للمرّة الأولى، منذ سنوات عدّة، ينزل الى الشارع في تل ابيب اسرائيليون يطالبون بمعاودة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني من اجل التوصّل الى تسوية. جاء نزول آلاف الإسرائيليين الى الشارع في ذكرى اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي وقّع اتفاق اوسلو مع ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، في حديقة البيت الأبيض في ايلول ـ سبتمبر 1993.
اغتيل رابين في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1995، اي بعد عامين وشهرين من توقيع اتفاق اوسلو الذي لم يحقّق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعدما تعرّض لحرب شعواء. توّجت هذه الحرب، التي بدأها المتطرفون في اسرائيل، بنشوء جبهة رفض عربية ـ اسرائيلية انضمت اليها ايران. عملت هذه الجبهة من اجل منع اي تقدّم في اتجاه السلام. كان اغتيال المتطرف ييغال عمير لإسحق رابين بمثابة نقطة تحول على طريق طي صفحة السلام. كان رابين من بين السياسيين الإسرائيليين القلائل الذين كانوا يعتقدون ان الردّ على الإرهاب والتطرف يكون بالتمسّك بعملية السلام بدل الإستسلام لرافعي شعارات من نوع "اسرائيل الكبرى" او "فلسطين وقف اسلامي" الذي تنادي به "حماس" ومن على شاكلتها الذين وضعوا نفسهم طوال فترة طويلة في خدمة المشروع التوسّعي الإيراني القائم على المتاجرة بالقضية الفلسطينية والفلسطينيين.
ما لا يمكن تجاهله في اي وقت ان اسرائيليا متطرفا اسمه باروخ غولدشتاين نفّذ في شباط ـ فبراير 1994 عملية ارهابية في الحرم الإبراهيمي في الخليل. قتل وقتذاك بدم بارد تسعة عشر مصليا فلسطينيا وجرح العشرات. فعل كلّ ذلك من اجل القضاء على اي امل بالسلام.
باغتياله اسحق رابين، اثبت ييغال عمير انه صار "ملك اسرائيل". العقل الذي قتل رابين هو العقل الذي يتحكّم بالقرار الإسرائيلي. لم يخلف رابين شخص يؤمن بالسلام. جاء بعده بنيامين نتانياهو الذي اكّد انّه يمثّل بالفعل ما يمثّله قاتل رابين.
لم يكن اسحق رابين ملاكا. كان عدوّا تاريخيا للفلسطينيين. لكنّ اهمية الرجل تكمن في انه توصل في مرحلة معيّنة الى قناعة فحواها ان لا بدّ في نهاية المطاف من التوصل الى تسوية مع الجانب الفلسطيني. عرف رابين ان الشعب الفلسطيني موجود شاءت اسرائيل ام ابت. هناك شعب لا يمكن انكار وجوده ولا مفرّ من ايجاد مكان له على الخريطة الجغرافية للشرق الأوسط بعدما تبيّن انه حاضر على الخريطة السياسية للمنطقة. ادرك ان لا مصلحة لإسرائيل في المدى الطويل، خصوصا اذا كانت تريد البقاء دولة ذات اكثرية يهودية و"ديموقراطية"، سوى التخلي عن الضفة الغربية في اطار ترتيبات معيّنة.
في الواقع، لم يفهم اهمية رابين، فضلا عن ضرورة استغلال عامل الوقت، غير الملك حسين رحمه الله. سارع الملك حسين الى التوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل (في تشرين الأوّل ـ اكتوبر 1994) وذلك قبل سنة وشهر من اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك.
لم يرسم هذا الإتفاق حدود الدولة الفلسطينية المفترضة فحسب، بل انّه امن للأردن حقوقه في الأرض والمياه في وقت كانت هناك اطراف اسرائيلية تعتبره الوطن البديل للفلسطينيين. من وضع حدّا لأحلام اليقظة الإسرائيلية وللكلام التافه عن الوطن البديل، كان الحسين الذي امتلك ما يكفي من بعد النظر لإنتزاع الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى من اسرائيل. لعب ذلك دوره في المحافظة على المسجد وفي تمكّن الملك عبدالله الثاني من اعادة تثبيت الواقع القائم في المسجد في الظروف الراهنة.
يتبيّن مع مرور الوقت ان الأردن هو الطرف الوحيد في المنطقة الذي يلعب دروه في المحافظة على الحقوق الفلسطينية وابقاء هدف قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة هدفا حيّا.
مع اغتيال اسحق رابين، انتهى اتفاق اوسلو وايّ امكان لتطويره والبناء عليه. لم يبق من اتفاق اوسلو سوى سلطة وطنية عاجزة. يمكن تلمس هذا العجز بمجرد زيارة لمقر الأمم المتحدة في نيويوك او الدوائر القريبة من مركز القرار في واشنطن دي. سي... اللافت انّه لم يعد هناك وجود فلسطيني يذكر لا في الأمم المتحدة ولا في العاصمة الأميركية، خصوصا بعدما قطعت رام الله العلاقة مع الطرف الوحيد القادر على خدمة الفلسطينيين فعلا في الولايات المتحدة، اي "مجموعة العمل الأميركية من اجل فلسطين".
في كلّ الأحوال، تمرّ القضية الفلسطينية هذه الأيّام في مرحلة لا سابق لها. هناك حراك شبابي على الأرض في ظروف جديدة لفلسطينيين يائسين لا علاقة لهم باتفاق اوسلو من قريب او بعيد. هؤلاء الفلسطينيون الذين حركوا الشارع الإسرائيلي ودفعوا في اتجاه التظاهرة التي شهدتها تل ابيب، لا يعرفون ماذا يريدون باستثناء انهم يعانون من الإحتلال والقهر والظلم وانسداد كلّ ابواب المستقبل امامهم.
وهناك ايضا حكومة اسرائيلية غير مهتمة بالسلام ولا تؤمن سوى بالإحتلال في وقت تغيّرت طبيعة العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة. وهناك ايضا وايضا سلطة فلسطينية تسعى الى تمرير الوقت. لم تعرف هذه السلطة حتّى كيف تجعل من رفع علم فلسطين في الأمم المتحدة قضيّة وحدثا كبيرا. فوق ذلك كله، هناك "حماس" الراغبة في تكريس سيطرتها على قطاع غزّة واستغلال كلّ فرصة للتمدد في الضفّة الغربية. الوحدة الوطنية الفلسطينية ليست همّا حمساويا. الهيمنة هدف بحدّ ذاته لـ"حماس"، حتّى لو كان ثمن الهيمنة هدنة طويلة مع اسرائيل تساعدها في بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية وتهويد القدس وتشديد حصارها على غزّة.
في ظلّ هذا المشهد الحزين، يشكل ما فعله عبدالله الثاني باجباره نتانياهو على عدم المس بالوضع القائم في المسجد الأقصى انجازا بحدّ ذاته. يبدو الأردن، اقلّه في المدى المنظور، الطرف الوحيد الذي يسعى الى تجنيب الفلسطينيين مزيدا من الكوارث، خصوصا ان ايّ انتفاضة يمكن ان تحصل الآن لا تمتلك من هو قادر على استغلالها سياسيا.
هل يوجود في النهاية شيء اسمه انتفاضة من اجل الإنتفاضة... ام الحاجة اكثر من اي وقت لقيادة فلسطينية تفكّر بطريقة مختلفة، طريقة تاخذ في الإعتبار كلّ التغيّرات ان في فلسطين او في اسرائيل نفسها؟ في طليعة هذه التغيّرات ان الأرض الفلسطينية كلّها تحت الإحتلال وان اوسلو انتهى في اليوم الذي اغتيل فيه اسحق رابين، اي قبل عقدين كاملين بالتمام والكمال.