لقد شغل صموئيل هنتنغتون العالم ولم يقعده بعد نشره لبحثه المثير للجدل والموسوم (صدام الحضارات؟) في مجلة (الشؤون الخارجية) الامريكية عام 1993 والذي حرره الى كتاب في عام 1996 بعنوان (صدام الحضارات واعادة تشكيل النظام العالمي). لقد استند هنتنغتون في وضعه لنظرية صدام الحضارات على افكار نشرها في كتاب سابق له بعنوان (الموجة الثالثة) في عام 1991، اذ قسم التاريخ السياسي للتحولات الديمقراطية الحديثة الى ثلاث مراحل على اساس نشوء الديمقراطيات في العالم كان آخرها التحولات الدراماتيكية في اوربا الشرقية في الثمانينيات و التسعينيات من القرن الماضي والتي أدت الى انهيار المعسكر الاشتراكي و(انتصار) المعسكر الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الامريكية وبالتالي انتهاء الحرب الباردة والبدء بثورة جديدة تتخذ من الاختلاف الثقافي وقودا لها، والغاية التي سعى اليها هنتنغتون هي الوصول الى عالم تسوده الديمقراطية وفق نظام اجتماعي يؤسس لدولة رفاه ويحكمها القانون وتديرها مؤسسات كنتيجة للتفوق النهائي الغربي.
وعلى الرغم من ان فرانسيس فوكوياما كان قد سبق هنتنغتون في تصنيفه للتنظيم و البنية الجيوسياسيتين لما بعد الحرب الباردة على اساس آخر، سياسي اكثر منه اجتماعي، يتمثل في انتصار معسكر على آخر (فوكوياما: نهاية الزمن، 1992)، فان هنتنغتون مال في تصنيفه العالم، لحقبة ما بعد الحرب الباردة، الى (حضارات) اختصرها في الغربية و الامريكية اللاتينية و الاسلامية و الصينية و الهندية و الاورثودوكسية و اليابانية و الافريقية، وتوقع صداما بين الدول القومية، التي توقع لها بعض الديمومة، ومجاميع من حضارات مختلفة، وبذلك فان المشاكل والازمات اللاحقة سوف تكون على اساس (ثقافي) وليس (ايديولوجي او اقتصادي).
وعلى الرغم من الاعتراضات المتلاحقة على (نظرية) هنتنغتون من خلال ظهور الاصطلاحات المناقضة لها كتلاقي الثقافات وتفاعل الحضارات وحوار الاديان وغيرها، وعلى الرغم من ان تصنيف هنتنغتون يشوبه الالتباس في تصنيفه للحضارات، ولو كان على اساس ثقافي، فان الاحداث اللاحقة لما بعد الحرب الباردة و التطور الجيوسياسي اللافت للنظر من خلال الثورات الشعبية غير المنظمة و غير المؤدلجة المطالبة بالديمقراطية و الحرية و العدالة الاجتماعية في عدد من البلدان العربية، والتي هي جزء من العالم الاسلامي بطبيعة الحال، تجبرنا على اعادة التفكير (بالتنبؤات) التي وعد بها هنتنغتون والتي (هدفت) الى انتصار الغرب في صراعه مع الحضارات المختلفة والتي بررها بقدرة الغرب على خلق الصراعات والعنف المنظم وليس بقدراته الفكرية أو القيمية أو الدينية، وألمح الى ان انتصار الديمقراطية في البلاد الاسلامية لايؤدي بالنتيجة الى وصول الاسلامية الاصولية الى السلطة.
كيف وان الواقع يشير الى ان الغرب كان قد طوع العاطفة الدينية في صراعه مع المعسكر الشيوعي كواحد من السبل في نشر مفاهيم الديمقراطية، ايا كانت تلك السبل، حربا أم سلما؟ فكلنا يعي نصرة الغرب للثورة الاسلامية في ايران ضد الشاه وللمقاتلين المسلمين الافغان ضد الاتحاد السوفيتي الشيوعي و لثورة ليش فاليزا في بولونيا التي اخذت طابعا دينيا توج بجلوس كاردينال بولوني على الكرسي الرسولي في الفاتيكان وكذلك مناصرة الدالاي لاما ومعارضته البوذية التبتية للصين الشيوعية، الا ان ماقصده هنتنغتون يتجسد في ما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست في يوم الرابع من آذار 2011 حول (التحضيرات التي بدأتها ادراة الرئيس اوباما في التعامل مع مرحلة مابعد الثورات العربية والتي يمكن ان تأتي بحكومات اسلامية الى دفة السلطة) وهي عين الفكرة التي طرحها هنتنغتون حين ذكر بأن (المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص لاتحركهم المشاعر القومية بل الدينية). ان المحصلة النهائية هنا هي في تنبؤات هنتنغتون في انتصار الغرب من خلال نشر ثقافته وليس المخاوف من وصول الاسلاميين الاصوليين الى السلطة.
وعلى الرغم من ان بعضا من الاصوات اشارت الى البرهنة العكسية لآراء هنتنغتون هذه وبالتالي لنظرية صدام الحضارات كما جاء في مقالة ديفيد بروك في صحيفة النيويورك تايمز في عين اليوم الذي جاء فيه خبر الواشنطن بوست، وكانت بعنوان (اعادة النظر في صدامات هنتنغتون) والتي اشارت الى ثورات من أجل الديمقراطية في العالم العربي ليس للدين دور رئيسي فيها وعدها انتصارا (للقيم السياسية العامة) وهو الرأي الذي فنده روس كامنسكي في مقالته (حروب الصدام- امريكان سبيكتاتور في 14/3/2011) حين ذكر بأن الحكومات العربية لما بعد الثورة ستكون في أقل تقدير (دينية-علمانية) وذهب أكثر في مخافة اجراء انتخابات حرة، حين استشهد بنتائج الانتخابات الفلسطينية في عام 2006 والتي انتصرت فيها حركة حماس الاسلامية. وعلى مايبدو فان كامنسكي يمني نفسه بنموذج تركي.
وعلى الرغم من ان الثورات الداعية الى الديمقراطية في العالم العربي تعد بلا أدنى شك مظهرا من مظاهر العولمة، اذ تخطت مفاهيما محلية راسخة في الوطنية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فانه لايمكن، في الوقت ذاته، الحكم بالغباء على طروحات هنتنغتون في تصنيفها للحضارات التي شاء صدامها، مثلما اشار بروك في مقالته حين وصف الاسلوب الذي اتبعه هنتنغتون في تعريفه للثقافة بالخطأ، بمقاييس الاختلاف الثقافي فيما لو تمعنا في اشكالية تصور هنتنغتون للحضارة حين صنف منها (الغريي والاسلامي و الاورثودوكسي و الافريقي!) فقد اُعذر في ذلك، اذ هو يستقرىء المستقبل القريب لما بعد الحرب الباردة، ومن خلال نظرة متعمقة في حركية التوجهات الغربية، والتي يمكن اختصارها بالامريكية، تتبين الحقيقة التي مفادها ان الولايات المتحدة الامريكية تعمل لصدام حضارات بعضها خامد وبعضها متوهج جرى تصنيفها على اساس العقل الذي يبدو كامنا في بعضها هذه الايام والذي كان قد ارسى في السابق القواعد لحضارات مازلنا ننهل من معينها حتى يومنا هذا. أفلم يهدف هنتنغتون في صدامه الحضارات الى اعلاء مبادىء افلاطون؟ ألم يبدو انه يشير الى افلاطون أمريكي حديث يبشر لتلك المبادىء؟ وهو القائل (بدون اولوية الولايات المتحدة فان العالم يكون اكثر عنفا واضطرابا واقل ديمقراطية ونموا اقتصاديا).
ان اشارة هنتنغتون الى اكتفاء اليابان بقدراتها وبالتالي تصنيفه لها كطرف مهم في صدام الحضارات اللاحق تعد دلالة على ان المقصود بالصدام، في هذه النقطة بالذات، هو العقل الياباني الذي نجح في اشعال ثورة علمية وصناعية اسست لديمومة في الحضارة اليابانية كان العقل الياباني قد انجبها على مدى تاريخ اليابان الطويل، فلماذا الخوف من تلك الحضارة؟ ولماذا ساواها هنتنغتون بالافريقية والامريكية اللاتينية؟ ان الجواب المنطقي هو في ان الصدام سيكون بين العقليات المختلفة والتي تعد كل منها استلهاما للواقع الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه، وبذا فان الصدام المراد به في الواقع صراع عقول، اذ كما ذكر هنتنغتون بأن الغرب قادر، من خلال اثارته للصراعات و انتهاجه سياسة المعايير المزدوجة، على نشر مفاهيمه، وهذا يعني تعميم المفاهيم الغربية التي انتجها العقل الغربي، وبذا فان النقيض المنطقي هي المفاهيم الاخرى ايا كانت خلفيتها الثقافية سواء دينية أو عرقية أو طائفية والتي ادت ربما الى ثقافات وافكار كانت نتاجا لعقليات محلية، وهنا لايمكن ابدا انكار ماتصبوا اليه العقول الخلاقة التي انجبت الثقافات المختلفة، والتي ربما كان للتنوع دور في ظهورها، في الوصول الى الحقيقة التي يعد الانسان غايتها العليا.
وهنا تنكشف آمال هنتنغتون في اقحامه اليابان في صداماته وهي التي تبنت مفاهيما لاتختلف عن الغربية الا بالشكل، فلم اذن التصادم مع حضارتها؟ هل هي هيمنة عقل على آخر؟ أم استحواذ العقول اذا ما ادركنا بأن واحدا من أهم المبررات التأريخية لشن الحروب، وهنا شكل الصدام لها، هو الاستحواذ؟. كلنا يعي اسهام العقل في صناعة الحضارات العظيمة عبر التأريخ، وهي بلا شك اليونانية والمصرية ومابين النهرين و الفارسية و الصينية وكثير غيرها أقل شأنا، الا ان ما نراه اليوم من وضع اليونان، وكيف انحطت اقتصاديا، وهو ليس بانحطاط ثقافي على أية حال، وما آلت اليه الاحوال في مصر وفي العراق على أمل الديمقراطية ودولة الرفاه والوعيد بصين وايران ديمقراطيتين، وهما الطامحتان الى ان تكونا قوتان عظميان وندان قويان، يتبين المسار الذي يسلكه صراع هنتنغتون والغرب، فيا ترى هل كان هنتنغتون مسيرا في اخراجه لنظريته في صدام الحضارات أم كان مجرد عالم في الاجتماع مخيرا فيما يعتقد؟






التعليقات