قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أسألني وهو غاضب.. كيف للكنيسة أن ترفض مقترح بعض أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور لإخضاع أموال الكنائس لمراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات؟ أليست هذه أموال عامة ويجب أن تخضع للرقابة من قبل الدولة، أليست كل أموال الجمعيات الأهلية مراقبة من قبل الدولة، أليست ميزانية الأزهر الشريف خاضعة لمراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات؟؟

قلت له بهدوء لا لا يا أخي العزيز أموال الكنيسة ليست أموال عامة وليست من ميزانية الدولة كما هو الحال مع مؤسسة الأزهر، ووزارة الأوقاف، وجامعة الأزهر، والمراكز الثقافية الإسلامية في مصر وخارجها، وغيرها. والكنيسة ليست جمعية أهليه ولا تخضع لقانون الجمعيات الأهلية. فالأمر ملتبس عندك يا صديقي وعليك أن تعرف أن الكنيسة لم ولن تخضع ماليا لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وذلك لسببين أثنين من الممكن أن يضاف إليهما أسباب أخرى.

الأول هو احتراما للشرائع السماوية التي تؤكد على ضرورة عدم خضوع الكنيسة ماليا لرقابة الدولة بأي حال من الأحوال. والسبب الثاني هو أن الكنيسة لا تأخذ مليما واحدا من ميزانية الدولة كما يأخذ الأزهر الشريف وبقية المؤسسات الإسلامية فلماذا أذن تراقب أموالها وهي ليست أموال عامة للدولة. فأموال الكنيسة أموال خاصة ومن حقها القانوني أن تتصرف بها كما تتصرف أنت براتبك وتنفقه كما تشاء بدون رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات..

فبادرني بالقول ما علاقة هذا بالشرائع السماوية ؟ أرى أن السبب الأول يحتاج لتوضيح؟

حسنا دعني أوضح لك. حسب فهمي المبدئي إذا ما احتكمنا للقرآن الكريم فسوف نجد أنه أمر أتباعه بأن يتركوا المسيحيين يحتكمون إلى شرائعهم كما في قوله quot; وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة:47 )quot; وأظنك لست من الفاسقين!

أيضا نجد في قوله quot; وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44 )quot; ومادام القرآن الكريم قد أمر بأن يحتكم أهل الإنجيل إلى كتابهم بالفعل المضارع وليس الماضي فمن يعيقهم عن الاحتكام إلى شرائعهم سينطبق عليهم الوصف كافرون.

كما نجد في قوله quot;وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة:45 )quot; إذن وللمرة الثالثة نجد أن القرآن الكريم يصف من يمنع أهل الإنجيل أن يحتكموا إلى شرائهم الظالمون. فهل عرفت الآن من هم quot;الكافرون الظالمون الفاسقونquot;؟؟ هم أولئك الذين لا يريدون للمسيحيين أن يحتكموا لشرائعهم. فقاطعني قائلا وما هو حكم الشرع المسيحي في هذه القضية؟
يا عزيزي.. المسيحي في العقيدة المسيحية مطالب بأن يصنع صدقته في الخفاء حتى لا يراه الناس ويمتدحونه فيأخذ أجره منهم ويضيع أجره في السماء. هل تعلم أن المسيحي لا يفصح لأي إنسان حتى ولو كاهن الكنيسة عما يدفعه للفقراء أو المحتاجين أو ما تحتاجه الكنيسة من أموال للصرف على إدارة شئونها وحتى عند وجود إيصالات للتبرع يطلب الشخص بدلا من كتابة اسمه كتابة عبارة quot;فاعل خيرquot; أو quot; من يدك يارب أعطيناكquot; أو quot;طالب بركة اللهquot; وبنفس المنطق تدفع الكنيسة للفقراء والمحتاجين في الخفاء فتحفظ بذلك وصية الإنجيل كما تحافظ على مشاعر المحتاجين والفقراء.
انظر ماذا علم السيد المسيح أتباعه. جاء في إنجيل متى الإصحاح 20 quot; وأمَّا أنتَ فمتى صنعتَ صدقة، فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك، لكي تكون صدقتك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانيةً... لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ... بل ٱكنزوا لكم كنوزًا في السماءquot;. هذه هي تعاليم المسيحية والتي يجب أن يحترمها المسلمون طبقا للآية الكريمة ليحكم أهل الإنجيل بما انزل الله فيه.. وللأسف يطالبهم البعض بأن يخالفوا تعاليم دينهم ونسوا أن ذلك إذا ما حدث فهو يعني بالتبعية عدم التزام المسلمون أيضا بشريعتهم..
أيضاً فإن عدم مشروعية رقابة الدولة على أموال الكنيسة يعود إلى أن أموال الكنيسة ليست أموال عامة مملوكة للدولة وليست من جيوب ممولي الضرائب ولا من الميزانية العامة حتى تضعها تحت مراقبة الجهاز الحكومي؟ أما بالنسبة للأزهر والأوقاف فالموقف مختلف لأن ميزانية هذه المؤسسات تقتطع من ميزانية الدولة ومن جيوب دافعي الضرائب المسيحيين والمسلمين وللأسف يستفيد منها الأزهر والأوقاف وغيرها من المؤسسات الدعوية الإسلامية ولا تستفيد منها الكنيسة. حتى أن جامعة الأزهر والتي لا يسمح للمسيحي الالتحاق بها يشارك المسيحيون في تمويلها من جيوبهم.. هل رأيت ظلما أبلغ من هذا؟
أما إذا أردت عزيزي أن تحتكم إلى شريعة المواطنة واحترام قوانين حقوق الإنسان فعلى الدولة أولا أن تعامل المسيحيين نفس معاملة المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى وتعطيهم ذات الحقوق. أليس من الظلم أن ُتبنى المساجد بتسهيلات مادية ومعنوية من الدولة، في حين لا تعطي الدولة مليما واحدا في بناء الكنائس بل ومازالت تتعامل بالخط الهمايونى والشروط العشرة المجحفة؟

يا أخي الكريم... هناك مأساة وشر اشر من الشر عندما تجد إخوتك هم الذين يمنعون عنك حقوقك. فحتى ولو تم توفير ثمن شراء الأرض لبناء كنيسة فإنك فجأة تجد العراقيل قد وضعت، التصاريح قد حجبت، والمشاجرات قد بدأت لمنع البناء. ويكون لزاما علي المسيحيين التوسل هنا وهناك لكي يبنوا لهم كنيسة للصلاة في أرض أجدادهم وفي موطنهم ؟ هل تعلم أن الأديرة والكنائس كانت منتشرة في مصر بالآلاف قبيل الغزو العربي، والآن بشق النفس لا يستطيعون أن يبنوا لهم كنيسة أو حتى يرمموا أخرى قديمة. هل يوجد ظلم اكبر من هذا؟؟

هل تعلم يا عزيزي أن الدولة المصرية لا تتحمل مصاريف خدمات الكهرباء والماء، وغيرها من الخدمات للكنائس في الوقت الذي توفر فيه للمساجد كل ما تحتاجه من أموال دافعي الضرائب من المسيحيين والمسلمين على حد سواء؟

هل تعلم يا عزيزي أن الدولة لا تقر ميزانية سنوية للكنيسة أسوة بالأوقاف والأزهر؟ ففيما تشمل ميزانية الأزهر والأوقاف الدعوة بالداخل والخارج وبناء المراكز الثقافية الإسلامية في الداخل والخارج وصرف مرتبات الدعاة والشيوخ والعاملين في الداخل والخارج وتؤمن عليهم صحيا في الداخل والخارج تجد الكنيسة مطالبة بتوفر ما تحتاجه من أموال من تبرعات الشعب. من يقبل هذا المنطق الظالم؟ أليست أموال الدولة هي أموال ضرائب المسلمين والمسيحيين معاً فكيف يتم جمعها من الكل في حين يتم صرفها للجزء. أليس في هذا ظلم بين؟؟

على أية حال إذا ما حكمت قانون المواطنة وحقوق الإنسان بحيث تتعامل الدولة ماديا مع الكنيسة كما تتعامل مع المسجد وتدفع لها من ميزانيتها العامة كما تدفع للمسجد وتصرف مرتبات الكهنة والأساقفة ومتطلبات الرهبان والأديرة والكلية الأكليريكية اللاهوتية وبناء الكنائس في بلاد المهجر كما تنفق على جامعة الأزهر ومراكز الدعوة في مصر والخارج...عندما تقر الدولة كل هذا فيمكن لها مراقبة ما تدفعه للكنيسة من ميزانيتها. الموضوع كبير ولا يعبر عنه إلا المثل القائل quot;ولا بيرحموا ولا سيبين رحمة ربناquot;. ربنا يرحمنا جمعيا.

[email protected]