قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

غريب أمر السياسة والسياسيين في العراق، فبعد كل هذه السنين من الممارسة السياسية، وبعد كل هذه النتائج الكارثية من سياسات خاطئة، يبدو أنهم لايتعلمون شيئا ً، أو قل لايريدون أن يتعلموا من تلك الأخطاء. فكل مرة تحدث مشكلة سياسية يبدأ السياسيون بحلها من الناحية النظرية من خلال التوافقات السياسية فيما بينهم غير أخذين بنظر الإعتبار الجوانب القانونية والدستورية أو مراعاة الجانب العملي وإمكانية تطبيق ما توصلوا اليه أو حتى النتائج المترتبة على ذلك. فهم دئما ً يضعون العربة أمام الحصان ومن ثم يلومون ويتهمون بعضهم البعض بعرقلة العملية السياسية. أن آخر ماتوصل أليه سياسيو العراق هو زرع دماغ ثان في رأس الدولة العراقية من خلال تشريع قانون مجلس السياسات الإستراتيجية ليكون صنوا ً لمجلس الوزراء، لتصبح الدولة بدماغين، أو بعقلين، ولا أقول بقلبين لأن السياسة والسياسيين في العراق لاقلب لهم. وفي خضم الصلاحيات المتضاربة بين المجلس المذكور ورئاسة الوزراء، وبين رئيسيهما الذي لايبدو أن أحدهم يطيق الآخر، ستتعقد العملية السياسية لينعكس ذلك على مستوى الخدمات، وهي لاتكاد تكون موجودة أصلا ً، وحينها سيكون المواطن العراقي بين حانة ومانة، وسيجر ذلك الكثير من اللغط والسجالات السياسية وساعتها جيب ليل وأخذ عتاب على حد قول المثل العراقي.

من خلال قراءة بسيطة لمسودة قانون مجلس السياسات الإستراتيجية يلاحظ هناك أن لهذا المجلس صلاحيات تنفيذيه، وهي يجب أن تكون فقط بيد الحكومة في النظام الديمقراطي، وصلاحيات تشريعية، وهي يجب أن تكون فقط بيد البرلمان في النظام الديمقراطي، وتدخلات قانونية في سياسات السلطة القضائية التي لابد أن تكون مستقلة في النظام الديمقراطي. بالتأكيد سوف لن يعارض البرلمانيون هذا القانون حفاظا ً على التوافقات السياسية بحجة أنه لايتعارض أو مالم يتعارض مع الدستور، ولكن، نتائج ذلك ستكون كالمثل العراقي القائل، تالي الليل تسمع حس العياط. وهنا لايقع اللوم فقط على كتلة العراقية التي تطالب بهذا المجلس، بل على كل الكتل السياسية التي وافقت مبدئيا ً على تأسيس هذا المجلس في اربيل من أجل تسهيل تشكيل الحكومة العراقية ولو كانت عرجاء. ليس هناك مشكلة أذا كان دور هذا المجلس إستشاريا ً يقدم نصائح وتوصيات للحكومة العراقية والبرلمان، لكن المشكلة الحقيقية هي في دوره التنفيذي والتشريعي وتدخلاته القانونية. بل الأكثر من ذلك، كيف سيكون رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس السلطة القضائية تحت رئاسة هذا المجلس وصلاحياته، فكيف ستوافق ذلك مع مبدأ فصل السلطات الثلاث وإستقلالها في النظام الديمقراطي، هل هي دولة في داخل دولة؟

أن النظام الديمقراطي في جوهره هو حكم الشعب الذي يجب أن يتساوى أفراده في حق التصويت. وبما أن حضور كل الشعب في زمان ومكان معينين، لإتخاذ القرارات المهمة، متعذر من الناحية العملية، طور فلاسفة السياسة مفهوم الديمقراطية الغير مباشرة في شكليها الجمهوري والنيابي. ففي النظام النيابي، كما في العراق، يختار الشعب نوابه بشكل يكون لكل مواطن حصة وممثل في هذا البرلمان التشريعي الذي يقوم بدوره الرقابي على الحكومة التي يختار رئيسها ويعطيها الثقة في الممارسة التنفيذية. فلكل مواطن حصة وصوت وممثل في البرلمان لصياغة القرارات والقوانين المهمة. وكل صوت لأي مواطن يجب أن يكون موجودا ً من خلال تشريع لقانون أو معارضته أو التحفظ عليه. فسياسة الدولة تصاغ فقط من خلال البرلمان، وهو المحتكر الوحيد للتشريعات، وأي تشريع يكون خارج هذا البرلمان هي خيانة للشعب والمواطن الذي يملك السلطة الحقيقية.

ولكن، يبدو أن مجلس السياسات الإستراتيجية سيكون البديل المحتمل لمجلس النواب العراقي. فبأي صفة يقوم عدد من السياسيين، لايتجاوز العشرين نفرا ً بصياغة السياسة الإستراتيجية للبلد. ماذا سيكون مصير القوائم الصغيرة جدا ً، والنواب المستقلين، والنواب الذين لهم رأي يخالف رأي سياسة رئيس الكتلة؟ اليس هؤلاء يمثلون جزء من الشعب العراقي؟ لماذا تحتكر إرادة الشعب بيد الإرادة السياسية لمجموعة من الكتل والشخصيات، ولماذا يحتكر أفراد قليلون الصفة التشريعية أو ترتيب الأولوية في التشريعات؟ هل سيكون لهذا المجلس دور تنفيذي؟ كيف سيتوافق ذلك مع مفهوم السلطة وهو مسك الصلاحيات فقط بيد مؤسسة واحدة هي الحكومة؟ بل يخل ذلك حتى بمفهوم السيادة عندما يتجزء إحتكار السلطة بدون موافقة الحكومة.

لماذا يلتف السياسيون العراقيون على مبدأ الديمقراطية؟ لمذا يلتف السياسيون العراقيون على إرادة الشعب العراقي لتمرير أرادات سياسية لكتل وأشخاص معينين. هل سيكون مجلس السياسات الإستراتيجية هو مجلس للإرادات السياسية أو قل مجلس للمقامات السياسية. هل كل هذا من أجل التوافقات السياسية وبعض الشخصيات المتنفذة. بأي ديمقراطية تحكمون، هل بالتي نعرفها وتعرفون أم بديمقراطية إبتدعتموها لأنفسكم.

عماد رسن
[email protected]