ربما ينبغي أن تكون نظرية "تزحزح القارات" الدرس الأحب إلى قلوب الأوروبيين، النظرية التي ينبغي أن يدرّسوها لأبنائهم في جميع المستويات،و بكل اللغات الأوروبية، و يشددوا على هذا الحدث الجيولوجي الهام.

فماذا لو لم تتزحزح القارة الأوربية مبتعدة عن بنتها الإفريقية السمراء، وتولي هاربة و قد جُعل بينهما بحر منيع،ماذا كان سيحدث لو بقيتا متلاصقتين و لم تنفصلا!&

كم يلزم من الأسلاك و الألغام و المتاريس، لمنع الجحافل الهائلة من الأبناء، الجحافل القادمة من بلاد الرمل و الجراد و الكلاشنيكوف. و التي لا تطالب سوى باعتراف بالأمومة، بعد أن استوطنت عندهم الأم ردحا من الزمن، و اعتبرتهم في وقت من الأوقات أبناءها الطيبين، وإن لم يشبهوها في اللون.

و مع شدة الوله و عاطفة الأمومة التي لا تنمحي، لم يقف البحر الأبيض حاجزا أمام الإرادة السوداء، التي تنشد أوروبا، ولا شيء غير أوربا.

أوروبا البيضاء شتّتت أبناءها، ووضعت على كل قارة بقية من بقاياها الغابرة، أوربا البيضاء التي كانت تلقم ثديها،وحتى الأمس القريب، لأبنائها السود، وتحمل إليهم النور و الحياة، وتخبرهم أنها جاءت من مكان بعيد لتكون لهم أما وحتى نهاية الزمان.

هكذا في رمشة عين، تنصرف الأم البيضاء، وقد جمعت مستقبل الأبناء كله، ووضعته تحت إبطها و انصرفت، في تنكر سافر تُوليهم ظهرها، و تتركهم للجوع والميليشيات،و تتبرأ منهم، وتشيّد بينها و بينهم أمتارا عالية من السواتر الترابية، وسنوات ضوئية من متاريس التاريخ و عقباته الكأداء.

بالطبع لم ينس الأبناء أمهم، التي سرقت حليبهم، و جمعت ثديها و انصرفت.

من عجائب الله في خلقه، أن بعض أنواع النمل، يقوم بعمل فدائي نوعي لم يخطر على قلب بشر بعد،حيث يتراص النمل كتلة واحدة، و يتخذ من بعضه البعض قنطرة، فيموت بعض النمل و ينجو البعض الآخر، وهم يواجهون معركة المصير الواحد أمام سيل ماء هادر.

ماذا لو فعل أبناء إفريقيا السوداء الشيء ذاته، واتخذوا من أجسادهم المعروقة المحروقة قناطر بشرية، يمرون بها إلى الضفة الأخرى، إلى حيث يوجد الحليب المسروق الذي سرقته الأم البيضاء المتنكرة.

إفريقيا السوداء جرح البشرية النازف، حيث لازال السحر أرقى أنواع الفكر، وحيث مايزال الناس يشربون دماء البقر، ويطيلون أعناقهم تزينا كالزرافات، ويتقافزون حاملين البنادق وفوهات المدافع، يقتلون بعضهم البعض وهم يرقصون،ويموتون وهم يضحكون.

عندما نبتت لأوروبا أنياب العلم، شحذوها في هذه القارة المنسية، و تقاسموا خيراتها كما يتقاسم الأطفال قطع الحلوى، فلا أحد ينسى الأقفاص الحديدية التي كانوا يعرضون داخلها الإنسان الأسود في حدائق لندن و باريس "للحيوانات"...

و اليوم يعود "الحيوان" إلى أصله باحثا عن قفصه.

&

[email protected]