قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مرة أخرى يعاد ملف تعويضات الحرب العراقية الإيرانية الشرسة الطويلة 1980/1988 للواجهة الإعلامية وهي التي كانت أطول حرب إقليمية في تاريخ العالم المعاصر كما كانت خسائرها البشرية و المادية رهيبة للغاية أدت لتحطيم الركائز الأساسية لإقتصاديات العراق و إيران ودول المنطقة و تسببت بحالة فظيعة من التكسيح السياسي و العسكري إنعكست آثاره السلبية من خلال تمدد القوة العسكرية الإسرائيلية التي إستطاعت تحت جناح وظلال تلك الحرب المنسية من تحقيق العديد من المتطلبات الستراتيجية الإسرائيلية و منها طرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد إحتلالها في صيف عام 1982 وفي نفس الوقت الذي شهدت فيه جبهات الحرب العراقية الإيرانية تصعيدا خطيرا تمثل في نقل العمليات العسكرية الإيرانية للعمق العراقي بعد إنسحاب القوات العراقية من المدن الإيرانية بعد الهزيمة العسكرية العراقية في المحمرة في ربيع 1982 ولجوء النظام العراقي وقتها لعرض إيقاف العمليات العسكرية و اللجوء للمفاوضات ولقرارات مجلس ألأمن الدولي ذات الصلة وهو الأمر الذي رفضه النظام الإيراني الذي أصر على مواصلة الحرب حتى تحقيق الشروط الإيرانية التي كانت تتمحور حول إعتراف النظام العراقي بمسؤوليته عن بدء الحرب و دفعه للتعويضات الحربية وشرط ثالث تعجيزي في موازين العلاقات الدولية وهو تغيير النظام العراقي و إقامة البديل الإسلامي وفقا للرؤية و النموذج الإيراني!! وهو شرط يعلم الإيرانيون جيدا بأنه لا يمكن أن يتحقق أبدا! لكون الإصرار على إستمرار الحرب كان يمثل مكسبا ستراتيجيا للنظام الإيراني لأنه سيضمن حشد الجبهة الداخلية و توحيدها وضمان إستمرارية تعبئة المستضعفين إضافة إلى كون إستمرار الحرب يشكل فرصة تاريخية و لوجستية مهمة للغاية للنظام الإيراني للتخلص من كل أطراف المعارضة الوطنية و الديمقراطية الإيرانية التي دخلت في حرب شوارع مع النظام وحيث تم التخلص من قيادات المعارضة سواءا في الجبهة الوطنية القديمة أم من جماعة مجاهدين خلق التي لجأ قادتها و معهم الرئيس الأول للجمهورية الإيرانية الدكتور أبو الحسن بني صدر للخارج منذ عام 1981 وهو العام الذي شهد أحداثا داخلية إيرانية جسام تمثلت في مصرع و إغتيال كبار قادة الحزب الجمهوري الإسلامي وفي طليعتهم آية الله بهشتي في إنفجار رهيب في مقر الحزب، ثم إغتيال كل من رئيس الجمهورية الثاني محمد علي رجائي و رئيس الوزراء محمد جواد باهنر في أغسطس 1981 أعقب ذلك مصرع جميع قادة الجيش الإيراني من وزير الدفاع لقائد الطيران لضباط آخرون في سقوط طائرتهم العسكرية في مدينة ( عبادان ) في سبتمبر من ذلك العام، إضافة لسلسلة من عمليات الإغتيال ضد رجال دين إيرانيين مرتبطين بالنظام، لقد كانت تدور رحى حرب داخلية طاحنة لم يكن يخفف من وطأتها سوى حشد الرأي العام المحلي ضد عدو خارجي و إشغال الجيش الإيراني في حرب حدودية بعيدة عن مشاكل الداخل إضافة لبناء مؤسسة عسكرية رديفة و بديلة يكون ولائها للنظام فقط لا غير وكانت مؤسسة الحرس الثوري التي كانت جبهات الحرب الشرسة ضد العراق ميدانها التأسيسي و التدريبي الأمثل!، ومن هنا كانت المقولة السابقة للإمام الراحل الخميني و التي كانت ( الخير فيما وقع )! حينما تم إبلاغه بأن النظام العراقي قد بدأ الحرب ضد إيران في 22 سبتمبر 1980 تكتسب بعدها الستراتيجي!، ومؤخرا أعلن أحد أعضاء مجلس الشورى الإيراني ( البرلمان ) عن دعوته للحكومة الإيرانية لتفعيل ملف المطالبة بطلب تعويضات الحرب من العراق و التي قدرها المؤمأ إليه بحوالي ألف مليار دولار!! وهو مبلغ رهيب و خرافي لا يمكن تصوره بسهولة و لا حتى إستيعاب واقعيته، نعم صحيح أن نظام صدام حسين كان قد بدأ الحرب بعد شهور طويلة من التوتر السياسي و العسكري و بعد قيام النظام الإيراني بتفعيل و تنشيط خلاياه السرية و العقائدية المرتبطة به كأحزاب الدعوة الإسلامية و العمل الإسلامي و غيرها ووقوف الإعلام الإيراني وقتذاك بشكل محرض ضد نظام الحكم في العراق الذي وقع يومها تحت هيمنة شخص واحد هو صدام حسين الذي نكل بالقيادة البعثية و اعدم عددا من قياداتها و أبعد الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر في إنقلاب قصر دموي مشهود في السادس عشر من تموز 1979 و شرع وقتها في بناء نظام فاشي تجاوزه الزمن يتمحور حول القائد الواحد الأحد و أرتبط بمشاريع دولية و إقليمية كانت معدة و جاهزة للتنفيذ منذ سنوات سابقة ودخل نظام صدام في مباحثات سرية مع الجانب الأمريكي في العاصمة الأسبانية مدريد في تموز/ يوليو 1980 لإكتشاف سبل التعاون و التنسيق المشترك مع الولايات المتحدة التي لم تكن لها حينذاك علاقات دبلوماسية و لا سفارة مع العراق ! في تلك المباحثات السرية التي رأس الجانب العراقي فيها مدير ألأمن العام الأسبق الدكتور فاضل البراك ( أعدم فيما بعد بتهمة العمالة لمخابرات ألمانيا الشرقية ( ستازي ) ) و الجانب الأمريكي عضو الكونغرس الأمريكي وقتها ورئيس لجنة التسلح فيه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الذي إسقط النظام العراقي فيما بعد! تم الإتفاق على الخطوات و اللمسات النهائية للحرب مع إيران كما تم الإتفاق على جملة من التوافقات المؤجلة و التي لم تحسم وقتذاك و كان من بينها و أخطرها ( ملف الكويت ) وهو الأمر الذي أشرنا إليه في مقالات سابقة نشرناها في العام الماضي على حلقات لملفات سرية لم يكشف عنها النقاب!، المهم إن النظام الإيراني وقتذاك كان قد وفر الأرضية المناسبة و الممهدة للحرب مع العراق وهي حرب كان يندفع لها الجميع وكل حسب أهدافه و تصوراته و أجندته، فنظام صدام و تحت تأثير أوهام القوة الزائدة وضعف التقويم الحقيقي لعناصر القوة الإيرانية تصور بأن الحرب ستكون نزهة و لن تختلف عن الحرب الإسرائيلية في حرب الأيام الستة في 5 حزيران 1967 حينما شل السلاح الجوي الإسرائيلي قدرات القوة الجوية المصرية و السورية بضربته المفاجئة التي كسحت بالكامل نظام القيادة و السيطرة وحسمت المعركة منذ ساعاتها الأولى و أدت لإحتلال سيناء و الجولان و القدس الشرقية و كل فلسطين التاريخية، أما الحرب ضد دولة واسعة كإيران فهي مغامرة لجيش عراقي يعتمد على مؤونة بشرية لشعب صغير محدود الموارد، كان نظام صدام بتوجيهاته الستراتيجية يتصور بأنه سيتخلص من عار توقيع إتفاق الجزائر الحدودي لعام 1975 الذي تخلى العراق بموجبه عن حقه في السيادة على نصف شط العرب بسبب تداخلات المعركة مع الأكراد وقتذاك؟ ولكن رؤيته الستراتيجية كانت قاصرة بالكامل و لم يحسب للموقف حساباته البعيدة كما أن إتخاذ القرار من قبل فرد واحد مهما كانت قدراته هو أمر كارثي؟ المهم إن ماحصل قد حصل و دخل العراق المعركة مع إيران التي كانت بحاجة ستراتيجية ماسة و ملحة لتلك الحرب التي عززت من صمود النظام و أظهرت المعارضين الإيرانيين الوطنيين بصفة الخونة و أعداء الشعب بعد إستثارة المشاعر القومية الإيرانية بعد تغليفها بغلاف مستوحى من المأساة الكربلائية ! و تميز العامان الأولان من الحرب بمعارك تعرضية بلغت الذروة إعتبارا من أواخر عام 1981 بعد فك حصار عبادان في خريف ذلك العام ثم توجه الستراتيجية العسكرية الإيرانية لحرب إستنزاف شرسة تمثلت في تقطيع أوصال الجيش العراقي الموجود في بعض مناطق عربستان بهجمات إنتحارية عبر أسلوب الموجات البشرية بلغت الذروة مع عمليات ( الفتح المبين ) في مارس / آذار 1982 وحيث تم بداية الإنهيار العسكري العراقي في العمق العراقي و تم أسر عشرات الألوف من العراقيين ومقتل الآلاف أتبعها عمليات ( القدس ) التي إستعادت المحمرة ووصلت القوات الإيرانية للحدود الدولية فيما إستكمل العراق إنسحابه الكامل من العمق الإيراني مجددا عرضه لوقف الحرب و اللجوء للتفاوض وهو ما رفضه الجانب الإيراني الذي أصر على مواصلة الحرب ( المقدسة ) حتى إسقاط النظام العراقي و إقامة البديل الإسلامي الجاهز!! وهو مطلب مستحيل التحقيق، ففي النهاية هنالك موازين و أطر في العلاقات الدولية لا يمكن التحلل من إلتزاماتها، لقد تورط النظام العراقي فعلا وتاريخيا في البدء بالحرب رغم أنه ما فتأ يعلن بأن الحرب كانت وقائية بسبب التدخل الإيراني الواسع المدى في شؤون العراق الداخلية، ولكن إستمرار الحرب و إطالتها لستة أعوام أخرى و تسببها بخسائر بشرية ومادية مروعة في العمق العراقي إعتبارا من يوم 14 تموز/ يوليو 1982 حينما شن الإيرانيون سلسلة عمليات كربلاء في شرق البصرة بهدف إحتلال مدينة البصرة الجنوبية و إعتبارها نقطة التحرير بعد إقامة حكومة عراقية دينية عميلة للإيرانيين ثم نقل الحرب لشمال العراق عبر السيطرة على مندلي و خانقين و جبل كردمند و تحويلها لوسط العراق في حدود مدينة الكوت إضافة للتغيير التعبوي الكبير في إحتلال إيران لميناء الفاو الستراتيجي و الإطلالة المباشرة على مياه الخليج العربي في فبراير 1986 كانت جميعها لحظات تحول و إصرار إيرانية تاريخية على المضي بالحرب حتى النهاية ورفض جميع الوساطات الدولية وقرارات الأمم المتحدة و من بينها قرار 598 إلى أن أجبرت المتغيرات الدولية و الهجمات العراقية المضادة بعد إعادة تحرير الفاو في ربيع 1988 و التهديد الحقيقي بضرب العمق الإيراني و الحواضر البشرية المهمة في إيران بالسلاح الكيمياوي على إعتراف النظام الإيراني بعبثية الإستمرار في الحرب و بتجرع كأس السمو و بقبول تطبيق قرار وقف إطلاق النار سالف الذكر في أغسطس 1988 أي بعد ستة أعوام كاملة على نقل الحرب للعمق العراقي دون تحقيق نتائج سوى مزيد من الخسائر البشرية و الإقتصادية المهولة التي لم يكن لها أي داع، فالأهداف الإيرانية الستراتيجية من إطالة أمد الحرب لم تتحقق لذلك كان الأمر بمثابة هزيمة حقيقية رغم أن الهزيمة قد أحاقت بجميع الأطراف، فتلك الحرب كانت خاطئة منذ البداية و عليه فإن مطالبة العراق بدفع التعويضات لا ينبغي أن تشمل فترة السنوات الست المضافة التي رفض الإيرانيون خلالها وقف الحرب، بل تشمل العامين ألأولين حتى يوم الإنسحاب العراقي من العمق العراقي بعد ذلك على الإيرانيين تحمل نفقات و تعويضات الأضرار العظيمة و الرهيبة التي لحقت بشباب العراق المدفوع دفعا نحو الحرب و للمدن العراقية التي خربتها مداف وصواريخ آيات الله كالبصرة و ميسان وواسط و مدن شمال العراق، وعلى الحكومة العراقية أن تدير ملف المفاوضات مع الإيرانيين بأسلوب واقعي و مسؤول بعيدا عن العاطفة و مشاعر الولاء أو التخادم لكون العراق متورط بشبكة رهيبة من التعويضات مع الكويت بسبب الغزو العسكري المباشر و الذي فرض عليه إلتزامات تعويض مالية ضخمة للكويت يمكن مناقشتها و حلها ضمن إطار حكومتي البلدين بشفافية و مسؤولية و بمصلحة قومية مشتركة أما تعويضات إيران فالوضع مختلف بالمرة لأن آلة الحرب الإيرانية قد دمرت العراق طيلة ستة أعوام دموية كاملة وعلى الإيرانيين تحمل نصيبهم من التعويضات بعد حسم تلك المترتب على العراقيين دفعها؟ إنه ملف واضح لا يحتاج لعبقرية قانونية في الإجتهاد و الإستباط... و بعكس ذلك فإن الأمر برمته ليس سوى مهزلة كبرى صيغت مفرداتها بدماء الشعب العراقي البريء من جرائم و موبقات نظام صدام حسين و الذي يتعرض اليوم لحرب إبادة حقيقية ليست إيران ببعيدة عن خلفياتها المرئية..!.

nbsp;

[email protected]