قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ترتفع الأصوات ومن ضمنها صوتي وقلمي في الدفاع والمناداة بإحقاق حقوق المرأة العربية. ولكن والحق يقال بأن عدم وعي المرأة العربية الكامل بأن لا حقوق بدون مسؤوليات. وأن الحقوق لا تؤخذ بالتمني ولكن بالثورة التي تبدأ من الأعماق.. من أعماق نفس المرأة العربية لتتخلص من إزدواجيتها. وتبدأ مشوار حياتها بإستقلاليتها الفكرية والمادية. بدون نقد هذه النفس وما تحمله من متناقضات لا يمكن للمرأة الحصول على حقوقها. أو على الدور الإيجابي الذي تريد وتتمنى القيام به. والذي هو حجر الأساس في تقدم وتطوير المجتمعات العربية التي في أمس الحاجة له.

مما لا شك فيه بان التسلط الذكوري المتفشي في المجتمعات العربية. ولي الرجل للدين وأخلاقياته بما يتناسب فقط مع مصالحه. أدى إلى أن تنتاب المرأة العربية حالة من الخوف الدائم على مصيرها وعلى مستقبلها. ترافقها حالة موازية ومتزاوجة لإرتباك في المفاهيم الأسرية والمجتمعية التي تنشأ المرأة في ظلها.

ففي الإرتباك في المفاهيم الأسرية تتربى الفتاة على إزدواجية أسرية ففي الوقت الذي تنشأ فيه على أنها المدللله كأنثى، في نفس الوقت تتربى على أن عليها خدمة إخوتها الذكور وعدم التساؤل في أوامر والدها. حتى في موضوع زواجها أو تزويجها فهو ولي امرها ومن واجبها إطاعتة. لأنه وفي كل الأحوال يتوخى حمايتها حتى وإن أخطأ في حقها فعليها الغفران لأن هدفه الأول المحافظة عليها وفي كل هذه الأحوال تتناسى انه أيضا يريد تأكيد إمتلاكه لها وحقه المطلق في التصرف بكل امورها.

أما في حال زواجها بإرادتها وموافقة الأهل أو تزويجها لمن يرونه مناسبا وكفؤا لمكانتها الإجتماعية والمادية فهي تتربى على أن من حقها طلب ما تشاء ونيل ما تشاء من الرجل..من مهر.. وهدايا وشبكة فرح ثمينة. غير واعية بأنها بالمغالاة بمطالبها المادية تعطيه حق تملكها. إضافة إلى أنها وفي أعماقها تعرف وتعترف وتتقبل بأنه سيصبح سيدها المطاع الذي لا مجال للتحرك بدون إذنه. ولا مجال لسؤاله في اوامرة ولا حق إطلاقا للخروج عن طاعته.. فطاعة الزوج من طاعة الرب.

وبعد هذا الزواج تنتابها شكوك وخوف فيما إذا سينجح زواجها. وكيف ستتعامل مع هذا الزوج إذا واجهتها خيانتة.. أو زواجه باخرى. أو حتى إستباحته لمعاشرة الخادمة. (وهي حالة معروفة خاصة في الخليج العربي).

حينها فقط وبعد الزواج ينتابها الخوف من المستقبل وكيف تستطيع تأمين حياتها ماديا بعد أن فقدت هذا التأمين معنويا..بمعنى كيف تستطيع مواجهة أعباء الحياة المادية فيما لو تخلى عنها الزوج.. ولفظها المجتمع لأنها أصبحت مطلقة تخشاها بنات جنسها قبل أن يلفظها مجتمعها.. هذا الخوف يولد لديها شعورا بعدم الأمان المادي.. خاصة وأن مؤخر صداقها يفقد قيمته المادية بالتضخم.. وفكرة رعايتها المادية من الإخوة والأعمام والأخوال.. لم تعد معمولا بها بتزايد أعباء الحياة.

مما يضعها امام خيارين لا ثالث لهما. إما غض النظر عن نزواته تلك او الخروج من الحياة معه.. إما في طلاق وهو ما يضعها تحت رحمته ايضا. أو طلب خلع تننازل بمقتضاه عن كل حقوقها.

كل هذه الملابسات والظروف ولّدت لديها شعورا بأحقيتها في كل ما تملك أو تحصل عليه سواء من الزوج (الهدايا الثمينة) أو من وظيفة فيما لو كانت قادرة ومسموح لها العمل. ولكن وفي معظم الأحيان دون إحساس بالمشاركة الزوجية أو المسئولية عن نفقات هذا البيت.. فهو وكما تعلمت وتربت المسؤول عن النفقات.

والأهم تسليمها بأحقية الزوج بالأولاد لعدم تمكنها المادي من تربيتهم و لما تعلمته دينيا من حق الزوج بأولادة بغض النظر عما إذا كان مؤهل لرعايتهم أو لا. وما إذا تزوج بإمرأة أخرى لا تريد رعايتهم.. إضافة إلى العامل الأهم والذي لا تأخذ به المحاكم الشرعية.. من هو الأفضل لرعاية الأبناء.

مما يعمّق من حالة الإزدواجية والتخبط في أعماقها.. فبينما تعمل على توفير كل حقوقها المالية تمتنع عن الإحساس بالمسؤلية المادية مع شريك حياتها.

أسباب هذا التخبط عديدة ومتداخلة وهي مسؤولية مشتركة ما بين الأسرة والمجتمع..
يقع على قمتها التربية الثقافية في المجتمعات العربية. فبينما تطوّر المفهوم المجتمعي لضرورة تعليم المرأة على أنه سلاح المرأة ضد عقبات الزمان.. إلا أن عدم الوعي بأن هذا السلاح.. أي الشهادة الجامعية لا قيمة لها بعد سنوات ولا تزيد عن كونها برواز ديكور.

بدون الخبرة العملية.. وأن هذا المجتمع هو ذاته الذي يتوقع منها التضحية والقبول بأن تبقى ربة منزل في حال رفض الزوج عملها.. وبالتالي تفقد ورقة الأمن الوحيدة لضمان عدم وقوعها عبئا على أحد.

وإن كان هذا المجتمع هو نفسه الذي سينفض عنها ولا يستطيع مساعدتها المادية في حال تعثر زواجها أو طلاقها.

التربية الدينية والتي تستند إلى العديد من الأحاديث المشبوهه التي تؤكد دونية المرأة.. وتفوق الرجل.. وهو ما طوره الرجل إلى حق مطلق في إستبداد وتطويع المرأة على أنها مخلوق ناقص وأنه المكلف الوحيد على الأرض بتقويمها وتصليح إعوجاجها بما يراه مناسبا.. مما عمّق من عامل الخوف من الرجل لدى المرأه بحيث تعجز عن مواجهته بالحجة لمقابلة تسيده عليها. وإيمانها بأنها خلقت من ضلع أعوج للرجل.

إن تداخل كلا العاملين هو أساس تخلف المجتمعات العربية وعدم قدرتها على الخروج من تخلفها.

وأقر وأعترف بإن المناداة بحقوق المرأة وحمايتها في المجتمع لا يمكن ان يثمر إلا إذا.

آمنت المرأة بأنها مساوية في القيمه الإنسانية للرجل.. وأن قيمتها ومكانتها الإجتماعية لا تعني المنافسة.. بل العمل سويا وأن عملها داخل البيت لا يقل في قيمته عن عمل الرجل خارج البيت.. وأن حقوقها المادية مكفولة في كل الأحوال.

إيمان المرأة نفسها بأنها إنسان مساو في الحقوق والواجبات وبأنها شريكة وليست ضلع أعوج.. وهذا الحق لا يؤخذ إلا بالمسؤولية المتشاركه في الحياة وفي أعبائها سواء المسؤليات المادية أو غيرها.

وعي المرأة بأن مساواتها للرجل لا تقتصر على مساواتها العلمية وأن تعليمها وعملها لا يقتصر على إثبات كيانها عن طريق العمل بل يتعدّاه إلى المشاركة الفعلية المادية والمعنوية في حياتها مع الرجل.

وعي المرأة بأن حقوقها لا تقتصر فقط على حرية الملبس أو حرية السفر.. أو أي شكل آخر من أشكال هذه الحريات وأن حصولها على هذه الحريات ترتبط إرتباطا وثيقا بمسئوليتها المادية عن نفسها اولا ثم عن شراكتها ومشاركتها في العلاقة الزوجية.

.. بدون وعي المرأة بأن مشاركتها الفعلية في القرار الأسري والسياسي والإجتماعي مكفول بالديمقراطية.. وأن حقها في المشاركة بهذه القرارات لا يكفله إلا قدرتها الكامله على الإستقلالية وأن زواجها وإن كان نعمة فإن طلاقها ليس بكارثة..لأن هذه الديمقراطية تكفل عدم كونها عبئا ماديا أو إجتماعيا على أي ذكر في مجتمعها.. وأن حقها في ظل هذه الديمقراطية هو إحترام كرامتها الإنسانية والمادية بحيث لا تكون عبئا على الذكر. بل تتقاسم مع الذكر حلو الحياة ومرها.. وهو ما يجعل للحياة طعما آخرا.. ويبني البنية التحيتية الأساسية للديمقراطية تبدأ من البيت بالمشاركة الحقيقية في صنع القرار. ومن الأسرة في حماية المستقبل بحماية الديمقراطية نفسها.. وحماية الديمقراطية لحقوق المواطنين كلهم في المجتمع بدون أي تمييز لا في الجنس ولا اللون ولا الدين ولا العرق.

من المستحيل تجذير الديمقراطية الحقة في المجتمعات العربية بدون أن تبدأ المرأة كشريكة كاملة للرجل في تنميتها في البيت..وإلغاء كل القوانين التي تمنح الرجل سلطتة المطلقة سواء في التطليق بمجرد إرسال ورقة أو في تبرير ديني بحقة في الزواج بأربع..

بدون فصل الدين عن الدولة بحيث تكفل القوانين المدنية مساواة المرأة في الملكية المشتركة وليس بمؤخر صداق لا يساوي الورقة التي كتب عليها بفعل التضخم وفي أولوية حقها في حضانة الأولاد إلا إذا اختاروا الأب.. بدون خلق البنية التحتية للعدالة والأمان للمرأة سيبقى المجتمع كله يدور في حلقة مفرغة من التخلف والظلم وإنعدام العدالة وتأكيد ديكتاتورية الرجل وإزدواجية المرأة في مطالبها.


باحثة وناشطة في حقوق الإنسان