يطمح الشعب السوري، بمختلف طيفه السياسي وفسيفسائه الاجتماعي، بغد افضل ويتطلع الى مستقبل مشرق، كغيره من الشعوب، التي تنعم بالديمقراطية والمساواة وحقوق الانسان، وكذلك بدخل وطني يؤمن الحدود الدنيا، من العيش الرغيد والحياة الهانئة، بعيدة عن التسلط واهدار الكرامة والمستقبل المظلم او المجهول على احسن تقدير.

فسوريا منذ ان وصل حزب البعث الى سدة حكمها، في انقلاب الثامن من آذار العام 1963، اصبحت مزرعة للسلطات المتعاقبة شيئاً فشيئاً، وسادها شريعة الغاب. حيث كان ولا زال يأكل القوي فيها الضعيف، ويهشم رأسه متى يشاء، دون ادنى اكتراث بالقيم والقوانيين والحقوق والواجبات، وما الى ذلك من امور، لا تنطبق في البلد على الكثيرين، من الحاشيات والازلام المحسوبين على هذ الجهة او تلك، والذين يصولون ويجولون ويفعلون ما يشاؤون.

ورغم ان الالفية الجديدة، حملت في طياتها الكثير من التغييرات، في مناطق شاسعة من العالم، بعد ان دخلت البشرية الى عصر العولمة. الا ان سوريا ظلت منزوية في زاويا مظلمة وحالكة، وبمنأى عن مختلف ما جرى للعالم، منذ تسعينييات القرن المنصرم، ابان انهيار اعتى واكبر الديكتاتوريات كـ الاتحاد السوفياتي السابق ومعظم دول اروبا الشرقية، والتي تكللت بتحطيم جدار برلين، الذي دشن مرحلة جديدة، عنوانها احترام حقوق الانسان وقيم العدالة الاجتماعية.

ان النظام السوري، يجب ان يُسرع الخطى نحو اصلاحات جذرية حقيقة، ان اراد البقاء اكبر قدر ممكن من الوقت بمنأى عن ما يجري حوله. الا انه كما يبدو للمراقبين، فأنه حتى اللحظة ربما غير مكترث بما يحدث من حوله، او الاصح فأنه يبدو مرتبك ارباكاً شديداً، ولا يعلم من اين يبدأ بالتغييرات، بسبب تراكم الاخطاء وكمّها الهائل. فالفساد منتشر ومتغلغل في كافة مفاصل الدولة، والكل يبحث عن منفذ او بصيص امل ليتعاطى هذه الآفة، لانها في سوريا اصبحت موضة العصر، وتُحسب شطارة ونصرٌ كبيرين للمرء اذا استطاع الفوز بصفقة فاسدة، اياً كان حجمها وشكلها ولونها ورائحتها.

اما الحريات الشخصية و الديمقراطية، فحدث ولا حرج، اذ ان السوريون يعيشون تحت وطأة قانون الطوارىء والاحكام العرفية منذ ما يقارب النصف قرن، دون اية اسباب وجيهة، سوى افساح المجال لاجهزة النظام الامنية، لتعتدي على الناس كيفما شاءت وحيثما اتفقت، ولاطلاق يدها في كل شاردة وواردة، لدرجة تحولت معظم هذه الاجهزة، ادوات السلطة في ترسيخ الفساد، ونهب قوت الناس، وسلب ارزاقهم.

اما تداول السلطة بشكل حضاري وسلمي، كما عليه الحال في بلدان العالم، فلم يراها اجيال كثيرة من السوريين، منذ اكثر من اربعة عقود من الزمن، حيث لا وجود لانتخابات في البلد على كل المستويات. فقائمة حزب البعث والمتحالفين معها من احزاب الجبهة الحاكمة (الكرتونية اذا جاز التعبير) هي الفائزة دائماً وابداً في سائر مؤسسات الدولة بنسبة 99، 99 %. فضلاً عن المصائب المتواجدة في الدستور، الذي يعتبر حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، اضافة الى اعتباره كل من يتواجد على الارض السورية عرب اقحاح، رغم وجود اكثر من ثلاثة ملايين كردي يعيشون في سوريا منذ تأسيسها، ويعدون ثاني اكبر قومية في البلاد بعد القومية العربية.

ان معظم العقلاء والساسة والقادة الكرد في كردستان سوريا، وكذلك المجلس السياسي الكردي الذي يضم تسعة احزاب كردية، يعتبرون الكرد السوريين جزء من الامة الكردية، والمناطق التي يعيشون فيها جزء من كردستان الكبرى. والحقيقة المتفق عليها ولا يستطيع احداً انكارها، هي ان اتفاقية سايكس بيكو، قسمت الوطن العربي الى 22 جزء، وكذلك قسمت كردستان الى اربعة اجزاء، ويقع جزء هام منها في الاراضي السورية، وبالتالي لا يجوز للنظام السوري انكار وجود شعب يُعد بالملايين، ويعيش على ارض اباءه واجداده الاوائل منذ مئات السنين، ان لم نقل الآلاف من السنين.

من هنا وانطلاقاً من المآسي المذكورة آنفاً، التي تعتبر غيض من فيض، فأن السوريين بعربهم وكردهم وسائر مكوناتهم الاخرى، يطمحون في التغيير ويتطلعون الى غد افضل، يسوده المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وينتفي فيه الظلم والاضطهاد، بسبب العرق او اللون او الدين او المذهب.