توالت ردود الافعال الشاجبة للجريمة المروعة التي استهدفت الطيار الاردني معاذ الكساسبة كما توالت المواقف الرسمية وغير الرسمية المنددة بالارهاب. والادانة صدرت من جهات متنوعة شملت معظم بقاع الدنيا، بما فيها الادانة الصادرة عن "الخارجية السورية" التي تصب حممها المتفجرة يوميا على رؤوس الابرياء! كما ادانت العملية بعض التنظيمات " المؤدلجة " و"الطائفية" التي لا تتوانى عن استعمال الارهاب وتنفيذ المجازر وتهجير البشر لتنفيذ مآربها!

وقد سارعت الحكومة الاردنية الى تنفيذ حكم الاعدام بحق " ارهابيين " لديها لامتصاص الاحتقان الشعبي وردا على الافعال الاجرامية.

غير ان الملفت للنظر بيان شيخ الأزهر الشريف الذي اشار بعد شجب العملية الى ان حارقو معاذ الكساسبة يجب قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم تنفيذا لعقوبة المفسدين فى الأرض.

لا خلاف إذن على ادانة العنف من اي جهة صدر وبأي لبوس كان، بيد ان ثمة اسئلة محورية يجب الاجابة عنها في ظل فوضى القتل والارهاب التي تطال الانسانية : فهل على الضحية ان تنتعل حذاء جلادها وتعيد انتاج العنف من جديد ؟ هل علينا ان نقابل فعل الحرق بالصلب ؟ هل تقابل الهمجية بالهمجية؟

البيان الأزهري يتوعد بالعقوبة ويفتي بها. انه عمليا يستخدم نفس الادوات الفكرية والفقهية التي تستخدمها "داعش" و " القاعدة" وتستخدمها "الميليشيات

العقائدية " هنا وهناك، فهذا يحرق بحجة اقامة شرع " الله" وذاك يصلب دفاعا عن "الله " وآخر يرتكب المجازر لاجل أئمة "الله"...

فما هو الفرق بين من يحرق لاجل عقيدة توصف "بالمنحرفة" ومن يصلب لأجل عقيدة توصف بانها "سليمة" ومن يرتكب المجازر لاجل "طائفة" او " مذهب"؟

تحضرني مقولة لغاندي يقول فيها :" الردّ على وَحشيَّة بوحشيّة إقرارٌ بإفلاسنا الأخلاقي والفكري، ويمكن لهذا أن يكون بداية حلقة مفرغة "

ان تفكيك مملكة الارهاب تبدأ من تفكيك المصطلحات الفكرية والادوات الايديولوجية المؤسسة لها ولا يكون باستخدام نفس الأدوات االوسائل الفقهية التي يستخدمها الارهاب نفسه !

ننتظر من الأزهر خطوة تجديدية ترقى لمستوى الأحداث تتطال تجديد الخطاب الديني بأسره لا الاكتفاء باعادة تدوير النصوص. انها مسؤولية حضارية حقيقية تتطلب عملا دؤوبا وحقيقيا للخروج من دائرة حرفية النصوص الى المبادئ الكونيّة الجامعة للحضارة الانسانية ومشتركات الحكمة الخالدة والتي تتفق بما لا يدع مجالا للشك على أنّ علاقة الانسان بالانسان، والانسان بالكون، هي علاقة تكامليّة لتحقيق المحبة والسلام، وتتمحور حول أهمية وعي الكائن الانساني لعظمة وجوده الذي لا يكتمل إلا باللاعنف واللاإكراه.

نتطلع الى اجتهادات تفتح آفاقًا رحبة لإحداث يقظة لاعنفية ضدَّ ما يحصل من جرائم يومية بحقّ البشر بدءا من التطهير العرقي والاضطهاد وصولا الى تعنّت الدول المسيطرة.

ويمكن اليوم استلهام التجارب المشتركة في تراث البشرية، التي تؤكد على انّ العدالة والمحبة لا تتحققان إلا باللاعنف، من أجل حماية الانسانية، ولكلّ شعبٍ تراثه الرُّوحي المشرق الذي يشع سلامًا فطريًّا، ويمكن له أنْ يُبلور رؤيته الخاصَّة للاعنف بحسب ظروفة وإمكاناته وجذوره الفكريّة، أسوة بما فعل مُستَنِيري كلّ العصور من سقراط والناصري وغاندي و ابن عربي وماهافير وناناك و طاغور وتولستوي... وغيرهم، ممّن آمنوا أنّ التغيير الفعلي يبدأ بتحقيق الانسانية والسلام و تربية النفس قبل جهاد البشر، و أنّ نصرة الحقّ لا تكون إلا بالحقّ وبوسائل عادلة.

ربما الامر يتطلب عاملين:

العامل الأول : وجود إنسان مؤمن باللاعنف سبيل حياة، يحمل بذرة فطرية انسانية تتجاوز الدكاكين "الطائفية " و التقسيمات القومية والآراء التسلطيّة، والأيديولوجيات المتصلبة، والنظريات الانعزالية، ويتمتع بالقوة والإرادة على زرع بزور التسامح في قلب الأخوة الانسانية

العامل الثاني : وجود مبادئ أخلاقية قابلة للتطبيق في سياق التربية اللاعنفية تتبلور من خلال فعل انساني قوامه المحبّة لكل الخلائق و التضحية من أجل الانسانية وتحمل المسؤولية تجاه الكون والكائنات.

وأخيرا ؛ هل الأزهر قادر على تحمل تلك المسؤولية الحضارية؟

نأمل ذلك لان تحقيق السلام هو محك انسانيتنا وفيصل معرفتنا.

&