: آخر تحديث

النمو الانفعالي لدى الطفل

 

على أهميته الكبرى في بناء الإنسان فإنَّ النمو المعرفي للطفل لا يجب أن يسير بمفرده، فلا بدَّ من أن يوازيه نموٌّ آخر على المستويين الانفعالي والوجداني. فنحن نلحظ في حياتنا اليومية الكثير من الحالات التي يكون فيها الجانب المعرفي للفرد قد نما على حساب النمو الانفعالي. فعلى سبيل المثال نرى رجلَ أعمال ناجحاً في عمله لكنه من الناحية الانفعالية الوجدانية لا يزال عالقاً في شراك المرحلة الجنينية! وهذا يستدعي التمييز ما بين العمر الانفعالي الوجداني للفرد والعمرين الآخرين: العقلي والزمني.
ولكي نقترب أكثر من فهم هذا الموضوع لا بد لنا من العودة إلى الجذور والمشكلة التي تتمحور حولها الكثير من الصعاب: مشكلة "الحصر". 
فقد حدَّد "أوتو رانك" ثلاث مراحل للحصر ذات تأثير كبير على نمو الإنسان النفسي والانفعالي وهي بالترتيب: 
- حصرالولادة الذي يكابده الجنين خوفاً من الخارج المجهول. 
- حصر الفطام الذي يعني خوف الرضيع من منع الثدي والحليب عنه. 
- حصر فقدان حضن الأم الذي يعاني منه الطفل. 
ففي مرحلة ما قبل الولادة (المرحلة اللاشعورية) يسبح الجنين في ماء الأمومة وعضويته في سلام تامّ قبل أن يقوم الرحم بطرده وإخراجه من "جنة عدن". وهذه المرحلة ذات أهمية جوهرية في حياة كل إنسان حيث يعاد إنتاجها في مراحل متقدّمة من حياته، وما أفكارالبعث بعد الموت والحياة الثانية إلا محاكاة لحياة ما قبل الإدراك اللاشعورية؛ أي حياة الرحم مصدر حصرنا الأعظم!
في فترة الرضاعة يتعلَّق الطفل بصدر أمه؛ ملاذه الآمن البديل، وذلك حتى مرحلة الفطام. وبعدها لا يتبقى للطفل سوى حضن الأم آخر قلاعه الحصينة في مواجهة عالم خارجي غير آمن ومخيف. 
لكن  الوضع هنا قد اختلف كثيراً عن سابقيه لأنه ببساطة "غير مجاني" بل مشروط بالطاعة والخضوع حيث لسان حال الأم يقول له: "أنت ستطيع أوامري وترضخ لها في مقابل حصولك على حناني وحضني". وهنا يتعلم الطفل مسألة في غاية الأهمية ألا وهي تثمين العاطفة. 
إن علاقة الطفل بأمّه هنا، وبناء الصلة بينهما، ذات بُعد جوهري مستقبلاً على حياته، فهذا البعد الصلويّ الذي بناه في طفولته هو ذاته الذي سيستخدمه مع صديقه أو شريكته أو حتى في معتقداته. فالطفل الذي أقدم على كسر كأس زهيد الثمن وتمَّت معاقبته بالحرمان من "حضن ماما" ليوم كامل، أي عقاب عسير لا يتناسب مع حجم الذنب المرتكب، سينعكس سلباَ في المستقبل القريب، ولسوف يتعزز لديه الشعور الدائم بالإثم غير المبرَّر. 
إنَّ دور الأم دورٌ عظيم الأهمية في بناء الطفل النفسي الانفعالي، فبقدر حرصها على انصياع الطفل لقواعد التربية وتعلم اللباقة والنضج الاجتماعي لا يجب ألا يتم ذلك كلّه على حساب شخصية الطفل وثقته بنفسه وسلوكه وعمله. 
في كتابه "المرأة، بحث في سيكولوجيا الأعماق" يستعرض الكاتب "بيير داكو" (ترجمة وجيه أسعد) حالةً من التخلّف الوجداني والانفعالي لدى الطفل تحت عنوان "البنت المحصورة". فالبنت المحصورة هي أسيرة مرحلة أوديب وتعاني من حالة الطفالة وهي ببساطة الحفاظ على سلوك الطفل مع شيء من القصد. 
يمثّل الأب في مرحلة أوديب، في عقل الطفل "الرمزي"، حالة "المستقبل" بينما تلعب الأم دور "الماضي". ينتصب الأب في ذهن الطفل كعملاق يحجب عنه المستقبل ونوره الساطع فلا بد من تخطّيه والتفوق عليه وهزيمته (رمزياً) . فعلى سبيل المثال ممارسة المهنة التي قام بها الوالد ومحاولة مجاراته ثم التفوّق عليه. 
عندما يحاول الطفل الذكر فعل ذلك والطرْق بقوة على باب الأب يعلم تماماً، وقبل الخوض في هذه المجازفة،  أن أمّه تساند أوديبيته، وهو في كل محاولة فاشة في طرق باب الأب يتدحرج ويعود إلى حضن الأم؛ خطوطه الخلفية التي ستمدّه بالطاقة مجدداً في معركته الرمزية للوصول إلى البلوغ، وهذا ما هو غير متاح للبنت فهي لا تستطيع مقارعة الأب، لذلك تلجأ إلى "الحيلة" في تحصيل غايتها، وأيضاً هي تعلم أن ظهرها مكشوف في هذه المعركة لأن الأم لا تحبّذ أبداً أوديبية البنت وتحاول الكفاح ضدّها بشتّى السبل، فتقع البنت بين مطرقة أب مطلق لا يمكنها تجاوزه لأن المعركة غير متكافئة، وسندان الأم الجاهلة لقوانين هذه المعركة وكيفية تجاوزها دون مشاكل.
 
 باحث سوري في علم النفس.
 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.