قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

صورة تذكارية للمشاركين في المؤتمر: من اليمين الى الشمال: الشيخ جميل قعدان، بروفيسور خليل عثامنة خلفه بروفسور كارل إرنست وإلى يمينه د. صلاح محاجنة، د عرين سلامة- قدسي، د. بهلول دوزنلي، بروفيسور موريه، الشيخ عبد الرؤوف القواسمي، د. خالد محمود، السيد ستيفان شفارتس.

عندما وصلتني الدعوة الى المشاركة في هذا المؤتمر الدولي الأول حول quot;رحلة مع الصوفية: التاريخ، التنظير والممارسةquot;، الفريد من نوعه في إسرائيل، من أكاديمية القاسمي الخلوتية، تذكرت السنين الطويلة التي قضيتها في تحقيق كتاب quot;عجائب الآثار في التراجم والاخبارquot;، للعلامة الشيخ عبد الرحمن الجبرتي الحنفي الخلوتي (1754- 1825)، وفيه يدون تاريخ مصر وتراجم رجالها من (1689-1821) وتذكرت قول استاذي المرحوم البروفيسور دافيد أيلون عن الجبرتي إنه يعد عملاقا بين مؤرخي مصر من أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن التاسع عشر، أي quot;عملاقا بين اقزامquot;، ولم ادرك آنذاك عظمة الجبرتي إلا بعد أن قضيت عقدين من السنين عاكفا على كتابة بحثي باللغة الانكليزية عن حياته ومؤلفاته وعصره والأعلام الذين عاصرهم، ثم واصلت تحقيق كتابه quot;عجائب الآثارquot; باللغة العربية بعد مقارنة العشرات من مخطوطاته التي خطها بيده او نقلت عنها بعد وفاته، والطبعات التي نشرت في مصر وبيروت واشهرها طبعة بولاق عام 1888، ثم تلتها طبعة دار الكتب المصرية، تحقيق أ.د. عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم وطبعة مدبولي التي عكف على تحقيقها الاستاذ عبد العزير جمال الدين وألحق بها العشرات من الوثائق النادرة والابحاث القيمة التي عثر عليها تكملة للفائدة وخدمة جليلة لتاريخ مصر، غير انه لم يعتمد على مخطوطة الجبرتي بخط يده المحفوظة في مكتبة جامعة كمبردج بانكلترا وهي النسخة الأم التي يجب اعتمادها، بل اعتمد على طبعة بولاق التي تصرف فيها الناسخ. ثم ادركت أخيراً أن سر عظمة الجبرتي كامن في تطبيق مبادئ الطريقة الخلوتية التي تلتزم بالقرآن والسنة، ومن مبادئها quot;الأمر بالمعروف والنهي عن المنكـَرquot; وان على المريد أن quot;لا تأخذه في الحق لومة لائمquot;، ولذلك ابتعدوا عن حطام الدنيا وعكفوا على الذكر والتلقين وتسليك المريدين لنشر العدل والتواضع والتوسط بين الرعية المظلومة والحكام الظالمين، فالعلماء هم أمناء الله على تطبيق الشريعة وإرشاد الحكام الى العدل والرفق بالرعية. ولذلك نراه يرتب تراجم الاعلام حسب تبحر العلماء في الشريعة والحديث النبوي الشريف وخاصة من كان من اقطاب الصوفية وشيوخ السجادة ومدى حمايتهم للرعية من جور الحكام الظالمين، وأعتبر العلماء quot;أولي الامر منكمquot; لا الولاة والحكام الذين تجب طاعتهم، كما نصّ عليه القرآن الكريم، ذلك لان الولاة الاتراك والمماليك المصرية لم يراعوا العدل الذي تنص عليه الشريعة الاسلامية وطبقها الخلفاء الراشدون من الصحابة والخلفاء العباسيين من سلالة النبي محمد، بل اصبحوا من الحكام الجائرين، ولذلك وضع الجبرتي تراجم الولاة وحكام المماليك والتجار في آخر قائمة تراجم اعلام كل سنة أرّخ لها.
والتصوف الاسلامي هو ثورة روحية أمام ارستقراطية الحكام المسلمين والكبرياء العسكرية للجهاد الأصغر، جهاد دار الحرب، وتمجيد القوة والعنف وتكريسهما لخدمة شوكة الاسلام، أمام المشركين، وهو ايضا هروب من الواقع الاجتماعي والسياسي والظلم والفقر والجوع والبحث عن دواء روحي مستمد من العزة الالهية والنور النبوي لأدواء الحياة اليومية والسياسية والفوارق الاجتماعية والطبقية في العالم الاسلامي، حاولوا مداواتها بزيارة الاضرحة والتوسل بالأنبياء والاولياء وكراماتهم والدعاء والصلوات والاحلام والرؤيا. ويشتق اسم الطريقة الخلوتية من الخلوة التي هي من رياضاتهم ويمارسونها اربعين يوما، وهم يعرفون بالسادة الخلوتية وأهل الله، وطريق القوم، لالتزامها بأحكام القرآن والسنة، وعماد هذه الطريقة هو quot;الامر بالمعروف والنهي عن المنكرquot; وعلى المريد أن quot;لا تأخذه في الحق لومة لائمquot;، وأن يتنزه عن حطام الدنيا، وإذا عرضت عليه الدنيا، كالقضاء والفتوى فلا يقبلها، وان يكون فيه أنس وتواضع وتقشف وانكسار وأن يكون متواضعا في حديثه وتصرفاته وفي ملبسه ومأكله، وأن التلقين والتسليك يعتمدان على الجهاد الاكبر وهو جهاد النفس في تدرجها في تلقين الأسماء السبعة، من الاسم الاول هو: لا إله إلا اللهquot;، والى السابع، وفي السادس تسمى النفس فيه مرضية، وفي السابع : قهار، وتسمى النفس فيه: كاملة. هذا تلخيص ما ذكره الجبرتي عن طريقته الخلوتية.
وفي النظرة الخاطفة التي سألقيها فيما يلي عن وقائع المؤتمر، سأشير الى انطباعاتي العامة عن بعض المحاضرين ومحاضراتهم، وهذا لا يعني ان الآخرين لم يتميزوا بمحاضراتهم وتجديداتهم. ولا بد لي من ان اشير هنا الى انشاد الموشحات الروحية والمدائح النبوية بمصاحبة الكمان الذي تخلل الجلسات، والذي أضفى على جو المؤتمر تسامياًٍ روحيّاً وطمأنية نفسية تهفو اليها الأرواح، فالمتصوفة يتميزون بالتسامي الروحي والتواضع ويبيحون السماع والموسيقى بمصاحبة الدف والكمان، كعنصر هام في الأذكار والتسامي والوجد للإتحاد الروحي مع العزة الإلهية والاشراق النبوي.
وعند دخولي أكاديمة القاسمي في باقة الغربية في المثلث، شعرت بروحانية لطيفة تسود مبنى الاكاديمية الواسع. كان النظام والترتيب والهدوء والنظافة والوقار من السمات الرئيسية التي سادت هذا المؤتمر، فكل سؤال وطلب يجاب بابتسامة وينفذ بسرعة، مع ثقة بالنفس وسيطرة تامة على الأجهزة الالكترونية التي نقلت بعض المحاضرين من دولهم الى قاعة المؤتمر، وشعرت كأن عجلة الزمن تدور عائدة بي عقودا عديدة من السنين الى الوراء، عشرات من طلابي النجباء الذين لم التق ِ بهم منذ بداية تعييني محاضرا في الجامعة العبرية في مطلع عام 1966، حين تهافت الطلاب على دراسة الادب العربي الحديث باشراف البروفيسور مناحيم ميلسون واشرافي، مما ازعج الاساتذة الكبار الذين كانوا يدرسون الادب العربي الكلاسيكي، من الجاهلية والى نهاية العصر العباسي. هؤلاء الشباب الذين كانوا في نهاية العقد الثاني من حياتهم، أصبحوا الآن من كبار الاساتذة في الجامعات الاسرائيلية وفي أوروبا وأمريكا، وقد وخط الشيب رؤوس معظمهم، ولكنهم ما زالوا محافظين على الاحترام والود والاخلاص الذي تميزوا به دائما، يحيطون بأساتذتهم من الجامعة العبرية والجامعات الأخرى، مرحبين. عندها شعرت بأن قبسًا من شعلة العلوم التي تميّز شعار الجامعة العبرية قد انتقل الى أكاديمية القاسمي والى اساتذتها الذين حافظوا عليها وهاجةً منيرةً، ملتزمين مبادئ النزاهة العلمية والتفكير المنطقي السليم والإحاطة بالمصادر الموثوق بها، مع تواضع العلماء. ولم اصدق نفسي بأن اربعة عقود مرت بمثل هذه السرعة منذ ان كانوا طلبة من القرى العربية في مقتبل العمر، يبهرهم كل شيء جديد في الجامعة، فالانتقال من القرية أو البلدة الى المدينة، ومن المدرسة الى الجامعة، ومن اللغة العربية الى الدراسة باللغة العبرية، والاعتماد على كتب بلغات اوروبية وطريقة تدريس مختلفة تماما عما تعودوا عليه في المدارس العربية، يدرسون جنبا الى جنب مع الطالبات والطلاب اليهود الذين كانوا اكبر سنـًا منهم بسبب خدمتهم في الجيش، ولكن النبوغ والمثابرة اللذين تميز بهما هؤلاء الطلبة النجباء، مهدا جميع الصعاب. وها هم ما يزالون يقابلون اساتذتهم القدامى بمبدأ جليل هو quot;من علمني حرفاquot;، طلاب أوفياء، قابلوا اساتذتهم بكل الترحاب والوفاء والمحبة. هذه المشاركة بين الاساتذة من مختلف الاديان والقوميات والدول في مثل هذا الجو الاكاديمي الحر، وجلوس اساتذة اسرائيليين من يهود وعرب، فلسطينيين واسرائيليين جنبا الى جنب في جو علمي موضوعي متحرر، جدد الامل بمستقبل جديد تنهار فيه أسوار الكراهية والاحقاد والتدمير والحروب، فحمدت الله على أن الدنيا هنا في أكاديمية القاسمي العامرة، ما زالت بخير وأن بعض طلابي الذين اكتويت بنار نكران الجميل منهم ممن اشرفت على اطروحاتهم لنيل الدكتوراة ورعيتهم الى ان بلغوا الاستاذية، هم قلة ضئيلة، فقد كان هنالك ممن حذرني من بعضهم، وقال: quot;عقرب لا تقربquot;، ونصحوني باستعمل الدواء العراقي للعقارب، ولكني لم افعل، رحمة بهم، وقلت، نزوة شباب وستأدبهم الايام والليالي، وquot;من لا شيخ له، فشيخه الشيطانquot;، وخاصة عندما تمسكنوا، فلما تمكنوا قال لي [أشطرهم] quot;لست بحاجة اليك بعد اليوم!quot;، وشعرت آنذاك كأنني quot;مجير ام عامرquot;، وترحمت على المتنبي الذي قال، quot;إن أنت اكرمت الكريم ملكتهquot;، ولكن الله عوض بمثل هؤلاء الاساتذة الكرام الذين أصبحوا ينادونني الآن quot;بأستاذ الأجيالquot;، بارك الله فيهم وعوضنا بهم عن ناكري الجميل.

من اليمين الى اليسار: د. خالد محمود وأ. د. كارل ايرنست ود. ياسين كتاني
حضر هذا المؤتمر بالاضافة الى الأساتذة اليهود والعرب من اسرائيل وفلسطين بما فيهم أ. عمار بدوي مفتي محافظة طولكرم، يتداولون في أمور علمية وتاريخية جالسين كالأخوة جنبا الى جنب مع أساتذة من اوروبا وامريكا والشرق الأوسط، من جامعة نورث كارولينا و جامعة مدريد و جامعة اسطنبول، ومركز التعددية الاسلامية في نيو يورك، وجامعة سلجوق بتركيا، وجامعة القدس وجامعة النجاح وأكاديمية القاسمي، والجامعة العبرية وجامعة حيفا وتل ابيب، لا يشغلهم شاغل سوى مبادئ التصوف الاسلامي. فبعد الافتتاحية التي رحّب فيها د. محمد عيساوي رئيس الكلية بالضيوف، استعرض د. ياسين كتاني، رئيس مجمع اللغة العربية ورئيس المؤتمر، مشاريع مجمع اللغة العربية، ابتداء بالقاموس الوافي في ألفاظ العربية المعاصرة، وموسوعة أبحاث في الأدب الفلسطيني الحديث، وانتهاء بمجلّته المحكّمة quot;المجمعquot;، هذا وقد أكرم المشرفون على المؤتمر اساتذتهم في الجامعة العبرية بترؤس الجلسة الافتتاحية لليوم الاول، التي تناولت: quot;التصوف الإسلامي في الطور ما بعد الكلاسيكيquot; بأدارة أ.د. سارة سويري المتخصصة في التصوف الإسلامي، فألقت محاضرة عن quot;الملامتية في الأندلسquot;، وحاضر البروفيسور يوحنان فريدمن العميد السابق لكلية الآداب وعضو المجمع العلمي القومي الاسرائيلي في القدس، عن quot;إرتباط الصوفية بالنشاط العسكري- المهدي في السودانquot;، وشارك عن طريق الفيديو الدكتور أدوارد بدين من جامعة زوريخ بحديث عن الصوفية بين السلفية والوسطية في عصر القنوات الفضائية، والقى د. يتسحاق فايسمان حديثا عن quot;التصوف في عصر العولمةquot;، ولم يحضر أ.د. بيرند رادتكه من جامعتي اوترخت وهامبرغ المؤتمر لمرض طارئ.
أما الجلسة الثانية فقد ترأستها د. عرين سلامة ndash; قدسي من أكاديمية القاسمي وجامعة حيفا، ودارت حول: التنظير الصوفي ومكانة الرسول (ص) فيه، وتحدثت عن quot;التشبّه بالصوفيةquot;، وابدت تبحرا في محاضرتها، وبرزت شخصيتها بين الحضور، وادهشتهم بتمكنها من الخطابة باللغات العربية والعبرية والانكليزية، وثقتها بالنفس وادارتها الحكيمة، وشارك في هذه الجلسة أ.د. كارل ايرنست من جامعة نورث كارولينا، وحاضر عن quot;الذات في شعر الحلاجquot;، أما الدكتور مويزيس جارسيا من جامعة مدريد، فقد طبق نظريات جديدة من علم النفس الحديث على الوحي النبوي في محاضرته عن quot;حالة ما بين النوم واليقظة، الاحلام، الرؤى والتأملات كعناصر صوفية في تجربة الوحي النبويةquot;، وساهم بمحاضرة شيقة كل من أ.د. جمال جودة من جامعة النجاح عن النبي محمد إمام الزهاد والمتصوفين، في دراسة له عن كتاب الزهد لابن حنبل، والباحث خالد أبو راس من جامعة بار ايلان، عن quot;التخلق بأخلاق اللهquot;في التصوف الإسلامي.
وفي الجلسة الاولي من اليوم الثاني من المؤتمر، التي ترأسها د. علي جبارين، تحدث فيها متخصصون في التصوف الاسلامي في العصر الكلاسيكي، تحدثت أ.د. دفنه إفرات من الجامعة المفتوحة، عن شيوخ الطرق، والورثة الروحيين للرسول، وأ. ستيفان سليمان شوارتص، المسلم من اصل يهودي متزمت، من مركز التعددية الاسلامية بنيويورك، ألقى فيها محاضرة قيمة حولquot;العلاقات بين الطريقة البكتاشية والفكر العلوي في كردستان التركية. جماعة quot;أهل الحقquot; والعقائد المسيحية- اليهودية والبوذيةquot; وهي احدى المحاضرات الشاملة التي تبين العناصر المستمدة من عقائد دينية مختلفة للطرق الصوفية التي ينتمي إليها اليوم أكثر من 26 مليون من المسلمين كالطريقة البكتاشية في ألبانيا والعلوية في كردستان التركية والعراقية، والأكراد الايرانيين والعراقيين، واوضح ان مشايخ الحركة البكتاشية الذين تبنوا شيئا من العناصر الروحية المسيحية كانوا المرشدين الدينيين لجنود الجيش الانكشاري العثماني، وان هذه الحركات الصوفية تشترك بملامح خالصة وهي التزامها بالعلمانية والسلطة الممنوحة للنساء، وتوظيف الغناء والرقص والادوات الموسيقية في التعبير الروحي. ثم تلاه ا.د. ناحم ايلان، عن quot;إرهاصات الادب الصوفي اليهوديquot;، ثم تلاه د. عرين سلامة- قدسي عن quot;التشبه بالصوفيةquot; في التصوف البغدادي في القرنيين 12-13. ود. مشهور الحبّازي من جامعة القدس عن الحكيم السهروردي ونظرية الاشراق
وفي الجلسة الثانية، عن الطريقة الخلوتية، التي ترأسها الباحث النابه أ.د. خليل عثامنه، الذي لم يجد أساتذة الجامعة العبرية افضل منه في اسناد تحقيق كتاب أنساب الأشراف للبلاذري: القسم الثاني من الجزء السادس، وقد شرف هذه الجلسة سماحة الشيخ عبد الرؤوف القواسمي وغيره من المشايخ الكبار الذين اضافوا اليها هيبة ووقارا خاصا، القى فيها د. خالد محمود كلمة عن quot;آداب المريد مع الشيخquot;، وعندما جاء دوري لإلقاء محاضرتي، وقد طُلب مني ان القيها باللغة الانكليزية، وجدت أن من المناسب إلقاءها باللغة العربية اكراما لسماحة الشيخ القواسمي وباقي الحضور من المشايخ والأساتذة العرب والمستشرقين الذين يحسنون اللغة العربية، وخاصة لان المؤتمر يعقد في مجمع القاسمي للغة العربية وآدابها، وفي باقة الغربية، وعن المتصوفة الخلوتية. وقلت ان ما يميز تاريخ الجبرتي والتزامه الصدق والدقة ونقده لظلم الحاكم الجائر دون رياء وتملق ومدح كاذب، ودعوته الى نصرة الامام العادل، ودفاعه عن الشعب المظلوم، جاء نتيجة لتطبيق مبادئ الطريقة الخلوتية.
وكانت الجلسة الثالثة الختامية مكرسة لبحث quot;النزعة الصوفية في الادب العربيquot;، كان من فرسانها أ.د. فاروق مواسي الذي نقشت ابياته في حجر الزاوية لتدشين الاكاديمية وفيها يؤرخ في البيت الأخير بحساب الجمّل لتاريخ بناء الأكاديمية، وتحدث في كلمته عن المصطلحات الصوفية في شعر عبد الصبور، كالوارد والتلوين والتمكين، وبلوغه الذروة في كتابه quot;مأساة الحلاجquot; حيث quot;تضفي تفسيرا جديدا لمواقف وحالات ومقامات، فجعل الوجد متحركا يقاوم الشر، والبطل يقبل على صلبه تضحية وبطولة وكأنه المسيح في العقيدة المسيحية...quot;، وكانت محاضرات كل من د. احسان الديك من جامعة النجاح عن quot;النزعة الصوفية في الشعر الفلسطيني المعاصرquot;، والعلامة يوسف سدان المتخصص بالادب الشعبي الوسطي محاضرة عن quot;حكاية الفقير عبد الله الأندلسي ودلالتها الصوفيةquot;، وا.د. لطفي منصور، عن شعر العشق والخمر عند الصوفية، بالغة الاهمية في تجديدها، وانهى المؤتمر رئيس مجمع القاسمي للغة العربية ورئيس المؤتمر د. ياسين كتاني في محاضرة رائدة عن quot;موتيفات صوفية في ثلاثية الخراط الروائية quot;رامة والتنينquot;. وستنشر المحاضرات التي القيت في هذا المؤتمر الفريد في كتاب خاص. وقام بتلخيص المؤتمر الدكتور ياسين كتاني والسيدة د. عرين سلامة- قدسي بالكلمات التالية:
quot;اختتم مؤتمر مجمع اللغة العربية وقسم الدراسات الإسلامية في أكاديمية القاسمي أعماله يوم الأربعاء الماضي، وقد استغرق يومين كاملين، عقدت فيهما سبع جلسات، شارك فيها من مختلف دول العالم نحو ثلاثين باحثًا متخصّصًا في التصوّف الإسلامي بسياقاته المختلفة. وقد أقيم المؤتمر على شرف أتباع الطريقة الخلوتية الجامعة ومرشدهم الشيخ عبد الرؤوف القواسمي، الذي شارك بحضوره اللافت في بعض الجلسات. وبعد تلاوة عطرة من الذكر الحكيم، افتتح المؤتمر الدكتور محمد عيساوي رئيس الأكاديميّة، تلاه الدكتور ياسين كتاني رئيس مجمع اللغة العربية، مرحبين بالحضور، مؤكدين على ميثاق الأكاديميّة وأهدافها، وعلى أهمية المؤتمر في مدّ الجسور مع الباحثين وهيئات البحث العلمي في جميع أنحاء العالم، بغية تأليف القلوب والعقول وتقريب وجهات النظر صوب أهداف العلم النبيلة. في أعقاب ذلك توالت المحاضرات وفق البرنامج المقرّر، تتلخّص أهمّ الانطباعات على ما جاء فيه بما يلي:
أبرز المؤتمر جمال التنوع والتلون في الفكر الصوفي الإسلامي، في عصر باتت فيه نزعات التعميم هي الأروج والأيسر منالا، كان هناك في المؤتمر إصرار على إبراز الفرادة التي تعكسها النظريات والمفاهيم الصوفية المختلفة، والحركات والممارسات التي تتخذ لها في كل زمان ومكان شكلا ولونا خاصين. لقد أفرز التصوف الإسلامي منذ أن حظي بالتأسيس، ترسيخ الهوية الجماعية الواضحة للجماعات الصوفية في إطار حياة منظمة الملامح داخل المراكز الصوفية المنتشرة في البلاد الإسلامية، وذلك منذ الطور الذي تقدّم نشأة الطرق الصوفية في القرن الثاني عشر للميلاد، وما تلاه. استطاع التصوف الإسلامي المؤسس داخل المراكز الصوفية أن يقدّم للإنسان المسلم خطابًا آخر لحياة الروح وحياة الجماعة. لقد شرع التصوف الإسلامي المنظم يفتح مصاريع أبوابه أمام كل طبقات المجتمع مسهما في خلقِ رابطةٍ دينية محكمة تشكِّلُ البديلَ المنشود لواقعٍ مفكك يعُجُّ بالصراعات الدينية والسياسية. استطاعَ نشاطُ المشايخ في المراكز الصوفية الممتدّة شرقًا وغربًا منحَ العامَّةِ صيغةً جديدةً لروح التعاضدِ والتماسك بين المسلمين. من هنا كانت المحاضرات التي بيّنت دور الشيخ الصوفي في رسم جوهر المشروع الصوفي، وباتت ضمنه العلاقة بين الشيخ والمريد المحورَ الأساس منذ الطور الكلاسيكي، وصولا إلى عصر الطرق والسلاسل الصوفية. وبدخول التصوف العصر الحديث بتحدياته الجديدة، تجد بعض الأنشطة الصوفية ملاذها في العمل السياسي، ولا يتوانى كثير منها عن التعاطي مع العولمة، وتوظيف عناصرها في الانتشار والتواصل مع الأتباع والمنتسبين. ورغم إحاطة المؤتمر الشاملة لمختلف القضايا من خلال المقاربات المميزة للباحثين الأجلاء، فلا يزال الكثير مما يمكن بحثه في الفكر الصوفي في الإسلام، ولا تزال أسئلة كثيرة تشغل الباحثين في هذا الحقل الشاسع. وحسبنا في هذا المؤتمر أن نكون قد وفقنا في إثارة الأسئلة التي ينبغي لها أن تُطرح، وفي استثارة الباحثين على المضي في تناول ما أثير خلال الجلسات. وإننا عازمون على نشر المحاضرات التي قُدمت خلال أعمال المؤتمر في كتاب سيصدر قريبًا، إسهامًا منا في التأسيس لخطاب عالمي جديد ينظر إلى حضارة الإسلام في أطوارها وأشكالها المختلفة نظرةَ حقٍّ وإحقاقٍ بعد مرور زمن طويل على رؤى التعميم والتسطيح والانتقائية الفكرية التي جعلت تخدم أهدافا لا يجمعها والبحث العلمي أيُّ جامعquot;.
قضيت يومين رائعين من المشاركة في المحاضرات المجددة عن طرق اسلامية صوفية تدعو الى المبائ السامية من عدل وتواضع ورحمة ومساعدة الضعفاء والمساكين والتسامح ومشاركة المرأة في الحياة العملية ودراسة العلوم الحديثة والمشاركة فيها، وزاد سروري عندما سماعي لقول الباحث ستيفان سليمان شفارتس بأن هناك بضعة ملايين من المتصوفة في العالم الاسلامي يدينون بالتسامح والتواضع والحب وأن هناك من اتباع الصوفي الأكبر ابن العربي من الذين يدينون بدين الحب، وquot;الحب دينهم وايمانهمquot;، ولا يقولون بالجهاد الأصغر بالسيف وكراهية الآخر وقتله عن طريق القنابل والرصاص والمفخخات والدمار وإبادة من لا يجاريهم في معتقداتهم حتى ولو كانوا من المسلمين، فتركوا الملايين من الأرامل والأيتام المسلمين في العالم الاسلامي وحده. وأتساءل الآن، ماذا كان يحدث لو اتبع الطالبان الأفغان وغيرهم من المتشددين الإسلاميين والاخوان المسلمين، مبادئ الطريقة الخلوتية التي اتبعها سماحة الشيخ عبد الرؤوف القاسمي الذي انشأ أكاديمية مرشحة لتكون أول جامعة اسلامية في إسرائيل ومدارس بمستويات مختلفة لنشر quot;العلم الصحيح والأدب اللباباquot;، واخرج أجيالا من الشباب العربي المسلم المتنور ما تفخر به كل امة وكل دولة في العصر الحاضر. إذن، لحقنوا دماء المسلمين وجنبوا العالم هذا الخوف من الاسلام والمسلمين وهذا العار الذي يلحقونه بالدين الحنيف كما يفهمه الخلوتية، وتوصلتُ الى نتيجة هي: لو أنشأت الشعوب الاسلامية قيادة شعبية تتبنى مبادئ الخلوتية بالإضافة الى قيادة فكرية علمية حكيمة في الدول العربية تبادر الى نشر العلوم والتكنولوجيا الحديثة كمنتدى الفكر العربي والمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، الذي يشمل مركز تنمية الموارد البشرية، وجميعها من تأسيس سمو الأمير الحسن بن طلال لمحاربة الفقر والمرض والجهل وشحّّ المياه والتصحر في الشرق الأوسط، بتعاون جميع دول المنطقة والعالم الغربي، لأصبحت منطقة الشرق الأوسط بغناها بالثروات الطبيعية، في طليعة الدول الحرة الديموقراطية التي تنعم بالرفاهية والتمدن.
17 حزيران، 2011. كتبت هذه المقالة لتنشر في جريدة quot;إيلافquot; الالكترونية.