قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ان قراءة موضوعية وغير منحازة للأحداث التي تشهدها تونس تستدعي ولاشك البحث في جذور الأزمة وهي تقود الى الحديث عن انعدام الفسحة الديمقراطية في الحياة السياسية، وتفشي ظواهر الفساد والمحسوبية وتمركز التروة في أيدي فئة صغيرة جدا من المقربين من مركز الحكم.

فالأزمة في جذورها ترتبط مباشرة بهذين العاملين، فمجرد الاعتراض على الشروط الاقتصادية كان بامكانه أن يأخذ طابعها سلميا لا يقود الى أساليب عنيفة كحرق النفس او الإضرابات لولا خنق حرية التعبير.
ان القضايا الجوهرية التي تستحق الى مراجعة جذرية في تونس مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبعد الاقتصادي والبعد السياسي، ولنأخذ على سبيل المثال قانون quot;الأمن الاقتصاديquot; والذي صادق عليه البرلمان التونسي مثالا فبموجب هذا القانون تم تجريم كل تونسي يتعمد أجراء اتصالات مع جهات أجنبية للتحريض على الإضرار بالمصالح الحيوية للبلاد، فاذا كان التجريم هو الغطاء quot;القانونيquot; لقمع الأصوات المعترضة على الفساد الاقتصادي، وان كانت المصالح الحيوية للبلاد تقررمن قبل الفئة التي تمسك بزمام الأمور الاقتصادية، وإذا كانت السلطات التونسية قد جردت الحياة السياسية من الحريات الشخصية، فان أسباب اندلاع الإحداث في سيدي بو زيد وغيرها لا يمكن إحالتها إلى السياسة الإعلامية في تونس فذلك سيبدو تحليلا فنطازيا، ولا يمكنه ان يأخذ طابعا واقعيا الا اذا كان الهدف من ورائه تقديم طلب وظيفة اعلامية حكومية.

بقول آخر أن المشكلة الجوهرية لا تكمن بأي وجه من الوجوه في ضعف أداء مسؤولين إعلاميين لم يعرفوا كيف يتعاملوا مع وسائل الإعلام العربية والدولية كما يحلو للبعض ان يصور ذلك، في موقف موقف منهم يكاد يكون منسجما مع الموقف الرسمي الحكومي،فالفساد الاقتصادي واحتكار المشاريع الاقتصادية من قبل جهات فئوية مقربة من مركز الحكم وقمع الحريات الشخصية تضافرا في تأجيج الأزمة.

ومضحك جدا ان يعترض كاتب تونسي على القنوات الفضائية العربية لأنها قدمت أحداث سيدي بوزيد في نشراتها الرئيسية على أحداث فلسطين وصومال الدامية،اذ ان طرحا من هذا القبيل يجعلنا نتخذ من أحداث أخرى ذريعة لتجاهل المطالب الجماهيرية المشروعة.


ويبدو أن بعض الكتاب التونسيين قد وقع في قراءة خاطئة للأحداث الأخيرة، إذ لم يقتنع هذا الصنف بوجود أزمة حقيقية حتى مع انضمام النقابات الصحفية والحقوقية لحركة الاحتجاج، ويمكن اعتبار التحليل الذي يقدمه السيد خالد شوكات مثالا جيدا على هذا الصنف من الكتاب إذ يرى شوكات أن المشكلة الأساس فيما حدث يرتبط بالسياسة الإعلامية في تونس على المستويين العربي والدولي، وبذا تختصر الأزمة برمتها برفض المسؤولين الإعلاميين في المشاركة في البرامج الإعلامية و الناطقين غير الرسميين الذين يصفهم شوكات بأنهم ملكيين أكثر الملك.

قد نتفق مع السيد شوكات ان هناك وسائل إعلام خارجية استغلت الأحداث، ولكن ملاحظتين جديرتين بالاهتمام في هذا الصدد،أولهما ان الاستغلال الإعلامي لا يتنافى مع وجود أزمة حقيقية على صعيد الحريات السياسية في تونس،والتطرف في إحالة الأزمة بمطلقها الى وسائل الإعلام هو أقرب الى المنطق التآمري الذي قد عفا عليه الزمن، وثاني الملاحظتين يرتبط بالحلول الاعلامية التي يطرحها السيد شوكات اذ ان حركة التحرير وخصخصة الإعلام التي يدعو اليها السيد شوكات قد نفذت منذ أعوام في تونس ولكن على الطريقة ذاتها التي تسلخ فيها المصلحة العامة في تحت أقدام المصلحة الفئوية الضيقة فثمة العشرات من الصحف والإذاعات والقنوات التونسية التي يملكها أفراد مقربون جدا من مركز الحكم وأعتقد ان الاشارة اليها كانت ضرورية مادام السيد شوكات قد تهجم على مالكي صحف وقنوات احتكروا صورة تونس وو صفهم بالشخصيات الباهتة..

ليس الإعلام العربي ولا الأجنبي هو ما يهدد تونس والحديث عن صورة تونس في الخارج هو ضرب من ضروب النرجسية الوطنية فتونس هي أكثر بلد عربي يحظى بصورة أكثر ايجابية من واقعه في الاعلامين العربي والعالمي، كما ان تعديل السياسة الإعلامية لا قيمة له أن لم يكن مقرونا بإيجاد حلول حقيقية للأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

إن الدرس الأساسي الذي يجب أن تستقيه القيادة التونسية quot;ما بعد أحداث سيدي بوزيدquot; لا يلخص بأي نحو في المجال الإعلامي،ولا بتشجيع المسؤولين السياسيين على التعاطي مع الوسائل الإعلامية،إذ أن مشاركة وثقة بهذا المعيار من الأجدر أن يكون نصيب المواطن التونسي وفي ذلك يكمن التحدي الذي يواجه القيادة التونسية.