطوارئ عموما ولكن ما يميز قانون الطوارئ السوري عن غيره: أنه يستخدم أكثر ما يستخدم بشكل لا قانوني، وهذه مصيبة خطيرة مضافة إلى مصائب وجود قانون الطوارئ نفسه، لأنه في سورية يتم التعامل معه بشكل سري وكأننا في حالة حرب، ويجب ألا يعرف العدو، متى يعتقل ومن يعتقله وبأي سند قانوني، والأهم أنه حتى لو عرف لا يستطيع أن يحاسب أحدا، وهنا بيت القصيد غياب أية رقابة على قانون الطوارئ السوري، يجعله غير قانوني، ويكمل هذه المسرحية السوداء تواطؤ الإعلام العربي والعالمي مع الحالة اللاطوارئية في سورية، أما في مصر فالرقابة قوية على قانون الطوارئ.