قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

وضع خطة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين من منظور اقتصادي، تبدو غير مسبوقة. لأنه حتى وإن حدث شيء كهذا من قبل، فهو لم يصل الى حيز التنفيذ كما يحدث في مشروع السلام الفلسطيني الإسرائيلي أو صفقة القرن. وهي رؤية يقودها ويشرف عليها كوشنر، لكنها رؤية ترامبية دون أدنى شك. فدونالد ترامب رجل مال قبل أن يكون رجل سياسة، وصفقة القرن ليست سوى تجسيد فعلي لفكر ترامب الاقتصادي. غير أن هذه الخطة الاقتصادية التي ستُقَدم على شكل رهان مالي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لم تلقَ قبولاً فلسطينياً لاستبعادها الحلول السياسية التي يرى الفلسطينيون أنها يجب أن تسبق أي حلول اقتصادية.

لكن بعيداً عما إذا كان هذا المشروع الاقتصادي سيتم برغبة وقرار من الفلسطينيين أم سيُفرَض عليهم تحت الضغط السياسي، وسواءً اتفقت نتائج هذا المشروع مع الآمال والطموحات السياسية للشعب الفلسطيني أم لا، فإن الفلسطينيين تبعاً لهذا المشروع، أمام تغييرات هامة قد تؤدي الى إكسابهم ارتياحاً اقتصادياً (مؤقتاً) من ناحية، في حين ستؤول قرارات هذا المشروع ولابد لنتائج قد لا يرغبها الفلسطينيون، وهم يدركونها جيداً من الناحية الأخرى.

فالمحفزات الاقتصادية المقدمة من هذا المشروع، ستعالج قضايا البُنى التحتية والتوظيف، وستعمل على زيادة الناتج المحلي الإجمالي، كما وستفتح آفاقاً تجارية ليس للفلسطينيين فحسب، بل للدول المجاورة لهم. إذ سيجري تمويل قرابة 180 مشروعاً اقتصادياً تتوزع بين غزة والضفة الغربية. منها قرابة 15 مشروعاً في مصر، وخمسة مشاريع في لبنان، وأكثر من عشرة مشاريع في الأردن. وفي ظل تدني الوضع الاقتصادي الفلسطيني، ستصنع هذه المحفزات تغييراً على مستويات مختلفة، ربما تصل الى تحسين العلاقات التجارية بين فلسطين وجيرانها في المنطقة.

ومثل هذه الحلول الاقتصادية التي تعالج قضايا حقيقية يعانيها الفلسطينيين، لابد أن يدفع ثمنها الفلسطينيون أنفسهم والدول العربية الداعمة لهذه الحلول. فالازدهار والمال مقابل السلام، يعني أن يتنازل الفلسطينيون عن جزء من الأرض، وألا يُطالب اللاجئين بالعودة، كما أن على الدول الحاضنة للاجئين الفلسطينيين أن تقبل فكرة التوطين ومعاملة الفلسطينيين لا كأشقاء عرب، بل كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.

وهذا الإشكال يتخطى تمضيته كقرار فلسطيني محض، إذ أن دولاً عربية كلبنان مثلاً، تخشى أن يتخلخل توازن الطبقات الدينية لديها فيما لو قبِلت فكرة التوطين. فغالبية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مسلمين ومن المذهب السني، وهذا سوف يؤشر الى زيادة الطبقة المسلمة السنية، الأمر الذي تحاول لبنان أن تتجنبه لرفع رصيد طبقة على أخرى داخل بلادها.

لكن ماذا لو قبل الفلسطينيون والدول ذات العلاقة بهذا المشروع الاقتصادي؟

بلغة المال ستحصل فلسطين على 28 مليار دولار، فيما ستُستثمَر المليارات المتبقية في كل من مصر والأردن ولبنان. لكن هذه الأموال لن تأتي للفلسطينيين على هيئة هِبة، بل ديون بفوائد يتم سدادها وفق خطة طويلة الأجل. ولن تكون هذه الأموال أيضاً تحت إدارة الفلسطينيين، بل سيتم إدارتها من خلال غيرهم. ومع كل ذلك، فإن الازدهار وتحسين الأوضاع وحل النزاع المستمر، هي الأهداف البعيدة التي يحاول هذا المشروع تقريب الفلسطينيين منها.

وعلى الرغم أن الفلسطينيون هم من سوف يقررون مصيرهم، أو هذا ما يجب أن يكون، إلا أن هذا الطرح الاقتصادي يضع الفلسطينيين والعرب أمام فرصة سانحة للتفكير جدياً بخوض التفاهم على الحلول الاقتصادية، وأن يكونوا شركاء في البحث عن ما يخدم مصالح الفلسطينيين وتفعيل السلام في المنطقة.

وأخيراً أقول: يجب ألا نُسقِط على هذا المشروع الاقتصادي ما ليس فيه، فهو ليس مشروعاً لتسليع القضية الفلسطينية، أو مؤامرة تقف جنباً الى جنب المصالح الاستراتيجية لإسرائيل. بل هذا المشروع يأتِ كأطروحة تبحث عن إيجاد حلولاً للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي بمنظور اقتصادي. لأن الإحالة على الحلول السياسية لم تقدم نافعاً طيلة العقود الماضية. فما هو المرجو من الالتزام بمقاومة هذا المشروع من دون التفاهم حوله وعليه؟