الكون الكلي 8


بالتوازي مع نظرية الأوتار الفائقة التي قادت إلى النظرية أم theacute;orie M ظهرت نظرية الحقول أو المجالات الكوانتية أو الكمومية theacute;orie quantique des champs وهي نظرية تظهر فيها القوة بين جسمين من خلال جسيمات أخرى كما هو مع الكهرومغناطيسية فيما يخص التفاعل بين إلكترونين الذي ينتج الفوتونات إلا أنه من الصعب التعامل مع الثقالة أو الجاذبية على أنها قوة تتفاعل مع الجسيمات وتخضع لقوانين فيزياء الكم أو الكوانتا إذ لا يمكن إخضاع الغرافيتون graviton الذي يفترض أنه الجسيم الحامل للثقالة أو الجاذبية لقوانين الكم أو الكوانتا كما يخضع لها الفوتون. وذلك لأن النتائج الرياضية الناجمة عن عملية إخضاع الغرافيتون لقوانين الكونتا أو الكمومية ستكون ذات قيم ومقادير لا نهائية infinies وهي لا معنى لها لا رياضياتياً و لا فيزيائياً وبالمقابل لا يمكن إخضاع قوانين الكم.

أو الكوانتا وتطبيقها على المديات والأجسام الضخمة كالمجرات والنجوم التي تتعامل معها النسبية العامة لآينشتين. والحال أن نتائج كلتا النظريتين كل على حدة صحيحة وصادقة في مجال استعمالاتهما لكن إخضاع قوانين إحداهما للأخرى في بعض المجالات النظرية تأتي بنتائج لا منطقية ومجموعة من الفرادات غير المرغوبة عند العلماء.
وكان لا بد من إيجاد بديل نظري سماه العلماء الثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية gravitation quantique التي من شأنها توحيد نظريتي النسبية العامة والكوانتا.

هناك فرضية أخرى متداولة ولكن على نطاق محدود وتقول بالعكس تماماً لما ذكرناه أعلاه أي إن الأبعاد الإضافية حسب هذه الفرضية هي ذات أحجام لا نهائية tailles infinies. بمعنى آخر أن كوننا المرئي هو عبارة عن مسطح أو سطح surface بأربعة أبعاد وما البرانات branes سوى أغشية تكون جسيمات المادة فوقه بما فيها من إلكترونات وكواركات ونيوترونات التي تتوافق أو تتطابق مع الأوتار المفتوحة محكومة بالعيش في حين أن الأوتار المغلقة كالغرافيتون يمكنها الوصول للأبعاد الإضافية أي الزمكان الكامل. ومن جراء إدخال فرضية البرانات في نظرية الأوتار الفائقة ظهرت عدة نماذج كزومولوجية إلا أن الفكرة العامة هي نفسها والتي تقول أن كوننا المرئي محصور بالأغشية البرانات. وهذه الفكرة قديمة جداً تعود للعهد الإغريقي. فقد كتب الفيلسوف هيراقليط Heacute;raclite إن الصاعقة foudre تحكم الكون لأنها النار الأزلية الحكيمة التي تقف وراء إدارة العالم. وفي عام 2001 طور جوستين كوري justin khoury و بول شتاينهارد Paul Steinhardt و نيل توروك Neil Turok في هذا المجال ما عرف بنموذج الاحتراق أو الاشتعال العام modegrave;le de conflagration لأنه يشبه أطروحة الإكبيروسيس Ekpyrosisالتي دافع عنها وروجها هيراقليط Heacute;raclite في القرن الخامس قبل الميلاد، وملخصها أن الكون عبارة عن شعلة نارتولد وتتأجج ومن ثم تخمد وتنطفيء ومن ثم تولد من جديد من رمادها. إن هذا السيناريو يستند على فرضية أن البران أو الغشاء brane ليس وحيداً في العالم وأن هناك أكوان أخرى تطوف على أغشية أو برانات أخرى حولنا أو بالقرب منا لكنها غير مرئية وإن الفضاء الذي يحتويها مكون من الفراغ vide قد يكون هو الفراغ الكوانتي أو الكمومي. ففيزياء الكم أو الكوانتا تقول إن الفراغ هو خالي أو فارغ من الجسيمات لكنه ليس فارغ من الطاقة ويعمل بمثابة نابض أو قوة دفع محفزة على شكل طاقة محركة تقود برانين أو غشائين أو كونين لكي يتصادما عندما يقومان بتقلصات ذاتية وإن الطاقة الناجمة من جراء التصادم تتحول إلى مادة وأشعة. ولو كان هذا الحدث قد تم في الماضي على غشائنا أو كوننا فسوف نفسره من موقعنا عليه كما لو إنه الحدث الذي أسميناه بالانفجار الكبير. وبعد الاصطدام يدخل الغشاءان الكونان في حالة تمدد وتتشكل المجرات ز ولكن كلما ابتعد البرانان أو الغشاءان الكونان عن بعضهما فإن طاقة الفراغ تأتي لتكبح عملية الابتعاد أو التباعد ومن ثم ترغمهما على التقارب من جديد ومرة أخرى تولد فيهما حركة مضادة تدفع أحدهما باتجاه الآخر ليدخلا مرة أخرى في حالة تصادم جديد أي انفجار كبير جديد وهكذا دواليك.

اتبع علماء آخرون من بينهم ستيفن هوكينغ Stephen Hawking طرقاً أخرى للتقصي وتوصلوا إلى فكرة أن مفهوم أصل الكون المرئي المرصود يضيع في هباءة معتمة وغامضة من هباءات كمومية أو كوانتية للزمكان حيث تتداخل أو تتراكم الأماكن والفضاءات والأزمنة حتى يضيع الأثر ويتحول حدث البداية إلى إشكالية مشكوك فيها probleacute;matique. فمفاهيم المكان والزمان أو الزمكان التي نستخدمها ونستدل بها ونفكر بواسطتها بهذا الأصل وتلك البداية، لن تصبح سوى مفاهيم نسبية صاعدة أو منبثقة لم تظهر إلا في لحظة ما من تاريخ الكون المرئي وبالتالي لا يوجد أي معنى للحديث عن أصل للكون لذلك اقترح ستيفن هوكينغ تعبير كون بلا حواف الذي يعني أن الكون حجم متناه ولكن ليس له حدود أي ليس له بداية محددة.

هناك تنويعات كثيرة حول هذه النماذج لكنها لاتغير من المعطى الجوهري ولا توجد واحدة منها تتعاطى مع فكرة الخلق من العدم creacute;ation ex nihilo فهي تفس حدث الانفجار الكبير، إما كفترة أو مرحلة انتقالية بين مرحلتين للكون أو كنتيجة لتصادم برانين أو غشائين أدى تصادمهما إلى ظهور كوننا المرئي ومعه غشاء كون لكون توأم غير مرئي، أو حرمان فكرة وجود بداية للكون من المصداقية والوثوقية، وفي كل الحالات تختفي اللحظة صفر وتتبخر بمعنى أن الفرادة الأساسية تتفتت الموجودة في النماذج الكوزمولوجية الكلاسيكية للانفجار الكبير والتي لا تأخذ بالاعتبار غير الثقالة أو الجاذبية. بعبارة مختصرة إن الفرادة لم تحدث أو توجد في أي وقت من الأوقات وهكذا وببساطة ألغيت الفرادة في الكون المرئي.

وبطرح فكرة وجود كون سابق لكوننا المرئي الحالي وسيكون له حتماً كون لاحق في نهاية حياة هذا الكون بعد مليارات المليارات من السنين، فإن نظرية الأوتار الفائقة، حتى لو كانت في بداياتها ولم تكرس بعد كما هو حال النسبية الخاصة والعامة، فإنها تبدو نظرية ثورية لأنها تضع العالم بالمقلوب فمن جهة تسمح بالتفكير بالانفجار الكبير بصورة مغايرة وبأنه لا يمثل أصل أو بداية للكون المرئي، ومن جهة أخرى فإنها تخبرنا بأن الكون البدئي لا علاقة له البتة باللحظات الأولى لوجوده بل هو مجرد مرحلة ساخنة جداً وكثيفة جداً اجتازها الكون في صيرورته قبل 13.7 مليار سنة.

إن هذه النتائج أو الاستنتاجات النظرية لا قيمة لها إذا لم تكن نظرية الأوتار الفائقة صحيحة وصالحة ومن المبكر إعطاء حكم قطعي بشأنها. فأحجام الأوتار من الصغر بمكان جعلها صعبة المنال ويتعذر إثبات وجودها وبالرغم من ذلك فغن النظرية حققت نجاحات باهرة على الصعيد الرياضياتي لكنها لم تحرز تجذراً راسخاً على الصعيد الفيزيائي بعد. فهي ليست جاهزة تماماً اطب تكون النظرية الجامعة والموحدة الوحيدة أو نظرية كل شيء كما يأمل أنصارها ولم يتم التحقق من صلاحيتها تجريبياً ولا مختبرياً ولا عبر الرصد والمشاهدة أي أن الطبيعة لم تمنحها بعد شهادة حسن البقاء والديمومة والصلاحية بتعبير آخر ما تزال نظرية الأوتار الفائقة في طور الميتافيزيقيا الرياضياتية رغم أناقتها وجمالها رياضياتياً. لذلك يحاول عدد من العلماء المعاصرين أن يبنوا كيان نظري جديد وفق مقاربات مختلفة من أجل التوصل إلى نظرية كمومية أ كوانتية للثقالة أو الجاذبية theacute;orie quantique de la gravitaion انطلاقاً من مباديء مختلفة وافتراضات أكثر جرأة وجنوناً يعتقدون أنها ستكون الأساس الصالح لنظرية كل شيء.